محمد أبو رمان
تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة أكثر خطورة من المراحل السابقة، تتجاذبها سيناريوهات متعدّدة لإعادة صوغ اللعبة الإقليمية وترتيباتها، لكن أحد المعالم الرئيسة يتمثّل بالتراجع الواضح في قوة ما سمّى “حلف الممانعة”، الذي يتشكّل من إيران وحزب الله وحركة حماس، وكانت سورية تمثّل امتداداً له، ولو على الصعيد الجيوبوليتيكي، ما أعطى عمقاً جغرافياً واستراتيجياً لهذا المحور، بينما حرص النظام الجديد في سورية، بالرغم من طابعه الإسلامي، على عدم الدخول في مواجهة عسكرية أو حتى سياسية مع إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة، وانشغل بترتيب البيت الداخلي، وهو تحدٍّ ومنعرجٌ كبيران في مستقبل سورية ومصيرها، فضلاً عن الموقف السلبي من الحكّام الجدد، وعموم الرأي العام السوري، من إيران، بسبب دورها السابق في سورية.
في الأثناء، يواجه حزب الله تحدّيات غير مسبوقة، ليس على صعيد القدرات العسكرية والقيادية والاستراتيجية فقط، بل أيضاً على صعيد العلاقة مع التشكلات السياسية الجديدة في الداخل اللبناني، وفي ظلّ القيود الشديدة على عملية إعادة الإعمار، وقدرة الحزب على استعادة المبادرة وإعادة بناء قدراته العسكرية. والحال كذلك لدى حركة حماس، التي تمرّ هي الأخرى في منعطف جديد بعد تدمير قطاع غزّة، وسياسة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المتماهية مع الأجندة الإسرائيلية بإزالة، ليس حكم “حماس” فقط، بل قدراتها العسكرية ووجودها السياسي في القطاع.
هنالك شروط أدّت، في حقبة ما بعد “الربيع العربي”، إلى ولادة جماعات راديكالية عديدة وصعودها في المنطقة. هذه الشروط تتعزّز اليوم وتتجذّر
في الجهة المقابلة، يطرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب موضوع تهجير الفلسطينيين من غزّة، وتتبدّى نيات الحكومة الإسرائيلية في ضمّ الضفة الغربية وتهجير السكّان من المخيّمات، وعديد من المناطق، خاصّة في شمالي الضفة الغربية، وتهويد القدس، واستنساخ نموذج غزّة هناك. هذا وذاك يتزامنان مع شعور رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، بالتفوّق العسكري، والسعي إلى إنشاء نظام جديد في منطقة الشرق الأوسط يقوم على الهيمنة العسكرية الإسرائيلية، بمباركة أميركية، فيرفض الانسحاب من مواقع حيوية واستراتيجية في لبنان، في الوقت نفسه، يحتلّ مناطق أخرى في سورية، ويدمّر دورياً ما تبقّى من أسلحة الجيش السوري السابق ومخازنها، بلا أيّ اعتبار لأيٍّ من أنواع السيادة أو المبالاة بموقف المجتمع الدولي.
أمام هذه التطوّرات والتحوّلات الخطيرة، تسعى الحكومات العربية إلى مواجهة خطّة ترامب للتهجير عبر تقديم خطط بديلة ومحاولات لإقناعه بالتخلّي عن سيناريو التهجير، وهي محاولاتٌ إن نجحت في أحسن الأحوال في وقف التهجير من غزّة، سيطالب ترامب، في المقابل، بمقايضة ذلك بصفقة كبيرة، لصالح التطبيع مع إسرائيل والقضاء على مشروع “حماس” في غزّة، من دون تقديم حكومة نتنياهو تنازلاتٍ حقيقية من أجل الوصول إلى دولة فلسطينية تلبّي الحقوق الشرعية والقانونية للفلسطينيين بإقامة دولة كاملة، فضلاً عن موضوع القدس.
أيّاً كان الموقف من إيران ونفوذها في المنطقة، وسياساتها التي سبّبت جزءاً كبيراً من المشكلات الداخلية والإقليمية في العقدَين السابقَين، فإنّ غيابها وتبدّد ما يسمّى محور الممانعة، بالإضافة إلى مشهد تدمير غزّة والضفة الغربية وجنوب لبنان، واحتلال سورية، والمشروع الإسرائيلي الصهيوني المتعالي… ذلك كلّه يخلق حالة من الفراغ الاستراتيجي في المنطقة العربية، إذ لا تسعى الدول العربية إلى بناء ميزان قوى عسكري جديد (مع التشديد على كلمة عسكري، التي سنعود لها لاحقاً)، ولا توجد مؤشّرات على صعود قوى إقليمية جديدة تواجه إسرائيل، وبالتالي فإنّ البديل لن يكون، كما يخطّط نتنياهو، في القضاء على فكرة المقاومة، وإحداث تغيير ثقافي وفكري عبر غرس مفهوم التفوّق والهيمنة الإسرائيلية، بل ستكون النتيجة الحقيقية والواقعية لذلك هي صناعة بيئة خصبة لصعود قوىً جديدة غاضبة من الوضع الإقليمي، ومن سياسات الدول العربية، ومحاولات من جماعات ومجموعات في العديد من الدول العربية لملء الفراغ، وتحدّي الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة.
