مساهمة نظرية في حل .. المسألة اللبنانية


تأليف

فتحي رشيد

بما أن بلداً في العالم لم يشهد ما شهده لبنان من عمليات اغتيال لرؤساء جمهوريات ورؤساء وزارات ووزراء ونواب وقادة ومفكرين ومثقفين وصحفيين بارزين. إضافة لمعاناة شعبه من أزمات سياسية وصراعات داخلية، وحروب أهلية واعتداءات وتدخلات خارجية عديدة. ولم تشهد عاصمة بلد في العالم ما شهدته عاصمته “بيروت” من عمليات حصار وقتل وتدمير. 

وبما أن اللبنانيين لم يتمكنوا -حتى اليوم- من تجنب تلك الأزمات والمشاكل. وهو ما يؤشر إما على عدم قدرة أصحاب القرار في لبنان من التوافق على رؤية عامة تمكنهم من الخروج من هذا الوضع. ما جعل دولاً غربية تقدم النصح لإخراجه من محنته. وإما -لأن التدخلات الخارجية حالت دون التوافق بين القوى المتصارعة على أي حل. وإما إلى أن المسألة اللبنانية -هي أساساً – معقدة لدرجة بات يستحيل حلها، دون حل مشاكل الإقليم والعالم. 

وبما أن لها أوجه عديدة، خارجية، وداخلية، بأبعاد سياسية ومالية وعسكرية واقتصادية واجتماعية وفكرية مرتبطة أكثر من غيرها من البلدان العربية بصراعات إقليمية ودولية، جعلت من هذا البلد رغم صغر مساحته يكاد يكون أشبه ببؤرة أو محرق عدسة تتكثف فيها صراعات العالم كله. التي من دون الكشف عنها وإظهارها والتعمق فيها وتحليلها علمياً لن يتمكن أحد من وضع حل لها. وهو أمر يستدعي التعرف على الجذور التاريخية والعميقة للمشاكل الظاهرة والذهاب بعيداً للتعرف على الأبعاد القصية، باستخدام ما يشبه عدسة سينمائية مكبرة تمكننا من رؤية أدق التفاصيل ومصغرة لرؤية أكبرها. 

وهذا يتطلب وقفة طويلة ونظر وتعمق، والبحث في قضايا كثيرة. مثل لماذا وكيف نشأ أو تشكل لبنان؟ وبهذه الحدود والبنية السياسية وبهذه الهويات الإثنية والثقافية المتعددة والمتناقضة؟. وما هي الظروف التي كانت وراء ذلك التشكيل وبتلك الطريقة؟ ومن ثم التعرف على موقف جميع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية من الحلول المقدمة لهذه التركيبة. 

وهو ما يستدعي -أيضاً- البحث في قضايا فكرية وسياسية عديدة قديمة وراهنة. مثل موقف كل إثنية من الدين والعروبة واللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين، وموقفها من الصراعات والمحاور الإقليمية والدولية، ومن دور الجيش والمقاومة والدين والمذهب والمليشيات في السياسة والحياة العامة اللبنانيين، ومن مستقبل لبنان السياسي.. إلخ، وهي قضايا ليست جديدة، كما أثرت في الماضي، لا تزال وستظل تؤثر على وجود وحياة ومستقبل اللبنانيين وسكان المنطقة والعالم. 

وهذا ما يجعل من إعادة البحث والتنقيب والنظر والتأمل والتمعن في المشاكل الظاهرة وتقليبها لرؤيتها من كافة جوانبها، للوصول إلى جذورها القديمة أو إلى الحقائق الكامنة في الأعماق المظلمة للتاريخ أو في اللاوعي الجمعي للبنانيين، وامتدادتها في العالم، والتي من دون الوصول إليها ومعرفتها وتسليط الأضواء عليها، ومن دون مقارنتها وربطها بأوضاع مماثلة سابقة استناداً لرؤية نظرية كلية وتاريخية شاملة. لا يمكن أن نتوصل لحل المشاكل الظاهرة أو الطافية على السطح. ما يعني أيضاً من الناحية العلمية من المطلوب -أيضاً- أن تكون الرؤية نقدية. أي تتطلب إعادة النظر في جميع القضايا، وبحثها على حدة ومراجعتها وفق رؤية كارل بوبر النقدية () الكلية، وذلك قبل البدء بالتفكير بالبحث عن أية حلول إجرائية. 

