د_ معتز محمد زين
لا أدري إن كان من قبيل الصدفة أن يتزامن القصف الروسي الوحشي للشمال السوري المحرر مع التضييق الشديد على المهجرين السوريين في دول الجوار، فالربط بين الحدثين – كما الفصل بينهما – صعب للغاية ويحتاج إلى جهد فكري ومعلوماتي كبيرين مع قليل من الخيال لكشف الأسباب الكامنة وراء هذا التزامن، الأمر المتعذر على الأقل في هذه المرحلة التي يحاول فيها الفكر والمنطق أخذ إجازة اجبارية والهرب من مشاهد الواقع المرير المؤلم بعيدًا إلى عالم من الخيال والرغبة محملا بأكوام من الإحباط والهموم والأمراض النفسية.. هناك حيث لا بشرًا باسم الاخلاق يتكاذبون ولا جماعات باسم الإنسانية يتصارعون ولا دولاً باسم العدالة يقتلون ويدمرون.
بعيدا عن الأسباب وعن إمكانية الربط بين الحدثين بشكل موضوعي فإن القاسم المشترك بينهما – وهو ما يعنيني الإضاءة عليه في هذه المقالة – يكمن في نقطتين مهمتين مترابطتين.. أولاهما أن العينة المستهدفة واحدة وهذا ما أوضحناه في العديد من المقالات السابقة، وثانيهما أن الحل في جوهره واحد.. والحل الذي أقصده هو ثقافة العمل الجماعي والتكتل والتحزب والعمل تحت قيادة واحدة تفرضها الظروف الصعبة والتحديات الكبيرة، تقود مسيرة الجماعة وتدافع عن حقوقها وتفاوض بالنيابة عنها.. إن تشكيل قيادة مركزية واحدة تهتم بمصالح السوريين في دول الجوار وتحت سقف قوانين تلك الدول هو الضمان الوحيد للحفاظ على حقوقهم ومنع تنمر الحكومات والأفراد والجماعات عليهم والتضييق غير المبرر على مصالحهم، فلا وزن للخطابات والمناشدات والمقالات التي تصدر عن المثقفين هناك اذا لم تستند إلى قاعدة جماهيرية واسعة تتحرك على الأرض بشكل واع وهادف استجابة لتلك الخطابات والمقالات.. كما أن تشكيل قيادة مركزية واحدة في الشمال السوري تقود العمل العسكري والسياسي هو الضمان الوحيد لتوحيد الجهود وتصويب الأخطاء وتصحيح المسار والمناورة السياسية والعسكرية الهادفة للدفاع عن مصالح الحاضنة الثورية الموجودة بكثافة في الشمال.. وربما تكون الخطوة الأولى في انهاء معاناة المهجرين عبر تسهيل عودة بعضهم إلى مناطقهم، الأمر الذي يخدم المهجرين من جهة حيث ينهي معاناتهم في دول المهجر ويخدم الشمال الفقير جدا بالكفاءات العلمية والثقافية والمهنية والذي يحتاج قطعا لعودة أبنائه من أجل إعادة البناء على كافة الأصعدة والنهوض من جديد..
ومع أن معظم السوريين مبدعون على المستوى الفردي والمهني ولهم بصمات واضحة في المجتمعات التي يستقرون فيها، فإن واحدة من أهم مشاكل المجتمع السوري هي فشله الكبير في تشكيل الجماعات والعمل المؤسساتي المنظم.. والأفراد مهما عظمت امكاناتهم لا يمكنهم التغلب على المؤسسات، فالمشاريع لا يمكن أن تواجه إلا بمشاريع.. ومن يتحرك بلا مشروع يصبح حتما أداة رخيصة تخدم مشروع غيره أو ممرا يعبر الآخرون عليه نحو أهدافهم.. لذلك كان لا بد من العمل الجدي والسريع على وضع حد لهذه المعضلة.. فكيف نبدأ؟؟
يبدأ أي مشروع بمجموعة من الأفكار والأهداف تتفق عليها مجموعة من المثقفين الذين يجيدون قراءة الواقع ويلتف حولها عدد كبير من المؤمنين بها.. ثم تقوم هذه المجموعة بإفراز نخبة من عقلائها تعمل على بلورة الأفكار والأهداف على هيئة مشروع له رؤية واضحة واستراتيجيات عمل تحاول الوصول به إلى أهداف محددة مرحلية وبعيدة المدى.. بعد وضع النواة الفكرية للمشروع وانتخاب قيادة مركزية يبدأ وضع الخطوط العامة والتحديات المتوقعة وطرق مواجهتها على ضوء الأهداف الأساسية والتحديات الكبرى التي دعت لتشكيل هذا المشروع.. ويجب أن يكون التصور العام للأداء والحركة قائم على التخطيط الاستراتيجي المستند على قراءة موضوعية للواقع وفهم دقيق لقواعد اللعبة.. ذلك أن ردود الأفعال لا تحقق إنجازات كبيرة.. وحده التفكير والتخطيط الاستراتيجي من يفعل ذلك..
