إبراهيم درويش
ما معنى أن يقول الرئيس جو بايدن في معرض حديثه عن صفقة تبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل بأنها بداية ولكنها لا تلغي «شرعية» ملاحقة إسرائيل لحماس وتدميرها؟ الجواب هو أنه وكما يقول المسؤولون الإسرائيليون أن فترة التوقف المؤقتة، أربعة أيام سيتبعها استئناف القتل والتدمير في قطاع غزة الذي مضى عليه أكثر من 49 يوما. أي استمرار الضوء الأخضر الأمريكي للحرب على غزة والمدنيين فيها.
ومع ذلك كان بايدن حريصا في مؤتمره الصحافي يوم الجمعة، للتأكيد على دوره وطاقمه المحوري في الهدنة القصيرة وأنه عمل على مدار الساعة من أجل تأمين الإفراج عن مجموعة من الأسرى لدى حماس، وشكر القيادة القطرية والمصرية ورئيس الوزراء الإسرائيلي على التعاون في العملية، وحاول أن يضيف بعدا إنسانيا على جهوده وأنه أراد أن يعود الأسرى الإسرائيليون إلى أهاليهم، بدون أن يتحدث عن الأسيرات الفلسطينيات والأطفال في سجون الاحتلال، وأكد على دوره في إدخال المساعدات الإنسانية أثناء الهدنة المؤقتة وعاد للحديث عن شريطه المكسور، حل الدولتين، وأن حماس لا تفهم إلا لغة القوة، وأنها قامت بعملها من أجل إحباط خططه للشرق الأوسط الذي ستندمج فيه إسرائيل، وما قاده وفريقه من محادثات لدفع السعودية فتح علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.
وما لم يقله الرئيس بايدن هو أن استراتيجيته قد تقود الولايات المتحدة نحو مستنقع جديد في الشرق الأوسط. فهذا الرئيس الذي جاء بشعار إنهاء الحروب الأبدية، يعمل وبدون وعي على إدخال الولايات المتحدة للتورط من جديد في نزاعات الشرق الأوسط.
وعلى خلاف ما نشر في بعض الصحف الأمريكية وخاصة ما كتبه المعلق ديفيد إغناطيوس بصحيفة «واشنطن بوست» (21/11/2023) من مصادره الإسرائيلية أن الصيغة التي تم الاتفاق عليها هي «المزيد يعني المزيد» أي كلما أطلقت حماس سراح ما لديها من الرهائن كلما زادت إسرائيل من فترات الهدنة ما يعني تخفيض التصعيد في النهاية. إلا أن الرئيس لا يزال مصمما على دعم إسرائيل في حملتها ضد غزة.
والجميع في المنطقة العربية يلومون الولايات المتحدة على الدمار الذي حصل في غزة. وأشار تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» (23/11/2023) إلى ان الحرب في غزة أدت لتدني سمعة أمريكا وخاصة بايدن، ونشرت إحدى الصحف اللبنانية هذا الشهر على الصفحة الأولى بأكملها صورة أظهرت وجه الرئيس بايدن فوق صور الأطفال الفلسطينيين القتلى، بعنوان: «الإبادة الجماعية الغربية». وفي مصر وبعض دول الخليج العربي، أصبحت منافذ ستاربكس وماكدونالدز التي كانت تعج بالحركة ذات يوم، فارغة بفضل مقاطعة العلامات التجارية الأمريكية. وفي بيروت وتونس وعواصم عربية أخرى، سار المتظاهرون أمام البعثات الدبلوماسية الأمريكية، وأحرقوا في بعض الأحيان الأعلام الأمريكية، للتنفيس عن غضبهم من حصيلة القتلى المذهلة في غزة.
وقالت الصحيفة إن وجهة النظر السائدة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط هي أنه بينما تتولى إسرائيل القتال، فإن الحرب هذه تظل حربا أمريكية. ومن دون الغطاء الدبلوماسي والذخائر عالية التقنية التي توفرها الولايات المتحدة، فإن إسرائيل لن تكون قادرة على تنفيذ العملية الضخمة التي شنتها في غزة «للقضاء على حماس» والتي قال مسؤول في الأمم المتحدة هذا الأسبوع إنها تسببت في «مذبحة كاملة ومطلقة». وفي الدول العربية، حيث لم يخفت أبدا التضامن مع القضية الفلسطينية ويراقب الملايين القوة الوحيدة التي يرون أنها قوية بما يكفي لوقف إراقة الدماء في غزة، بدلا من الدفاع عن تلك الجرائم.