 

 

 

 

منهج البحث

 

1- الرؤية الكلية الشمولية النقدية: 

بما أن المسألة اللبنانية كما هي في الواقع والفعل ظاهرة بشرية مجتمعية سياسية فكرية تاريخية ذات امتدادات إقليمية وعالمية يصعب وضع حدود واضحة لها أو تحديدها بدقة، فإن طبيعتها تتطلب استخدام رؤية نظرية شاملة وكلية وأكثر دقة وحذراً. بما يبقي في ذات الوقت – على هامش واسع لاحتمال وتقبل الخطأ، والتصحيح. بما يمكّننا من تعديل الرؤية وتقبل تعديلها حسب رؤية كارل بوبر النقدية. ونظرة كارل ماركس () الشمولية والكلية. وهي الرؤية الوحيدة التي تمكن الناظر للغابة كلها من الخارج من التعرف على الطريق الاسرع للخروج منها. بطريقة أسهل ممن هو عالق أو ضائع داخلها. مع التأكيد على أن من هو عالق داخلها أقدر على رؤية الحلول الصحيحة والإجرائية لتجاوز العقبات الصغيرة والأمور التفصيلية التي تمكنه من المرور بين الأشجار والأغصان (التفاصيل الدقيقة). 

 

2- الرؤية التاريخية: 

بما أن أية ظاهرة في الكون لها بعد تاريخي لذلك لابد من التعرف أولاً على جذور المسألة اللبنانية الضاربة عميقاً في التاريخ. والتعرف على التحولات التي مرت بها. ومن ثم بعد تفكيكها لعدة قضايا (التحليل) ووضع كل قضية في سياق التطور التاريخي العام لها. وبعد أن تتم مقارنتها بغيرها (دراسة مقارنة) يمكن التوصل لمعرفة العام (المشترك بينها وبين غيرها من المسائل الإشكالية)، وبالتالي الخاص بها والمميز لها (تجلياتها الخاصة في لبنان). بعد ذلك يمكن وضع حلول جذرية لها. ومن ثم الانتقال من الخاص إلى العام ومن الأجزاء إلى الكل (التركيب). التوصل للحل العام. 

وبما أن أهم مؤسسي منهج فلسفة العلوم (علم نظرية المعرفة “الابستمولوجيا” )() أكدوا على أن علماء الطبيعة منحازين، حتى في نوع المسائل الفيزيائية البحتة التي يبحثونها، ومن قبل أن يتوجهوا للبحث. فهذا معناه أن ذلك سوف ينسحب على أية مسألة اجتماعية وسياسية هامة، وبالتالي على مسألة (مثل المسألة اللبنانية) قد يتقرر على ضوء حلها مستقبل المنطقة كلها. 

وإذا كان علماء المنهج النقدي يؤكدون على ضرورة إعادة النظر -حتى- في النظريات العلمية. فإن إعادة النظر في الحلول الموضوعة سابقا ,للمسائل الاجتماعية والسياسية تكون أولى، وهو ما يجعل من إعادة النظر في أي نتيجة توصل لها الباحثون، سابقاً لحل المسألة اللبنانية مدعاة لإعادة البحث فيها مجدداً. وهو ما يعني أننا نُسلم ـ مسبقا ـ بأن رؤيتنا ستظل ناقصة وتحتمل الخطأ وبالتالي تتطلب التصحيح. 

وهو ما تؤكد عليه النتائج المتباينة للدراسات والبحوث السياسية العديدة المقدمة لذات القضية من قبل باحثين أكاديميين وبخاصة فيما يتعلق بلبنان. لأن كل دراسة -بالأساس- تخفي موقفاً طبقياً أو فكرياً أو سياسياً معيناً لا يتم الكشف عنه صراحة. وبالتالي فكل واحدة منها تلقي الأضواء على جوانب معينة بينما تخفي جوانب أخرى. أو تعتم على جوانب مهمة. 

