محمد خالد الرهاوي
سيطرت ما تعرف بـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) على أجزاء واسعة من الأراضي السورية في حلب والحسكة والرقة ودير الزور، قاربت ثلث مساحة سوريا تقريباً، بعد بدء التحالف الدولي المعارك ضد تنظيم الدولة (داعش) في العراق وسوريا.
وأُخرجت من بعض المناطق في ريف حلب وريف الرقة، لكنها ما زالت تسيطر على مساحات واسعة حتى الآن، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا التوقيت بعد انهزام نظام الطاغية البائد وتفكك جيشه وقوات الأمن المختلفة، وانتصار الثوار وسيطرتهم على معظم الجغرافية السورية:
هل يمكن لقسد أن تظل مسيطرة على الجزيرة السورية؟
قبل أن أجيب عن السؤال أود أن أشير إلى مسألة في غاية الأهمية؛ وهي أن “قسد” ليست الكرد، والكرد ليسوا “قسد”، فالكرد أهلنا وأبناء المنطقة لهم ما لنا وعليهم ما علينا، أما “قسد” فخليط عربي كردي آشوري أميركي أوروبي تجمعهم المنافع الرخيصة.
شخصياً ومن معرفتي بمنطقة الجزيرة السورية أكاد أجزم أن وجود “قسد” مسألة وقت لن يطول كثيراً، وأنها لا يمكن أن تظل مسيطرة على المنطقة ألبتة، لجملة أسباب سأذكر بإيجاز شديد، وهي تسعةَ عشرَ سبباً فقط:
1- المناطق التي تسيطر عليها ولا سيما دير الزور والرقة عربية خالصة ليس فيها حاضنة كردية أو عربية مؤيدة لها، فالكرد قبل العرب عانوا وما زالوا يعانون منها، وكثير منهم ينعتها بداعش الكرد.
وإذا كانت أميركا بقوتها وجبروتها لم تستطع أن تصمد في البلدان التي احتلتها رغم استعانتها بميليشيات محلية وصناعتها لجيوش من تلك البلدان بأعداد كبيرة وبأسلحة حديثة كما في العراق وأفغانستان، فهل تستطيع “قسد” ما عجزت عنه راعيتها أميركا؟
2-المناطق التي تحكمها “قسد” بقوة السلاح الأميركي لا بقوتها الذاتية تغلي الآن غليانا نتيجة لممارساتها وانتهاكاتها المتعددة المختلفة على مدار سنوات، وزادتها غليانا تحالفاتها مع نظام الأسد البائد وسرقتها للأسلحة من مستودعات الجيش في دير الزور، وقتلها للمتظاهرين وغير ذلك كثير.
وقبل ذلك ما ارتكبته من الجرائم داخل السجون وخارجها كثير جدا، وكثير من أهالي هذه المناطق ثارت ضدهم، فمن أحرق بيته أو قتل ابنه أو سُجن ظلما لن ينسى هذه المظالم والانتهاكات.
3- سكان هذه المناطق في معظمهم من المسلمين عربا وكردا، أما الفكر المسيطر على “قسد” فهو الفكر الماركسي والإلحادي، وقد ظهر ذلك في ممارساتها وتشريعها لجملة من القوانين التي تصطدم والإسلام الذي يؤمن به أهالي هذه المناطق، ومن ذلك مثلا: تجريمهم لتعدد الزوجات، تجريمهم للنقاب، المساواة بين الأديان حتى، سواء أكانت سماوية أم وضعية، فالإسلام والزرادشتية مثلا عندهم سواء، والإسلام وعبادة النار أو الشيطان عندهم أيضا سواء، وأيضا تأسيس (مؤسسة الإسلام الديمقراطي) للترويج لأفكارها وإضفاء نوع من الشرعية على ممارساتهم ووجودهم، لكن لم يؤسسوا مؤسسة الزرادشتية الديمقراطية، ولا مؤسسة الشيطان الديمقراطية، وغير ذلك من القرارات التي لا يمكن أن يقبل بها مسلم حتى إن لم يكن ملتزما.