تهور أمريكي
ووصف محللون سياسيون في الشرق الأوسط دعم واشنطن للحرب الإسرائيلية بأنه موقف متهور لا يأخذ في الاعتبار الآثار الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية طويلة المدى لإبعاد منطقة حيث يشق المنافسون، وتحديدا الصين، خطوات أعمق. والأهم من ذلك، كما يقولون، هو أن الحرب أفقدت الولايات المتحدة مكانتها الأخلاقية، حيث أصبحت محاضرات بايدن لروسيا حول حماية الحياة المدنية في أوكرانيا تتزامن الآن مع تصريحاته الأكثر صمتا بينما تقصف إسرائيل المدارس والمستشفيات في غزة.
وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وفي المقاهي، وفي كل منشور ينتشر عليها بمنصات المنطقة، يعبر العرب عن مزيج من اليأس والغضب تجاه رد الفعل الأمريكي على معاناة الفلسطينيين. وتعزز هذا الشعور يوم الثلاثاء عندما أصدر البيت الأبيض بيانا بشأن صفقة إطلاق سراح الرهائن مقابل وقف القتال وإطلاق سراح بعض السجناء الفلسطينيين. وقال بايدن عن الرهائن في بيان: «أنا ممتن لأن هذه النفوس الشجاعة، التي تحملت محنة لا توصف، سيتم لم شملها مع عائلاتها بمجرد تنفيذ هذا الاتفاق بالكامل». ولم يذكر عدد القتلى الفلسطينيين الذي يزيد عن 13300 من بينهم أكثر من 5000 طفل، وفقا لأحدث الأرقام الصادرة عن مسؤولي الصحة في غزة.
وسلطت عشرات التعليقات على موقع X تويتر سابقا، الواردة تحت بيان بايدن الضوء على هذا الإغفال، وردت بصيغ مختلفة للرسالة التي مفادها أن إرث الرئيس في الشرق الأوسط سيكون «غارقا بالدماء».
وبرزت منذ بداية الحرب العلامات التجارية الأمريكية باعتبارها الهدف الرئيسي للغضب على مستوى الشارع بشأن الدور الأمريكي في الصراع. وتتيح منصة تسمى «بدناش» والتي تعني «لا نريد» للمستخدمين معرفة ما إذا كانت علامة تجارية معينة مدرجة في قائمة المقاطعة إلى جانب بيتزا هت وبيبسي والعديد من العلامات التجارية الرئيسية.
وبعيدا عن حركة المقاطعة وغضب الشارع والشباب العربي والمسلم، فإن المقالات التحليلية من خبراء أمريكيين باتوا يحذرون فيها من أن أمريكا تسير ببطء نحو مستنقع في الشرق الأوسط، ولن تتجنبه إلا إذا استفاقت على نفسها.
وناقش كل من جينفر كافانا وفردريك ويهري وكلاهما زميل بارز في وقفية كارنيغي بمقال نشراه في «فورين أفيرز» (24/11/2023) أن الحرب في غزة والتوسع المفرط في التمدد العسكري سيؤثر على عملية التخندق أو التراجع من المنطقة التي كانت شعار الإدارات الأمريكية الثلاث الاخيرة بما فيها إدارة الرئيس الحالي، جو بايدن. ويرى الكاتبان أن هجوم حماس على إسرائيل في غزة يوم 7/10/2023 مثل أكبر تحد للولايات المتحدة واستراتيجتها في الشرق الأوسط منذ انتفاضات الربيع العربي عام 2011. وقالا إن الهجوم الإسرائيلي المفرط على غزة ردا على ما فعلته حماس، والخسارة الفادحة بالأرواح، حيث زاد عدد القتلى عن 14.000 قتيل، حسب أرقام وزارة الصحة الفلسطينية، أدى إلى انتشار المشاعر المعادية للأمريكيين بالمنطقة وهجمات من الجماعات الوكيلة لإيران ضد القوات الأمريكية بالمنطقة.
وعليه فالطريقة التي ستتعامل فيها واشنطن مع حليفتها الأهم في الشرق الأوسط، إسرائيل واهتزازات الحرب في غزة ستترك أثرها على سياسة بايدن بالمنطقة. والرهانات واضحة، من خلال الانتشار السريع للقوات الأمريكية خلال الشهر الماضي، من حاملات الطائرات وأكثر من 1.000 جندي أمريكي ونشر المزيد من أنظمة الدفاع إلى الشركاء العرب في الكويت والسعودية والإمارات العربية المتحدة. ومع أن تعزيز الوجود العسكري يهدف لردع إيران ووكلائها في المنطقة عن فتح جبهة جديدة ضد إسرائيل، إلا أن التوسع العسكري ربما فاقم من التوترات الإقليمية وزاد من مخاطر وثمن سوء التقدير، وحفز عن غير قصد النزاع الذي تعمل واشنطن بيأس على تجنبه. وربما أدى إرسال الأسلحة المتقدمة إلى المنطقة لتوريطها بالتزامات أمنية كانت تحاول حتى وقت قريب التحلل منها. فقد ثبت ان نهج الولايات المتحدة للمنطقة وبنهاية العمليات العسكرية في العراق وأفغانستان عام 2021 بأنه مكلف ماليا ومن ناحية الأرواح التي فقدت وكان مدمرا على المنطقة وأسهم في الدمار الاقتصادي وصعود حركات التمرد.
