لم يقدم حتى الآن نموذجًا يطمئن المسلمين ناهيك عن سواهم. سوى التجربة التركية نموذجًا مهمًا وقويًا، للحركات الإسلامية، رغم أن حزب العدالة والتنمية الحاكم لا يقر بأنه ابن حركة إسلامية، أو أن مشروعه إسلاميًا. والدليل أن التجربة التركية راعت العامل الجغرافي الذي عليه تتأسس الدول.
من المهم أن يفرق الناس بين الإسلام كدين نؤمن به فكرا وسلوكا، وبين الحركات الإسلامية التي صنفت نفسها كطائفة فشلت جميعا في بناها التنظيمية فقاطعت المجتمع وفشلت في التعامل معه، فحولت نفسها إلى طائفة أكثر منها تيارًا اجتماعيًا يعبر عن إرادة الناس وآرائهم.
بل بنت حول نفسها سورًا يفرق بينها وبين تطلعات الناس في بناء الدولة الديمقراطية الحديثة.
فلم تبن نفسهًا تنظيميًا ولا فكريًا ولا وسعت قاعدتها اجتماعيًا ولا هي طورت عملها من داخل الأنظمة، لتبني كتلة تهدم هذه الأنظمة من داخلها. ولا عملت من خلال القنوات المتاحة ومن خلال المال والإعلام، ومن أهم تبريرات الفشل في الوصول إلى السلطة والتي تتمسك بها الحركات الاسلامية مفهوم المؤامرة، والفوبيا إسلام، لدى الإرادة الدولية والقوى الكبرى يدًا بيد مع الحكومات الدكتاتورية المتسلطة والتي تحارب أي تجربة إسلامية تقترب من السلطة.
ودليلهم أنه لو كان هناك انتخابات حرة نزيهة لفاز الإسلاميون دون أدنى شك، دون أن يقدموا مشروعًا واحدًا يتضمن بناء الدولة، ويوافق طموح الشعوب أو يتوازى مع مشروعهم الفئوي على أقل تقدير. لم يقدم حتى الآن نموذجًا يطمئن المسلمين ناهيك عن سواهم. سوى التجربة التركية نموذجًا مهمًا وقويًا، رغم أن حزب العدالة والتنمية الحاكم لا يقر بأنه ابن حركة إسلامية، أو أن مشروعه إسلاميًا. والدليل أن التجربة التركية راعت العامل الجغرافي الذي عليه تتأسس الدول. وأكد على علمانية الدولة التي تأسست عليها دون المساس بمعتقدات شعبها وثقافتهم. فأقرت الدولة التي تضمن الحقوق دون تمييز أو تفاوت بين جميع المواطنين مسلمين وغير مسلمين.
دولة يحميها القانون والدستور ويحمي المساواة السياسية والمدنية.
لم تستوعب هذه الحركات ضرورة التمييز بين الدعوة والسياسة، وهذا لا يعني الفصل بين الدين والدولة، فالدعوة منطقها الاكتساب ومنطق السياسة قائم على المغالبة.
المنهج الخاطئ والسائد لدى معظم هذه الحركات أنها تريد تحويل الأخلاق التي تمثل النسبة العالية في الإسلام إلى تشريعات، دون الانتباه بأن سلطة الضمير أعلى من سلطة القانون،
وهذا الهوس لدى الأحزاب والفصائل الاسلامية أفقدها احتضان الشعب والتفافه والحوار معه، وبالتالي أحدثت فجوة ونفورًا صارخًا. ثم إنها لم تمتلك الخطاب الذي يتناسب مع الحالة الاقليمية والدولية ومنظومة الأمم. مما ساهم في الدعاية العالمية والحشد ضد هذا الفكر وهذه الجماعات التي لا تتكلم إلا لتسمع نفسها. وهذه النرجسية المتجلية في الجهل المتراكم والمتصلب حين نقرأ فقط ما يتناسب مع مفاهيمنا وما يتناسب مع أهدافنا.
حين نستشهد بنصف الحقيقة فإننا نخدع الناس باسم الدين. وكل أخطائنا وجناياتنا نعلقها على جدار الدين كذبًا وبهتانًا أو جهلًا وتعاميًا.
لا يعني توصيف الحالة آنفة الذكر بأن هناك عملًا جبارًا وسعيًا دؤوبًا لأخذ الدور الايجابي في خضم الصراع الدائر بين هذه المنظومات مع أنظمة قتل وتدمير وإقصاء. إلا أن هذا الدور فقد مقومات النجاح والاستمرار لعقود قادمة. حتى يقتنع هؤلاء أن السياسة علم وممارسة وفهم الواقع وفن الممكن وممارسة المشاركة الحقيقية مع القوى الحاضرة والفاعلة في دولة القانون والمواطنة.