جورج كعدي
قريباً جدّاً يقف الرئيس المقاول دونالد ترامب خائباً أمام خيم الناس الصامدين في أرضهم في غزّة، حائراً بمَ سيجيب المدلّل لديه، “بيبي” السفاّح، متى سأله عن مشروعه التهجيريّ الخرافيّ، الحالم والأحمق، ووعْدِه بتشتيت أهالي القطاع وتوزيعهم بين جهات العالم الأربع، وعلى البلدان العربية المجاورة “الأَوْلى بالمعروف” (!). عقل المقاول البارع في شراء العقارات وبيعها، الجاهل علماً وثقافةً ومعرفةً بمعنى الوطن والانتماء إلى الأرض، المفلس أخلاقياً وإنسانيّاً، المنتمي إلى ليبرالية متوحّشة وصهيونية تقيّده بدَيْنٍ في رقبته، ليس في وسعه أن يفقه سرّ تمسّك الشعب الفلسطينيّ الغزّي بأرضه، رغم الموت والدمار العميمين، ومصارعة البقاء والصمود. معنى الأوطان مفقود لدى هذا اليانكي الأشقر المتعالي، سليل لصوص أرض الهنود الحمر ومبيديهم، الناعم بثروات ليست ملكاً له ولا حقَّ طبيعياً وتاريخيّاً له فيها، بل تملّكها بـ”السلبطة”، وظلَّ يخال أنّه يستطيع بـ”السلبطة” عينها الاستيلاء على أراضي الآخرين وأوطانهم، من خلال إبادتهم أو تهجيرهم، أو كلا الأمرين معاً، كما هو حاصل في غزّة.
منذ الأمس (واليوم وغداً وإلى يوم القيامة)، باقيةٌ الخيمةُ رمزاً لتشبّث أهل غزّة بأرضهم وبحرهم وسمائهم، تنغرز أوتادُها في التربة مثل جذع الشجرة، وجذورها الممتدّة في عمق التاريخ، لا سبيل إلى اقتلاعها وإن عصفت بها رياح ترامب الهوجاء، فالخيمة بمتانة الجذور، وقد تعوّد الفلسطينيون، على امتداد مأساة تاريخهم الحديث، الخيمةَ والمخيّمات، وصبروا وكابدوا وأظهروا جَلَداً عظيماً إزاء الغاصب المحتلّ، وما يئسوا وما استسلموا بعد قرابة ثمانية عقود طوال على نشوء الكيان الإحلاليّ المتوحّش. منذ النكبة، يحمل الفلسطيني خيمةَ اللجوء على ظهره عندما يُرحّل بالعنف والقتل، ويرسخ في مكانه حيث يُقدَّر له ذلك، بين داخلٍ وضفةٍ وقطاع، مع أنّ المأساة تطارده أنّى ثبت أو رُحِّل، فالظلم واحد على الجميع، وإن تفاوتت درجات المعاناة وقسوة النضال لتحقيق العودة.
مخيّلة ترامب الفقيرة لم تسعفه في تصوّر رفض جميع أهل غزّة إغراءاته السخيفة، مُصرِّين على نصب الخيام قرب أنقاض منازلهم المهدّمة أو فوق أطلالها
رهان الرئيس الأميركي، العائد إلى السلطة بمصادفة عبثية تاريخية، قائم منذ بداية طرحه الهمايونيّ الواهم على يأسٍ يفترضه مستوطناً نفوس الغزّيين من عجزهم عن المكوث في هذا الجزء المدمَّر من فلسطين التاريخية، نظراً إلى حجم الدمار الهائل وانعدام أساسيّات العيش واستمرار الحصار المطبق. والجانب الآخر من الرهان وعد المنكوبين في غزّة بعيش أفضل في أيّ مكان خارجها، بعد طول معاناة، على افتراض أن لا مجال للوقوف أمام “إغراء” مماثل. بيد أن مخيّلة ترامب الفقيرة لم تسعفه في تصوّر رفض جميع أهل غزّة إغراءاته السخيفة، مُصرِّين على نصب الخيام قرب أنقاض منازلهم المهدّمة أو فوق أطلالها، مؤثرين تحمّل شظف الحياة في وطنهم على الهجرة التي سُمّيت “موقّتةً”، وهي خبيثة ونهائية بالتأكيد. لذا كانت الصدمة عنيفة لترامب ونتنياهو، وللعالم المتواطئ معهما. يقف هؤلاء جميعاً مذهولين، خائبين، وربّما مبهورين ضمناً، بعناد هذا الشعب اللاشبيه له في التاريخ، الذي يملك طاقةً لا تنضب على الصبر والصمود، وتحمّل صنوف الآلام موتاً وتدميراً وتجويعاً داخل بقعة عيشه الضيّقة، وعلى مصارعة البقاء حتى نيله الحرّية أو الاستشهاد من أجلها. وقد أثار شعب غّزة إعجاب العالم كلّه، وناصرته شعوب الأرض وتعاطفت معه وخرجت بتظاهرات حاشدة نصرةً لحرّيته واستنكاراً للإبادة التي يتعرّض لها. ذلك كلّه لا يستوعبه عقل المقاول العنجهي الفارغ، الذي ألف بيع وشراء أراضي الهنود الحمر التي غزاها أجداده المستعمرون اللصوص والقتلة (يقول المخرج القدير مارتن سكورسيزي إنّ الأمّة الأميركية تأسّست على القتل، مبرزاً ذلك في فيلمه “عصابات نيويورك” التاريخيّ). سرعان ما وقف الرئيس اليانكي الأحمق خائباً، وستتفاقم لديه الخيبة أمام الخيمة، رمز العزّة والصبر والثبات. لا كلام يفي عظمة شعب غزّة، ووطنيته القدوة والمثال.
المصدر: العربي الجديد