فراغات
ومع زيادة الولايات المتحدة من تعزيز وجودها مرة أخرى، فربما استمر تورطها العسكري بالمنطقة بعد الأزمة الحالية وأسهم تمددها لخلق فراغات في مناطق أخرى وعلى المدى البعيد، وتحديدا في منطقة المحيط الهندي- الهادئ. وبناء على هذا السيناريو فإن معظم عمل إدارة بايدن التمحور نحو هذه المنطقة سيتداعى ما يترك مناطق مثل تايوان عرضة للعدوان الصيني.
ولهذا تحتاج الولايات المتحدة وبشكل عاجل لتصحيح المسار، وكان هذا صحيحا قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر وبات صحيحا الآن. إلا أن إدارة بايدن لم تظهر إشارات عن تكييف لاستراتيجيتها على المدى القصير او البعيد. بل أعادت التزامها بالنهج الأمني وركزت على عمليات التطبيع بين إسرائيل والدول العربية، كأساس للبنية الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط.
ولا يمكن التكهن بتداعيات حرب عزة، لكن ليس من الباكر تقديم إطار لسياسة أمريكية مستدامة في الشرق الأوسط. وعلى صناع القرار بعد نهاية الحرب المسارعة إلى سحب القوات الأمريكية التي دفع بها سريعا مع بداية الأزمة وتخفيض وجودها العسكري. وفي نفس الوقت على الولايات المتحدة الاستثمار في بناء قدرات شركائها بالمنطقة، بطريقة يستطيعون العمل معا بشكل فعال.
وبعد هجمات حماس كان رد الإدارة سريعا وكثيفا فإلى جانب حاملتي طائرات بـ 7.500 فرد ومقاتلات أف- 16 و أف-15 و أف- 35 وإي- 10 وأكثر من 1.200 جندي إلى جانب أكثر من 45.000 كانوا موجودين بالمنطقة، أرسلت الولايات المتحدة بطاريات باتريوت إلى الأردن والعراق والكويت والإمارات العربية والسعودية ونظام ثاد إلى المنطقة.
وهذه أول مرة تنشر فيها الولايات المتحدة أنظمة كهذه منذ غزو أفغانستان عام 2001. وزادت واشنطن من دعم إسرائيل التي تحصل على 4 مليارات دولار سنويا، وهي أكبر دولة تحصل على الدعم الأمريكي في العالم ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وحصلت على 124 مليار دولار منذ إنشائها عام 1948. وبعد 7 تشرين الأول/أكتوبر تقدمت إدارة بايدن بطلب مساعدة للكونغرس بقيمة 14.3 مليار دولار. وكان الرد الأمريكي على الهجوم سريعا لدعم الدولة اليهودية، على خلاف الدعم المتدرج لأوكرانيا وتم بدون شفافية كما حصل مع الدعم المقدم لكييف بعد غزو روسيا. وهو ما قاد إلى غضب في الكونغرس واستقالة مسؤول بارز بوزارة الخارجية، هو جوش بول الذي أكد أن دعم واشنطن لإسرائيل «ليس في مصلحة الأمريكيين على المدى البعيد».
سوء فهم من صناع القرار
ومع زيادة أمريكا من حضورها العسكري، فلم يفكر صناع القرار بالطريقة التي سينظر فيها الحلفاء والأعداء بالمنطقة. وعلى بايدن الاعتراف بوجود ثلاثة تحديات: التصعيد، ردة الفعل والتمدد فوق الطاقة. ومن هنا فرغم تأكيد وزارة الدفاع بأن زيادة الأصول العسكرية بالمنطقة هو من أجل منع حرب أوسع، إلا أن العكس قد يحدث، فالوجود العسكري أدى لهجمات من جماعات وكيلة لإيران في العراق وسوريا، وأسقط الحوثيون طائرة أمريكية مسيرة وأطلقوا هجمات ضد إسرائيل. صحيح أن الوجود الأمريكي أقنع إيران وحزب الله بعدم التصعيد، وخاصة أنهما سيخسران من الحرب لو اندلعت، لكن الحسابات قد تتغير حالة استمر سقوط الضحايا الفلسطينيين. ولأن حسابات الأطراف ليست واضحة، فالوجود الأمريكي قد يدفع طرفا لتحرك ينم عن سوء تقدير أو استفزاز. كما وسيمنح المتشددين في إيران والجماعات الوكيلة مبررا لزيادة حشد قواها العسكرية.