لذلك يستخدم كل باحث صفة الموضوعية والعلمية والحيادية والنزاهة العلمية للتضليل أو لإيهام المستمعين أو القراء بالصحة العلمية، أو الزعم بأنها موضوعة من قبل ذوي الاختصاص أو خبراء بهذا الشأن أو ذاك. بينما هي في الحقيقة، ليست سوى مواقف خاصة لتمرير مواقف سياسية لجهة معينة غالباً خارجية، تتلبس صفة الدراسة الأكاديمية الموضوعية أو العلمية كي يسهل تمريرها على الناس. 

فزعم الموضوعية البحثية، خاصة التي تعالج أو تدرس الشؤون السياسية لأي بقعة في العالم، هو زعم غير صحيح. باعتبار أنه لا يمكن لأي دراسة إلا أن تكون منحازة لطرف ما (جماعة أو إثنية أو طائفة أو عقيدة أو طبقة أو فئة). مهما تظاهرت بالموضوعية والحياد. ولكونها قضية مختارة للبحث من عدة قضايا مطروحة على الساحة. لذا لابد أن تكون منحازة سلفاً، ولهذا فإن كاتبها يختار قبل أن يبدأ مراجع وكتب معينة ويقتطع فقرات محددة أو تصريحات معينة دون سواها من مراجع معينة (وليس من كل المراجع) ومن ثم ينتزعها من سياقها العام ويضعها في سياق آخر. حيث نجد تحليلين مختلفين ومتعارضين لباحثين في القضية ذاتها، يزعم كل منهما أنه خبير (ضليع) وعلمي وموضوعي أو أكاديمي متخصص بالشأن ذاته. ما ينفي سلفاً عن هذه الدراسة وسواها صفة الموضوعية والنزاهة. 

لذلك فإن هذه المساهمة النقدية، كما مساهمات عديدة سابقة، لا يمكن إلا أن تكون منحازة. فبمجرد اختيار الكاتب لبنان موضوعاً للبحث، يعكس موقفاً نابعاً من رؤية سياسية ترى أن تجاوز لبنان لمحنته، سيكون لها دور حاسم في إحداث تغيير شامل في المنطقة، وفي نجاح ما عرف، بثورات “الربيع العربي” بعد أن أجهضت. ما قد يرسم مستقبل جديد للبنان والمنطقة العربية وفلسطين ضمناً. 

وبما أنه لايمكن الفصل بين الذاتي والموضوعي.أشير إلى أنني حاولت في هذه المساهمة أن أجمع ما بين قراءات تاريخية عديدة عن لبنان، تضيئ على جوانب معينة، وبين مشاهدات وتجارب عشتها، ومذكرات خاصة وشخصية، تضيئ على جوانب معتمة وأخرى مظلمة ربما لم يسبق لباحث أن أضاء عليها. تتقاطع مع قراءات سياسية محددة. لوقائع وأحداث خاصة. لم يتم التطرق لها من قبل – على الأقل – علناً. 

لذلك لن تتقيد هذه الدراسة بالخطوات التقليدية للبحث الأكاديمي (المزعوم) الذي غالباً ما يكون ملفقاً. ولا تتغطى بعناوين عشرات الكتب والمراجع. مع أنها بالتأكيد استعانت وتستعين بكتب وكُتّاب معينين أو فقرات محددة نشرت في كثير من الكتب، أو وسائل الإعلام المختلفة والتي باتت مصادر للمعلومات لن تقل أهميتها عن أهمية المراجع والكتب المنشورة. يشفع لي فيها حبي للبنان وشعبه ورغبتي المخلصة في خلاصه. 

كما آمل أن تفيد هذه المساهمة وتغني المهتمين بالشأن اللبناني، بمعلومات قد تضيف رؤى وأفكار تكون عوناً لغيري من الباحثين في البحث الجاد عن الحقيقة. وتقديم الحلول التي تمكن لبنان وشعبه من الخروج من محنته الراهنة. 