من هي هذه المجموعات أو الجماعات؟… الاحتمالات مفتوحة، وتتباين وتتفاوت، من المحاولات الفردية والصغيرة إلى المجموعات والجماعات الكبيرة، فستكون المصادر، في هذه المرّة، عديدة، ولديها أكثر من مرجعية وخلفية فكرية وسياسية. وقد تكون ذات خلفية جهادية، مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وقد لوحظ في الفترة الماضية تحرّك أفرادٍ عديدين قاموا بعمليات انتقام في أوروبا وأميركا، وقد تكون هذه المجموعات محسوبةً تاريخياً على خطّ الاعتدال في أوساط الحركات الإسلامية، لكنّها اليوم لا تجد إلّا الجانب العسكري لإبقاء “مفهوم المقاومة” قائماً، وربّما تكون سُنّية أو حتى شيعية، مع احتمالات انفجار مواجهة إيرانية أميركية في المنطقة، فإذا كانت هنالك شروط معينة أدّت، في حقبة ما بعد “الربيع العربي” (2013)، إلى ولادة جماعات راديكالية عديدة وصعودها في المنطقة، فإنّ هذه الشروط تتعزّز اليوم وتتجذّر، لتُنتج حالة أكثر خصوبة لولادة هذا النوع من ردّات الفعل على حكومة نتنياهو، وعلى سياسات إدارة الرئيس ترامب.
أكثر من ذلك، سيؤدّي هذا الاختلال في ميزان القوى إلى تفريغ كمّ كبير من المشكلات والأزمات الداخلية العربية، نتيجة تزاوج المشكلات الداخلية في دول عديدة بالغضب العام من عجز الدول العربية في مواجهة إسرائيل. وبالتالي، ستتصاعد اتهامات الخيانة والتواطؤ والمشاعر السلبية تجاههها، وربّما يؤدّي ذلك إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي. إذاً، في المجمل، هنالك تراجع في المشروع الإيراني الإقليمي وصعود للمشروع الإسرائيلي في محاولة لفرض قواعدَ جديدةٍ في المنطقة، بينما تمثّل سورية بالنسبة للأتراك الأولوية الرئيسة، ولا تملك طموحاً إقليمياً شبيهاً بإيران، فيما تسعى الدول العربية اليوم إلى بناء مقاربة جديدة، بخاصّة مع الدور المركزي الجديد للسعودية، بالتعاون مع كلّ من الأردن ومصر وقطر والإمارات، وهي مقاربة تركّز، في قضايا جوهرية، منها ما يتعلق بإعادة إعمار غزّة والنظام الجديد في القطاع، وربط ذلك بإقامة دولة فلسطينية، ثمّ إيجاد مشروع إقليمي شبيه بمشروع مارشال لإعادة إعمار غزّة وسورية ولبنان، بمعنى تقديم حزمة متكاملة للرئيس ترامب لمواجهة المشروع الإسرائيلي تقوم على بناء السلام، وحل القضية بصورة متزامنة ومتوازية.
نتيجة الفراغ الإقليمي ستكون صعود جماعات غاضبة من سياسات الدول العربية، تتحدّى الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة
يراهن مسؤولون عرب على أنّ هذه الخطة ستشكّل مفترق طرق في مستقبل المنطقة، لأنّها ستقدّم لترامب ما يحلم به شخصياً من مكاسب في حال وافق عليها، وبالتالي تسمح بحلحلة ملفاتٍ عديدةٍ عالقة، وفي مقدّمها الملف الفلسطيني. لكن، وهنا بيت القصيد، إذا تعثّر هذا المسار ولم ينجح، وأمعنت إسرائيل في مشروع الهيمنة الإقليمية ومحاولة فرض القواعد الجديدة وتغيير الأوضاع في فلسطين، بخاصّة في القدس والضفة، فما هو الخيار الاستراتيجي العربي عند ذلك؟
هنا بيت القصيد، إذ يراهن العرب (وربّما معهم الأتراك) على المعركة السياسية والدبلوماسية، ويرون أنّ خيار المواجهة المسلّحة والمقاومة لم يؤتِ نتائجَ منذ قيام إسرائيل، فلا بد إذاً من تغيير المقاربة، والتحدّث بلغة مختلفة مع الأميركيين والأوروبيين، لغة واقعية يفهمهما العالم وتسحب البساط من تحت أقدام الرواية الإسرائيلية، وتقدّم بديلاً حقيقياً لمشروع الهيمنة الإسرائيلية يتمثّل في حلّ سلمي للقضية الفلسطينية، وسلام إقليمي وتعاون اقتصادي، يؤدّي إلى أن يكون الجميع رابحاً، بخاصّة مع الرئيس ترامب المعني أكثر من غيره بالربح وتحقيق إنجاز على صعيد اقتصادي أو حصوله على جائزة نوبل للسلام، وهو الوحيد القادر (وفق هذه النظرية) على فرض السلام على إسرائيل. … لكن ذلك كلّه مبني على فرضيات غير صلبة، أوّلها موافقة الإدارة الأميركية وقبولها العرض العربي، ويقفز عن تفصيلاتٍ كثيرةٍ متعلقةٍ باليمين الإسرائيلي وفريق ترامب وماهية الدولة الفلسطينية المطروحة هنا. والأهم أنّ هذه المقاربة تتجاوز تماماً الخيار العسكري – المقاومة – الممانعة، وفي حال التعثّر وعدم بروز أفق حقيقي، ما هو البديل العربي عند ذلك، هل يمكن التلويح بخيار عسكري والعمل على إيجاد توازن قوىً جديد بعد التراجع الإيراني، أو حتى التفاهم مع إيران وتركيا على بناء مثل هذا التحالف؟… الخبرة التاريخية تجعل مثل هذا السيناريو أشبه بالخيال السياسي من أن يكون خياراً واقعياً على الطاولة.
المصدر: العربي الجديد