إلى جانب هذا، فالحضور العسكري الواضح قد يؤثر على العلاقات مع الحلفاء العرب الذي يعتمدون على الضمانات الأمنية من واشنطن. وفي ضوء المشاعر المعادية لأمريكا بالمنطقة والتباين بين الحكومات العربية بشأن الطريقة التي تشن فيها إسرائيل وأمريكا الحرب بغزة، فإن الحضور العسكري الأمريكي المتزايد سيكون مثيرا للجدل. ومع أن الدول العربية الحليفة تريد التعاون الأمني السري مع الولايات المتحدة، إلا أن حاجة الأخيرة لحماية قواتها الموجودة بالمنطقة قد يعقد من طبيعة التعاون الأمني مع هذه الدول. كما أن أيا منها لن يقطع علاقته مع الولايات المتحدة لارتباطه الأمني بها.
وهناك جانب ثالث وأخير، وهو إمكانية عودة أمريكا لعاداتها القديمة، أي محاولة ضمان الأمن للمنطقة من خلال الجلوس بالمقعد الخلفي وحماية الحلفاء من التهديدات الخارجية، ولم يجعل هذا النهج المنطقة أكثر أمنا. وبدلا من ذلك، فإن عقودا من المشاركة العسكرية الأمريكية أدت إلى التنافس الإقليمي ودفعت إلى سباق التسلح وأدت لزيادة النزاعات المحلية، ولا نحتاج هنا للتذكير بالتداعيات الكارثية لغزو العراق في 2003. وسنوات من الدعم غير المشروط أدت لجرأة الحلفاء على التصرف بطريقة أضرت بمصلحة أمريكا وحقوق الإنسان كما في اليمن وليبيا. وفوق كل هذا فالحضور الأمريكي الضارب بالمنطقة سيقوض قوتها على الوفاء بالتزاماتها في مناطق أخرى، مثل منطقة الباسيفيك، فالكثير من الأسلحة التي تحتاجها دول الشرق الأوسط مثل صواريخ هاربون وأنظمة باتريوت تحتاجها تايوان لتعزيز دفاعاتها ضد الصين. وتحتاج الكثير من أرصدتها البحرية التي نشرتها بالشرق الأوسط لمنطقة المحيط الهندي- الهادئ، وطالما ظلت في المنطقة فإنها قد تتآكل ولن تصبح مفيدة في نزاع قد يندلع بمنطقة المحيط الهندي- الهادئ. والمشكلة هي انه في حالة دخول إيران الحرب، فإن القوات الأمريكية ستظل لمدة طويلة بالمنطقة، وربما أجبرت واشنطن على تزويد إسرائيل بأسلحة بعيدة المدى غير المتوفرة بشكل كبير.
إعادة التفكير
وتحتاج الولايات المتحدة لإعادة النظر بوجودها العسكري، وفي ظل ما أحدثه هجوم حماس، ذلك أن الأزمة الحالية تشير إلى أنه طالما ظلت القوات الأمريكية بالمنطقة، فقد تجر إلى نزاع طويل ومكلف. ولهذا فهناك حاجة لأن تقوم الولايات المتحدة بتخفيض وجودها العسكري وإعادة معيرته، وإن فشلت بهذا فلن تستطيع أبدا التحرر من نهج الأمن أولا الذي قاد لنتائج كارثية على مكانة أمريكا الدولية وأمن واستقرار المنطقة. والوجود العسكري في سوريا والعراق هو مثال واضح، والذريعة هي استمرار ملاحقة تنظيم الدولة، وهذا التزام مفتوح وغير قابل لتحقيق الأهداف، بل وتحتاج القوات لحماية ونشر أنظمة تسلح متقدمة ما يجفف المصادر الأمريكية وبمنافع قليلة.
ويمكن للولايات المتحدة تخفيض أصولها العسكرية بالمنطقة بطريقة تدريجية وبدون إثارة مخاوف الحلفاء، فالقوات التي أرسلت في 7 تشرين الأول/أكتوبر يجب أن يعاد نشرها، ويجب سحب معظم القوات الأمريكية في العراق وسوريا، فوجودها في هذين المكانين يحفز التصعيد ولا يردع النزاع. وبدون إحداث تغيرات جوهرية في الطريقة التي تتعامل فيها الولايات المتحدة مع المنطقة فستظل رهينة لنهج الأمن أولا وتخوض في مستنقع لا مخرج منه.
المصدر: القدس العربي