 

فتحي رشيد – السويد، موتالا 

 

 

 

 

تمهيد

 

منذ أكثر من مائة وخمسون عاما ,لم يعد الشأن اللبناني -خاصة اليوم- شأنا خاصاً باللبنانيين وحدهم بل كان وما زال شأنا عاماً و دولياً , وبخاصة منذ أن أصبحت المسألة اللبنانية جزء أساسي من المسألة السورية. التي باتت في صلب المسألة الشرقية التي يقع في عمقها المظلم مشروع إقامة دولة لليهود في المنطقة. ماجعل من القضية الفلسطينية بعد قيام ما تسمى دولة “إسرائيل ”  شأناً عالمياً وعربياً عاماً للعرب والمسلمين والمسيحيين ولكل الساسة المهتمين بالمنطقة العربية والقضية الفلسطينية. أوما تسمى قضية الشرق الأوسط. 

إنه قدر الجغرافيا والتاريخ الذي أصبح واقعاً يفرض حضوره بقوة الأمر الواقع على اللبنانيين والفلسطينيين والعرب والشرق الأوسط والعالم- وبخاصة على أوروبا. واقع تهرب الكثيرين من مواجهته؛ واقع لم ترغب به شعوب المنطقة،فجعل شعوبها تعاني الأمرين، وجعل قوى عظمى وصغرى تقيم علاقات خاصة  بالقوى الداخلية وتتدخل بشؤون لبنان العامة والخاصة. 

وبالتالي بات البحث عن أي حل للوضع اللبناني الداخلي، في ذات الوقت بحث مرتبط بالشأن الدولي والإقليمي والعربي العام والفلسطيني.و بات من غير الممكن الحديث عن أي مشكلة أو حدث جرى أو يجري في لبنان إلا ويكون الصراع العربي الصهيوني موجود فيه أو حاصل بتأثيراته. 

مما يفهم منه، أن لا مكان أو محل لإعراب الجملة التي كان يرددها جبريل الرجوب” () رداً على منتقدي سياسة قادة السلطة الفلسطينية في رام الله والتي مفادها :”أن سكان مكة (أي رام الله، أو لبنان) أدرى بشعابها”. لأن كل من يستخدم هذا الشعار يرمي به قطع الطريق على الحل الذي يطرحه أي مهتم بالشأن الفلسطيني أو اللبناني أو السوري ويلغيه، بما يجعله ينفرد بالحل الذي يراه هو، وهو ما يجعل من هذا القول أو الموقف مرفوضاً وإقصائياً. 

من هنا ينشأ اهتمام بالبحث الذي سيقدمه أي باحث سواء أكان فلسطينياً أو سورياً أو فرنسياً بالمسألة اللبنانية، وسيكتسب أهمية- خاصة بعد ثورة 17 أكتوبر 2019، والتي سيتبين لنا من خلال البحث أن مجرد قيامها في لبنان يعتبر تأكيداً على أحقية الثورات العربية وضرورتها ,وسيكون نجاحها ـ حتما ـ نجاحاً للفلسطينين ,ومقدمة لنجاح الثورة الحديثة التي عصفت بالوطن العربي من خلال ما عرف بالربيع العربي. وهو ما يشير إلى أن تغيير البنية الطائفية التي قام لبنان عليها بات يتساوى ويتطابق مع العمل على إسقاط الأنظمة العربية الاستبدادية والمتخلفة – كما جعل منه الواقع  مطلباً قديماً سيجعل منه ـ حاليا ,مطلباً راهناً ومستقبلياً للشعوب العربية، ومقدمة لهزيمة المشروع الاستعبادي الاستعماري والصهيوني في المنطقة وفي العالم. 

لذلك قبل الدخول المباشر إلى الشأن اللبناني الخاص لابد من التذكير والتأكيد على الحقائق التالية: 

1- أن المسألة اللبنانية ظهرت،كجزء من المسألة السورية،كجزء من المسألة الشرقية.لحل لكل من المسألة اليهودية في سياق عملية إنهاء الدولة العثمانية واقتسامها في فترة التوسع الاستعماري . لهذا فإن المسألة اللبنانية ظهرت ,وكانت وماتزال ـ أيضاً إحدى المسائل التي بسبب ظهورها. كما سنبين في بحث “نشأة لبنان”، تكشفت فكرة إقامة أسس كيانات جديدة مثل “متصرفية” جبل لبنان (متصرفية دير الزورلم تتشكل ) و”متصرفية” القدس (في وقت واحد تقريباً بين عامي 1861 و1864) حيث اقتطعتا من ولاية سورية ووضع لكل منهما نظاماً خاصاً، تحت ضغط الدول الأوروبية (بموافقة جماعة الاتحاد والترقي التركية، ذات الصلات الوثيقة بالحركة الماسونية والحركة الكولونيالية الصاعدة) كخطوة أولى جعلت من لبنان قاعدة للتدخل في شؤون -والحلول محل- الدولة العثمانية الآيلة أوالمهددة بالانهيار. 