4- سبع سنوات من السيطرة على هذه المناطق رسخت قناعة لدى أهالي هذه المناطق أنهم لا يمكن أن يقبلوا باستمرار “قسد” في حكمها، وهم ليسوا أهلا لإدارتها وتمثيلها، فهي تحكم المنطقة بعقلية الميليشيات لا بعقلية الدولة، وقد أحرقت منذ أيام قليلة منازل المنشقين عنها، وهذا يذكرنا بممارسات نظام الطاغية البائد مع المنشقين عن جيشه دفاعا عن أهلهم ورفضهم قتلهم في بداية الثورة وعلى مدار سنواتها الثلاث عشرة.
5- الشعارات التي ترفعها “قسد” من نحو المساواة وحقوق المرأة والعدالة وما إلى ذلك لا تعدو أن تكون حبرا على ورق وشعارات جوفاء لا وجود لها على أرض الواقع إلا في بعض الأمور الجزئية التي لا أثر لها في حياة الناس.
6- “قسد” كانت وما تزال تقصي كل من يخالفها في توجهها مع أنها تحمل (قوات سوريا الديمقراطية) المختصرة بـ”قسد”، وإقصاؤها ليس للعنصر العربي فحسب بل للعنصر الكردي السوري أيضا، وليس أدل على ذلك من إقصائهم للمجلس الوطني الكردي.
7- “قسد” تدعي الديمقراطية وحماية الحريات، لكن تصرفاتها مع المظاهرات السلمية تكذب تلك الادعاءات وتدحضها، فما من مظاهرة خرجت ضدها في الرقة ودير الزور إلا جوبهت بالرصاص الحي، فكانت في ذلك كالنظام في تعامله مع المظاهرات السلمية في بداية الثورة السورية.
8- “قسد” التي تسمي نفسها ديمقراطية أبعد ما تكون عن ذلك، فهي تقوم على فكرة الرجل الأوحد، فها هو مظلوم عبدي يكمل عامه السابع وكذلك القيادات الأخرى التي دونه، ولا تقبل بحال من الأحوال تغييره، فما الذي تختلف فيه عن الأنظمة القمعية التي حكمت لعقود ثم أسقطتها شعوبها ذليلة مهانة.
9- “قسد” ليست صاحبة قرار، بل هي أداة تنفيذ لقوى خارجية معروفة للجميع، وهي لا تخفي ذلك، بل تصرح به جهارا نهارا.. ثم على المستوى الداخلي فيها فإن العناصر صاحبة التأثير والقرار داخل قسد نفسها هي عناصر من عصابات جبال قنديل المصنفة إرهابيا حتى عند داعميها؛ أعني الولايات المتحدة الأميركية نفسها، أما بقية العناصر العربية والكردية فليست أكثر من أعداد مكملة أشبه بأعداد الرفاق البعثيين في الفرق والشعب الحزبية يتصارعون على فتات من الأمر، ولا وزن لهم ولا تأثير.
10- طريقة “قسد” في إدارة المناطق على مدار سنوات تدل بما لا يدع مجالا للشك أنها غير مؤهلة لقيادة دولة أو جزء من دولة، فهي تعتمد على ما تسميه الإدارة المشتركة، فأي إدارة أو مؤسسة لها مديران: رجل وامرأة، بحجة إعطاء المرأة حقوقها، وهذا نموذج متخلف في الإدارة لا مثيل له على امتداد الزمان والمكان.
11- العناصر التي انضمت إليها لم تكن على قناعة أو عقيدة أو فلسفة أو أيديولوجية (ما عدا عناصر قنديل) بل كانت مجبرة من أجل تمثيل مناطقها أو مكرهة تحت ظروف اقتصادية طاحنة تعيشها المنطقة، فالراتب أساسي لهم لتيسير أمور أسرهم، وكثير منهم ينضم مع من يدفع أكثر.
