في الوقت الذي بدأ أهل غزة الصامدون يلملمون أشلاء شهدائهم ويحزمون ما تبقى من أمتعتهم ويعودون لتفقد ديارهم المدمرة بفعل حرب التدمير والإبادة الجماعية التي شنتها دولة الحقد العنصري الصهيوني عليهم، يطالعنا رئيس أميركا المنتخب ترامب بتصريحات عدائية خنفشارية تبارك الإجرام الصهيوني وتجازيه بإغداق الوعود الخلبية والتعهدات الإنكشارية بتهجير أهل غزة وتفريغها من سكانها ليعيد بناءها لتكون ريفييرا البحر المتوسط..أي واحة للسياحة والترفيه والعربدة والفساد ..طبعًا بدون أهلها الذين ما قدموا خمسين ألف شهيد وتحملوا معاناة فوق طاقة البشر العاديين على الإحتمال إلا لأنهم لا يقبلون مغادرة أرضهم التاريخية أرض وطنهم ومستقرهم فلسطين..
وفي الوقت الذي تتأرجح المنطقة العربية وخصوصًا المشرق العربي في مهب رياح المخاطر والتحديات والفتن والإضطراب الأمني والإجتماعي والسياسي ؛ يسارع المدعو ترامب إلى تهديد العالم أجمع بسلسلة من الإجراءات الإنتقامية التي تزيد في اضطراب المنطقة والعالم أيضًا لما فيها من ابتزاز وتهور وتهديد مباشر للمخالفين بالإنتقام فيما إذا قرروا عدم الإستجابة أو المعارضة لما يطلب..
إننا نرى أن ترامب ومن يقف خلفه من قوى النفوذ الحقيقي في الدولة الأميركية يعرفون جيدًا أن كل التهديد بتهجير أهل غزة إنما هو مجرد تهويل غير قابل للتنفيذ لأسباب عملية وموضوعية كثيرة..فهل هي تهديدات عشوائية أطلقها مسؤول مهووس بالشهرة ولفت الأنظار وإثارة الصخب الإعلامي والإستفزاز الأهوج ، أم أنها مخطط رسمي فعلي تعمل الدولة كلها لتنفيذه رغمًا عن كل العالم ورغمًا عن شعب فلسطين وكل قواه وعن العرب المستهدفين أنفسهم ؟؟
يبدو المشهد غريبًا لهجة التهديد والعنجهية والإستعلاء في خطاب أقوى دولة في العالم دأبت على تمرير أهدافها بذكاء تضليلي خبيث وتغليفها بشعارات براقة جميلة كحقوق الانسان والديمقراطية ومحاربة الإرهاب ؟؟ فهل هو الشعور بالإفلاس الذاتي والعجز ودخول مرحلة الشيخوخة التي لا شباب بعدها ؟؟ أم عودة إلى رعاة البقر ” الكاو بوي ” الأمريكي الذي لا يعرف إلا لغة القتل والقتل ثم القتل..؟؟
إننا نرى أن كل هذا الصخب غير المنطقي وغير المقبول عربيًا ودوليًا إنما يستهدف اصطناع قضية خطيرة صاخبة وبأسلوب التهديد الفج وذلك لصرف الإهتمام العربي والعالمي عن مسائل وأمور واقعية لا تريد لها اميركا أن تصبح محور الإهتمام الحقيقي وأولها وفي مقدمتها التعامل الواقعي مع نتائج الحرب الإسرائيلية على غزة وفلسطين والتي لم تتوقف بعد..إن إشغال العالم بمثل هذه التهديدات من شأنه أن يبعد شبح محاسبة دولة الكيان على جرائمها ويبعد الأنظار عن تحولات جوهرية طرأت على مواقف نخب شعبية وأكاديمية عالمية وحتى حكومات ودول عالمية ؛ فيما يخص فلسطين وتحريرها وفيما يخص أيضًا سيطرة الخطاب الصهيوني وأكاذيبه على العقل الأميركي واستغلاله وتسويق الأكاذيب التي بدأت تتكشف فقربت لحظة انهيارها..كما أن تصدع الوضع الداخلي في دولة الكيان وخروج نخب مثقفة وأكاديمية يهودية عن الخطاب الصهيوني وتحديها لسردياته الكاذبة بات أمرًا مقلقًا للغرب الإستعماري الأمريكي ومن خلفه كل القوة الرأسمالية الربوية الصهيونية المتحكمة بمعظم موارد وسياسات العالم ولا تتعامل إلا بمنطق ” البزنس ” وكسب المال بأية وسيلة..فضلًا عن هروب عشرات آلاف اليهود من فلسطين الذي سيطرح جديًا مستقبل الكيان الغاصب ومدى قابليته للبقاء..
إن فجاجة الطرح اللا واقعي إنما تدل على خوف وقلق على المصير مع الإحساس بالضعف والتراجع..
وفي الوقت ذاته يستمر العبث الأمريكي في سورية ولبنان والمنطقة دون أي اعتبار لمصالح شعبها ودولها واستقرارها الأمني المستهدف أصلًا ..تهديدات ترامب لا تستهدف فلسطين ومستقبلها وحدها وإنما تستهدف وتحاصر وتتحدى كل دول المنطقة العربية فما فلسطين إلا عنوان قضاياها المصيرية كما أن المطروح يشملها جميعًا..لم يعد خافيًا على أحد أن أمريكا لا تعرف إلا لغة الإبتزاز والتهديد ؛ ولا تأخذ بالإعتبار أية معايير وطنية أو إنسانية أو أخلاقية ؛ فهل يتنبه العرب لخطورة اللحظة العالية الدقة فيبادروا إلى الإستقواء ببعضهم وحماية أنفسهم وشعوبهم فيوفرون المليارات التي تسلبها أمريكا دون عائد مهم عليهم ؟؟ إن تكلفة بناء أمن عربي تضامني على قاعدة وحدة المصير العربي أقل بكثير من تكلفة الرضوخ لابتزاز الكاوبوي الأمريكي والحقد الصهيوني الشامل..إن أمن سورية ولبنان ومصر والسعودية والأردن وكل العرب يتقرر ويتحدد في فلسطين..فيما وجب تكامل القوى الشعبية السورية أولًا ثم المشرقية والعربية..
إن العبث الأمريكي لن تسلم منه سورية أيضًا..فهل نحن مستعدون حفاظًا على أمن سورية ووحدتها وهويتها العربية ؟؟
وأخيرًا ووفقًا لمنطق ترامب ذاته في طرد كل المهاجرين غير الشرعيين وغير القانونيين من أميركا ؛ يتوجب طرد كل الصهاينة من فلسطين ..فهم ليس فقط غير شرعيين وغير قانونيين بل مغتصبون معتدون أيضًا..
المصدر: موقع ملتقى العروبيين