ومن المهم التذكير هنا بحقيقة، أن تلك القوى بعد تلك الإنجازات التي حققتها في لبنان. تمكنت الحركة اليهودية العالمية (التي عرفت بالماسونية) من خلال إنشاء متصرفية القدس إقامة قاعدة أولية للدولة اليهودية (أي لليهود الغرباء عن يهود المنطقة، الذين كان يسعى الروس والأوروبيين لطردهم لطردهم من بلادهم بزعم إعادتهم إلى البلاد التي جاؤوا منها من خلال إقامة دولة لهم على أرض فلسطين تكون قاعدة للتوسع الاستعماري في المنطقة وفي ذات الوقت قاعدة للحركة الصهيونية. لهذا طغت القضية الفلسطينية على المسألة اللبنانية وأصبحت القضية المركزية للعرب جميعاً ولشعوب الشرق الأوسط، وهذا ما أدى إلى تراجع المسألتين السورية واللبنانية. لكن جذورهما وارتباطاتها القديمة أبت إلا أن تعود للظهور مجدداً بقوة في طريقة حل القضية الفلسطينية من خلال إقامة سلام بين سوريا ولبنان وما تسمى إسرائيل كحل للمسألة اليهودية. وهو ما يؤكد على أن للمسألتين جذر واحد. من ناحية، ولأنهما من ناحية أخرى – كما كانتا ما تزالان جزءاً من المسألة السورية كجزء من المسألة الشرقية (التي لن تجد حلها إلا بتوافق دولي عام لحل مشاكل المنطقة كلها بطريقة مختلفة عن الطريقة التي حلت بها سابقاً، مما جعل منها، وباتت تشكل حالياً جزءاً من مشكلة نشر وتعميم الديمقراطية والعدالة في العالم. 

وهذا ما جعل المسألة اللبنانية تظهر مجدداً بالترابط والتوازي مع الحلول المقدمة للقضية الفلسطينية، والمشكلة السورية ومسألة نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان -خاصة- في مشرق الوطن العربي. 