12- “قسد” لا تمتلك الكوادر المؤهلة لإدارة هذه المناطق، فليس لديها من المؤهلات الأكاديمية في التخصصات المختلفة، ولم تستفد من المؤهلات الموجودة، بل عملت جاهدة على إقصائها وتقديم من لا مؤهلات لهم ليسهل السيطرة عليهم، وبالقوة العسكرية وحدها لا يمكن إدارة منطقة وبناؤها.
13- “قسد” لم تستطع خلال السنوات الماضية رغم تعاونها الوثيق مع نظام الأسد البائد بناء مؤسسات تعليمية معترف بها ولا مؤسسات تمكن سكان هذه المناطق من استخراج وثائق رسمية لهم من جوازات سفر ووثائق وتسجيل مواليد جدد وعقود زواج أو تصديق أي وثائق، أما الوثائق التي تصدرها فلا أحد يعترف بها حتى أقرب الحلفاء والداعمين لـ”قسد” أنفسهم.
هل تستطيع “قسد” أن تحمي نفسها -فضلا عن إدارة المناطق- إذا رفعت أميركا يدها عنها ولو لساعة من نهار؟
14- الموارد المالية لـ”قسد” كانت من تصدير النفط والغاز إلى نظام الأسد البائد وللميليشيات الإيرانية، وعدم تعاونها مع الحكومة السورية الجديدة ضمن شروط الحكومة ربما سيؤدي إلى عدم شراء تلك المواد النفطية، ومن ثَمَّ خسران قسد لأهم مصدر مالي لها.
15- “قسد” سيطرت على مناطق عائمة على بحر من النفط والغاز والثروات الطبيعية فضلا عن أن المنطقة تعد السلة الغذائية لسوريا، ومع ذلك لم يظهر أي أثر لذلك كله على حياة سكان مناطقه، بل كانت أسوأ بكثير على ما كانت عليه هذه المناطق أيام كان الجيش الحر في المنطقة.
16- الظروف الدولية ودول العالم لا يمكن أن تقبل بحكم “قسد” لهذه المناطق، والمتغطي بأميركا عريان، وعلى أصدقائها أن يحذروا منها أكثر من أعدائها، وإذا كانت أميركا قد خذلت كردستان العراق في محاولة الاستقلال مع أن كردستان تتوفر فيها كل مقومات الدولة، فكيف يمكن أن تدعم من لا يملك أي مقومات للدولة؟ ألا يتعظون من تجربتهم في منبج وتل أبيض وشمالي حلب وغيرها من المناطق؟ أليس فيهم رجل رشيد ينصح لهم بأن الموجة أكبر منهم، فإما أن يسيروا معها وإما أن يغرقوا؟ أليس فيهم رجل رشيد ينصح لهم أن القمع والاستبداد وحكم الناس بالنار والحديد لا يمكن أن يستمر مهما طال به الزمن؟
17- تركيا تعد وجود “قسد” خطرا حقيقيا يهدد أمنها القومي، ولا يمكن أن تسمح به بأي حال من الأحوال وتحت أي ظرف من الظروف، نعم يتأخرون أحيانا في تنفيذ تهديداتهم لكنهم لا ينسون، ولا يتوانون عن استغلال الظروف متى أتاحت لهم فرصة للانقضاض عليهم.
18- من يتابع منشورات العقلاء من إخوتنا الكرد ونصائحهم المستمرة لقسد بالتفاوض مع دمشق وأن الحل في دمشق؛ للحفاظ على بعض المكتسبات قبل أن تغرق بهم السفينة ويفوتوا فرصة ربما لن تتكرر.
19- بلغني من أهالي المنطقة في دير الزور خاصة أن عناصر “قسد” لا يجرؤ أحد منهم على الخروج ليلا من مقارهم خوفا ورعبا.
والسؤال الأهم الذي يطرح نفسه هنا ويتضمن إجابة عن السؤال الذي بني عليه هذا المقال هو: هل تستطيع “قسد” أن تحمي نفسها -فضلا عن إدارة المناطق- إذا رفعت أميركا يدها عنها ولو لساعة من نهار؟