توفيق شومان
إلى حدٍّ كبير، تشبه المرحلة التي جاءت بقائد الجيش اللبناني، العماد جوزاف عون، إلى سُدّة الرئاسة الأولى، المرحلة التي حملت الرئيس فؤاد شهاب إلى رئاسة الجمهورية عام 1958، إثر الأحداث الدامية التي شهدها لبنان آنذاك. وإذا كان الراحل فؤاد شهاب دائم التكرار والقول إنه ليس “الرئيس الحلّ”، بل إنه جاء إلى رئاسة الجمهورية بعدما عجزت الطبقة السياسية المحلّية عن إيجاد الحلّ، فوقع الخيار عليه، فالحالة نفسها تنطبق على “عون الثاني”، ذلك أن سنتين وشهرين خلّا فيها مقام الرئاسة، أفضت، في النهايةـ إلى الالتفات للمؤسّسة العسكرية ليشغل قائدها المنصب الذي عجز السياسيون “المحترفون” عن ملء فراغه. وفي خطاب القسم الذي ألقاه “عون الثاني”، ثمّة مجموعةٌ من العناوين الزاهية والمبشّرة بإعادة بناء الدولة، انطلاقاً من وجوب تغيير الأداء السياسي، وصولاً إلى الاستقلال القضائي والإنقاذ الاقتصادي، وفوق ذلك استعادة هيبة الدولة وترسيم الحدود اللبنانية البرّية والبحرية، وتطبيق القرارات الدولية.
قد تذهب قوى سياسية لبنانية، ومعها مراقبون محلّيون، إلى القول إن التزام لبنان في عهد الرئيس جوزاف عون بتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701 بالتحديد، قد يكون العائق الأول في طريق إمساك الرئيس الجديد بمقاليد السلطة والحُكم، وربما تنتظر هذه القوى اشتباكاً مرتقباً بين عون والقوى المعنية، لكنّ قراءةً أخرى، محصورةً بذاك القرار الدولي، لا تخلص إلى هذا المرتقب أو المتوقّع، ذلك أن الدولة اللبنانية بممثّليها المفاوضين، رئيسي مجلس النواب نبيه برّي والحكومة نجيب ميقاتي، وبالتفاهم الكلّي مع حزب الله، أبدت وأكّدت التزامها بما يجب تنفيذه في جنوب نهر الليطاني. وعلى هذا الأساس، لا تتيح قراءة متأنّية حيال مرحلة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان التقدير باشتباك منتظر بين المقاومة اللبنانية والعهد الرئاسي الجديد.
أكثر من ذلك، تأمل أطراف سياسية محلّية باستعجال مصير سلاح المقاومة في مناطق شمال الليطاني، وهذا الاستعجال يُفضي، من وجهة نظر مضادّة، إلى صياغة قواعد اشتباك أو ربط نزاع مع الرئيس عون نفسه، فالأخير يدرك تمام الإدراك أن سلاح ما بعد الليطاني يتطلّب حواراً وطنياً من مفرداته “الاستراتيجية الدفاعية”، وهي المفردة التي كان أشار إليها الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، في إحدى خطبه. وعلى ذلك، لا يبدو الجدل بشأن سلاح المقاومة من المهمّات العاجلة التي يضعها عون في جدول أعماله الطارئة، وإنما هو يندرج في سياق حوار وطني عامّ، ومن هنا قوله: “عهدي أن أدعو إلى مناقشة سياسة دفاعية متكاملة كجزء من استراتيجية أمن وطني على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية”.
أغلب الظنّ أن التحدّي الأول الذي يواجه الرئيس اللبناني الجديد يرتبط بتسريع الاستشارات النيابية الملزمة بنتائجها حول تسمية رئيس الحكومة المقبل
أغلب الظنّ أن التحدّي الأول الذي يواجه الرئيس اللبناني الجديد يرتبط بتسريع الاستشارات النيابية الملزمة بنتائجها حول تسمية رئيس الحكومة المقبل، والإسراع بالتسمية يؤشّر إلى تغيير في الأداء السياسي، ويعجّل في انتظام المؤسّسات الدستورية، ويأتي بعدها المدى الزمني في طريقة تشكيل الحكومة، فإذا استغرقت عملية التشكيل أسابيع وأشهراً، كما كانت الحال مع عهد “عون الأول”، فذلك لن يصبّ في مصلحة العهد الحالي، ممّا يعني انعدام البشائر بتغيير السلوك السياسي، وسقوط الخيبة على الأمل المنشود.