2- بما أن شمال فلسطين كان تاريخياً ومن الناحية الجغرافية والبيئية والبشرية استمراراً لجنوب لبنان. حيث كان شعبيهما متداخلان معيشياً واجتماعياً وثقافياً وإدارياً أكثر من بقية الشعوب العربية. حيث تؤكد كتب التاريخ الحديث للمنطقة على أن التبعية الفلسطينية (لشمال فلسطين بدءاً من عكا) لإيالة صيدا كانت من الناحية الإدارية منذ عام 1664 حتى عام 1923 (اتفاقية لوزان) تاريخ انتهاء الولاية القانونية للدولة العثمانية،تتبع للبنان. ولم تكن هناك أية مشكلة بين اللبنانيين والفلسطينيين طيلة الفترة التي كان فيها شمال فلسطين كله تابعاً مثل أيالة صيدا تابعا لولاية سوريا. وظل هذا الأمر سارياً حتى عام 1864 بعد تشكيل ما سميت متصرفية جبل لبنان عام 1861 حيث اختلفت الأمور واقتصرت تبعية الشمال الفلسطيني حتى حيفا لإيالة صيدا بينما ألحقت ألوية القدس ونابلس والخليل وبئر السبع ويافا (حتى غزة ) لما سميت “متصرفية القدس”. وظل الأمر كذلك حتى عام 1923 حيث فُصلت أغلب مناطق شمال فلسطين عن صيدا وأصبحت تابعة لما سميت دولة فلسطين حسب اتفاقية بوليه نوكامب (عام 1923بين بريطانيا وفرنسا) ومع ذلك ظلت بعض مناطق الحولة والجليل تابعة لما سميت منذعام 1920 دولة جبل لبنان الكبير. بما يعني أن الصلات الوثيقة من الناحيتين الجغرافية والبشرية، والاقتصادية والإدارية والروحية خلال ذاك التاريخ الطويل، بين الفلسطينيين واللبنانيين (السوريين أساساً) كما كانت قوية جداً وأكثر مما هي مع السوريين الحاليين، ماتزال كذلك اليوم بدليل أن الكثير من العائلات اللبنانية البارزة لا تستطيع أن تتنصل أو تهرب من نفي أصولها كونها ما تزال تحمل أسماء مدن فلسطينية (مثل آل الصفدي والحيفاوي والعكاوي) أو الأسر العريقة الفلسطينية مثل آل الحسيني والصلح والصفدي.. إلخ، بل وكثير من الشخصيات اللبنانية التي حكمت فلسطين والفلسطينيين (مثل العازوري وفوزي القاوقجي وأحمد حلمي عبد الباقي). فهذه الصلات التاريخية والعائلية لا يمكن أن تنسى أو تشطب مهما طال الزمن. ولهذا لا يمكن أن ننسى أن بعض العائلات والشخصيات العثمانية والتي أصبحت لبنانية (مثل آل سرسق والصلح) يتحملون مسؤولية كبيرة في ضياع فلسطين باعتبار أنه كان لهم أملاكاً وعقارات في فلسطين لأنهم كانوا يقيمون في بيروت أو طرابلس أو العرقوب. وهو ما مكن الوكالة اليهودية من شراء أول الأراضي في فلسطين. حيث راحت تعمل بعدها على شراء المزيد منها وتدفع مبالغ طائلة. وتؤكد الارقام أن كثيراً من تلك العائلات باعت أراضيها بشكل مباشر (حوالي 5% من أراضي فلسطين الزراعية) للوكالة اليهودية (حسب وثائق لجنة التوثيق الدولية وتوثيق هند البديري في كتابها أراضي فلسطين) أو بيعت لاحقاً للوكالة اليهودية. كون ملكيتها تعود لعائلات كانت تابعة من الناحية الإدارية والقانونية لفلسطين ثم أصبحوا لبنانيين بعد عام 1920. وهو ما أسس لقيام أولى المستوطنات اليهودية في فلسطين والتي شكلت قاعدة لاستقبال مهاجري يهود روسيا وبولونيا إليها، وكانت عاملاً حاسماً في قيام ما تسمى دولة إسرائيل وحدوث نكبة العرب (). 

3- كما نذكر أن أراضي أميرية “جفتلك” (ملكية عامة للدولة اللبنانية – أي ليست أملاكاً خاصة) تتبع للقرى السبع (حسب اتفاقية عام 1923)، قد اقتطعت من لبنان وضمت لفلسطين () المحتلة بعد عام 1948 وضمت لإسرائيل ظلماً وعدواناً. (من حق اللبنانيين استعادتها) . 

لذلك نؤكد على حق لبنان واللبنانيين التاريخي في إعادتها إلى كنف الدولة اللبنانية. دون تجاهل حق لبنان في أية مفاوضات مقبلة، في استرداد جميع الأراضي التي احتلت لاحقاً في أعوام 1967 و1978 و2000. 

4- بما أن لبنان يضم حالياً أكثر من 400 ألف فلسطيني () غالبيتهم من المسلمين الذين إذا ما قبلت الحكومة اللبنانية توطينهم، وتجنيسهم كما فعلت مع كثير من مسيحيي فلسطين وسوريا وأرمينيا، سيشكل ذلك خطراً كبيراً على الثقل المسيحي في لبنان، وسيحدث خللاً كبيراً يهز البنية الطائفية التي قام ومازال لبنان يقوم عليها. ما جعل لبنان حكومة وشعباً (خاصة المسيحيين) يرفضون بقوة جميع محاولات توطين الفلسطينيين في لبنان (مع أنهم وطنوا الأرمن) مما أسس لرفض مماثل من قبل حكومات جميع الدول العربية لفكرة التوطين (ولو نفاقاً فيما سميت المبادرة العربية للسلام عام 2002) مع أن حكومات دول مثل الأردن وطنت وكانت وما تزال توافق على توطين كثير من اللاجئين الفلسطينيين على أراضيها مقابل مكاسب مالية كما أعطت الجنسية للكثير منهم عام 1950. مع أنها لم تجرؤ على الإعلان عن موافقتها رسمياً أو علناً على فكرة التوطين. لذلك فإن هذه الدول تَخًفت وراء شعار ضبابي “حل عادل لقضية اللاجئين” بينما أعلن لبنان حكومة وشعباً رفضهما الحازم للتوطين، رسمياً وعلناً. 