في هذا الزمن الصعب والمعقد لا يمكن لأي مجموعة – بما في ذلك الدول الكبرى – أن تحقق قفزات نوعية وانتصارات استراتيجية دون الاعتماد على تحالفات تخدم مشروعها ومصالح حلفائها في آن واحد.. لذلك كان لا بد من انشاء تحالفات.. تقوم التحالفات عادة على قاعدة تقاطع المصالح والأهداف المشتركة.. وهي غالبا تحصل بين فئات غير متشابهة تماما.. لذلك كان لا بد من وضع ميثاق يشكل النظام الداخلي لهذا التفاهم مهمته الأساسية تنحية الخلافات البينية وصهر الجهود في مشروع واحد بهدف الوصول إلى الأهداف المشتركة التي تخدم كل الفرقاء.. أما التحرك العفوي بدافع من العواطف أو الهموم المشتركة دون ضوابط صارمة وقوانين واضحة تنظم حركة الحلفاء، ومرجعية قضائية وسلطة مركزية تمنع حصول الانفجارات والحرائق الداخلية سينتهي حتما بالصدام الداخلي والصراع المرحلي ما يؤدي الى إنهاك القوى داخليا وفسح المجال للخصوم والاعداء للتغلغل داخل صفوف الجماعة والقضاء عليها من داخلها أو منعها من بلوغ أهدافها..
قد تبدأ التجمعات بأعداد صغيرة، لكن القيادات ستتفاجأ سريعا بعدد الملتفين حولها والمنتسبين لها بمقدار ما تلامس أهدافها معاناة الناس وبمقدار الجهد الذي يبذله أعضاؤها للدفاع عن حقوقهم وتحقيق مصالحهم.. ذلك أن هناك ظمأ حقيقي لنواة يلتف حولها السوريون تشعرهم على الأقل بالانتماء إلى كتلة متماسكة والاستناد إلى جدار صلب.. إن الحاجة إلى الشعور بالانتماء إلى جماعة هي حاجة فطرية بمقدار ما هي ضرورة اجتماعية وأحيانا وجودية..
إن التحديات والمخاطر يمكن أن تتحول إلى فرص ومكاسب عندما يتم التعامل معها بذكاء استراتيجي.. وإن التخطيط الاستراتيجي غير ممكن دون وجود قيادة مركزية تعمل بإخلاص لخدمة قواعدها بعقلية استراتيجية مستغلة كل الأدوات المتاحة..
ولأننا جزء من هذا العالم.. وربما الحلقة الأضعف بين مكوناته.. فإن قدرنا – الذي لا مهرب منه – أن نفهم هذا العالم ونعرف قواعد اللعب في ساحاته.. علينا أن نسعى لأن نكون فيه أقوياء وأن يكون لنا مشروعنا – المرحلي والبعيد – والذي يحاول تلبية الحد الأدنى من حقوقنا.. ذلك أن العالم قائم على صراع الأمم والحضارات وتضارب المصالح واختلاف المشاريع.. ولن يكترث بنا الأقوياء إلا إذا امتلكنا من القوة ما يكفي لإيلامهم، ولن يقيم لنا أصحاب المشاريع وزنا إلا إذا كنا أصحاب مشروع قادر على منافسة مشروعهم أو دعمه أو على الأقل عرقلته.
إن لم نكن أصحاب مشروع ولدينا من القوة ما يكفي لحمايته فلا مفر من أن نكون حطبًا لمشاريع غيرنا ووقودًا لمخططاتهم.