والتحدّي الثاني، الذي يواجه الرئيس عون، يتأتى من كيفية ملء الشواغر في الوظائف الأولى مثل قيادة الجيش، التي تحوّلت إنابةً بعد وصول عون إلى رئاسة الجمهورية، وكذلك حاكمية مصرف لبنان، والمديرية العامّة للأمن العام، ومجلس القضاء الأعلى، وكلّها هيئات ومؤسّسات عصفت بها التلاعبات السياسية والخصومات الكيدية، فحوّلتها مأكلاً للفراغات وعناوينَ للانهيارات التي تعيشها البلاد. فمن أين يبدأ عهد جوزاف عون؟… كان الرئيس فؤاد شهاب يردّد أقوالاً تحوّلت مأثوراتٍ، من بينها “أكلة الجبنة”، وهي الدلالة التي تختصر تنازع القوى السياسية على المحاصصة والجريان وفق مصالحها، وتلك القوى استطاعت النيل من المشروع الشهابي وأسقطته في الانتخابات النيابية المشهودة عام 1968، وإلى أكلة “الأجبان والألبان” كان شهاب يردّد “لستُ أنا الحلّ، ولكن بعدما عجزتم عن إيجاد الحلّ جئتم بي”. هي الحال نفسها التي جاءت بجوزاف عون، وهذا ما يطرح عليه السؤال الكبير: كيف سيتصرّف مع القوى السياسية التي استساغت الفراغ الرئاسي سنتين؟ وكيف يمكن إعادة إحياء الدولة اللبنانية؟
لا يبدو الجدل حول سلاح المقاومة من المهمّات العاجلة للرئيس عون، بل يندرج في سياق حوار وطني عامّ
بعد استلامه مقاليد الرئاسة عام 1958، أطلق فؤاد شهاب خطاباً تاريخياً، لعلّ أهم ما جاء فيه “إن مستقبل لبنان لا يُبنى بأحجار الماضي”، وخطاب القسم الذي ألقاه جوزاف عون بعد انتخابه رئيساً يشبه، بروحيّته، ما كان يقوله ويردّده شهاب من ناحية التشديد على بناء الدولة، فجوزاف عون تحدّث عن “أزمة الحُكم والحكّام”، وأكّد أنه سيدفع “الحكومات المقبلة باتجاه تطوير قوانين الانتخابات بما يُعزّز فرص تداول السلطة، والتمثيل الصحيح والشفافية والمحاسبة”. وينمّ هذا التعهد عن عدم رضا الرئيس عون عن قانون الانتخابات النيابية الحالي، ويؤشّر إلى طموحه إلى سنّ قانون انتخابي بديل، قد يسهم في إنتاج وجوهٍ سياسية جديدة، ليس بالضرورة أن تكون هذه الوجوه بديلةً عن الموجود السياسي الحالي، وإنما قد يتمحور هذا الطموح حول التطلّع نحو شركاء سياسيين جدد، وهو أمر كان فعله فؤاد شهاب، الذي أتى من خارج المناخ السياسي التقليدي حتى استطاع أن يؤسّس لما عُرف لاحقاً في لبنان بـ”النهج الشهابي”، علماً بأن الانتخابات النيابية اللبنانية المقبلة مقرّرة في العام المقبل (2026).
يبقى من التحدّيات التي سيواجهها الرئيس اللبناني “اللوبيات المصرفية”، ففي خطابه في مجلس النواب بعد انتخابه رئيساً، تطرّق إلى “اقتصاد تنتظم فيه المصارف تحت سقف الحوكمة والشفافية، مصارف لا حاكم عليها سوى القانون ولا أسرار فيها غير السرّ المهني”. في بيروت ثمّة من يقول إن التحدّي المصرفي هو من التحدّيات الأكثر ثقلاً على كاهل العهد الجديد، وحوله تجتمع السياسة والقضاء والمحاسبة.
المصدر: العربي الجديد