من هذه الزاوية فقط يفترض بكل لاجئ فلسطيني متمسك بحق العودة ويرفض التوطين أن يثمن هذا الموقف اللبناني (الحكومي والشعبي) بغض النظر عن أسبابه ودوافعه الطائفية ومن أي طرف جاء، كونه كان ومازال يصب في مصلحة النضال الفلسطيني ولأن هذا الموقف العملي الشعبي والرسمي والعلني للبنان كان ومازال أكبر عقبة أمام طرح فكرة أو مشروع توطين اللاجئين. كخطوة لابد منها لتصفية القضية الفلسطينية والتي قد تكون آخر العقبات التي تقف في وجه الحل الصهيوني في المنطقة، وقد تجعل منه نقطة انطلاق لحراك شعبي لبناني عربي وطني وفلسطيني رافض للتوطين وداعي للمطالبة بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم ومهما طال الزمن. 

وهذا ما أدى لظهور العمل الفدائي كشكل لحركة التحررالفلسطينية في لبنان قبل غيره .والتي أصبح نشاطها ذريعة للاعتداءات الإسرائيلية، أو تدخلات لقوى خارجية مثل أمريكا والأطلسي وإيران. وأدى لأن يكون لهذه التدخلات أثار مدمرة على لبنان وشعبه. ليس بسبب احتلال إسرائيل لأجزاء من لبنان والخطر الداهم والدائم الذي تشكله إسرائيل على لبنان فقط، بل بسبب أن إيران كي توجد نفوذاً لها في لبنان استغلت القضية الفلسطينية فزعمت أنها لمواجهة الخطر الصهيوني وتحرير القدس تدعم بعض الشيعة حيث تمترس أنصار حزب الله ومحور المقاومة في المنطقة حول هذا الزعم وهو ما أدى إلى تقبل إيران وحزب الله في لبنان والمنطقة. وهذا ما كان سبباً في أهم مشكل لبنان الحالية. 

وهو ما يعني أيضاً، أن العالم كله إن لم يتوصل لحل نهائي للصراع الدائر في الشرق الأوسط، فلن تحل الأزمة اللبنانية حلاً نهائياً. وبأن أي حل يطرح للقضية الفلسطينية -سواء أتى من الداخل أو من الخارج- لا يمكن أن يبحث دون البحث في.. وعن.. حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. فأي حل مثل التوطين أو التهجير أو الخنق بصمت، سيؤثر بشكل ما على جميع اللبنانيين والفلسطينيين والعرب لذلك فهم معنيين بقدر ما بهذا الحل، ولأن انعكاساته أو عدم تقديم حل، أو عدم وضع حد له. أو عدم نجاحه، كما انعكس سابقاً على اللبنانيين بشكل مأساوي، سينعكس علينا لاحقاً، لذا فنحن معنيين بدرجة ما على الأقل بتقديم تصورنا عن الحل الذي -ربما قد يكون غاب عن بالهم- فربما يساعدهم تذكره من خلال هذه المساهمة النظرية في تبني حلاً صحيحاً ونهائياً، أو أقرب إلى الصحة لمشكلتهم ومشكلتنا معهم. 

5- هذا ما يعيدنا لوضع قضية قديمة صارت منسية من قبل كثير من اللبنانيين إلى واجهة الأحداث الراهنة. حيث وقفت يومها -أطراف لبنانية عديدة ما بين عامي 1947 و1948 موقفاً رافضاً للدخول في الحرب التي كانت تخطط لها بريطانيا. كون لبنان أعجز من أن يخوض حربا ولايمتلك أسلحة أو جيشا وخوفاً من أن يتخذ ذلك الدخول في الحرب حجة لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين الذين سيتم طردهم إلى لبنان ولما قد يجره ذلك عليهم من كوارث. 

 وتشير الوثائق التاريخية المثبتة (التي تم تجاهلها) منذ الأيام الأولى للنكبة واللجوء. إلى أن ثمة أوامر صدرت لضباط الجيش والأمن العام اللبناني، تقضي بمنع دخول اللاجئين الهاربين من فلسطين إلى لبنان، وهو ما شكل سداً أمام تقدمهم شمالاً وتركهم في العراء بلا غطاء أو غذاء أو ماء حوالي أسبوعين وهو ما عاشه الكاتب. وبعد التدقيق والمراجعة تبين لي من خلال كتاب أصدره ناصر الدين النشاشيبي، عن محادثات الملوك والرؤساء العرب في القاهرة في 12 أيار عام 1948 أن حكومتي كلاً من لبنان ومصر والسعودية كانت تقبل ضمنا قرار التقسيم (181) وترفض دخول الحرب. (دولاً أخرى مثل سوريا واليمن كانت ترفض القرار فعلاً وتصر على دخول الحرب لمنع دولة اليهود). على عكس ما فعله ملك الأردن عبد الله (عميل بريطانيا والصهيونية). حيث بين أن حكومة توفيق أبو الهدى العملية لبريطانيا كانت تصر على دخول الحرب كي تضم الضفة الغربية إلى أمارة شرق الأردن لتصبح مملكة ضمن اتفاق سري جرى بين الملك عبد الله و”بن غوريون”. وهو ما كشف عنه “دومينيك فيدال” (مؤرخ فرنسي). وكذلك عبد الله التل. كما تشير بعض المراجع التاريخية () إلى أن ثمة خلافات قوية جرت يومها. داخل الحكومة اللبنانية حول الموقف من قرار التقسيم ومن دخول الحرب، حيث رجح وزير خارجيتها (ورئيس جمهوريتها بشارة الخوري) احتمال نزوح كثير من الفلسطينيين المسلمين إلى لبنان، وأعلن رفض لبنان استقبالهم، وهو ما أدى إلى استقالة تلك الحكومة وخروج كميل شمعون منها ردا على ذلك القرار. 

ولهذا فبعد أن تشكلت حكومة جديدة يوم 12 أيار عام 1948 تغير الموقف الرسمي والعلني للحكومة اللبنانية. فقررت دخول الحرب مع تأكيدها على عدم السماح باستقبال ما يمكن أن تُرحلهم الدولة اليهودية من الفلسطينيين. لهذا بقي الفلسطينيون على الحدود -في البرد والجوع- طوال أسبوعين، بعدها- فجأة تغير القرار وسمح للاجئين دخول لبنان. بعد ذلك جاءت سيارات الجيش اللبناني المكشوفة وراحت تنقل اللاجئين إلى القرعون ومن ثم إلى رياق وصيدا وبيروت وطرابلس.. إلخ، وتوزعهم على مخيمات عديدة، وعلى ضوء ذلك القرار أو الأمر المفاجئ تكررت عملية نقل اللاجئين وتوزيعهم في سوريا ولبنان على مدن ومخيمات كثيرة. وهكذا ساهمت عملية توزيع اللاجئين في تفتيت العائلات الفلسطينية وفي التخفيف من وقع المشكلة القائمة على الحدود مع لبنان. بعد أن تم نقلها إلى الداخل. كما أعاقت لاحقاً توحد الفلسطينيين. 

6- وهذا ما يدفعنا اليوم، للتوقف لنتأمل وندقق في قضية حساسة جرى تجاهلها والقفز عنها لابد للبنانيين والعرب الشرفاء من العودة إليها والتدقيق فيها (ليس لنكأ الجراح بل لأن الكشف عن خفاياها قد يكشف كثيراً من الأمور الخفية التي كانت وما تزال تعصف بلبنان حالياً). فنسأل: “هل كان ثمة قرار دولي، أم محلي يقضي بمنع دخول اللاجئين إلى لبنان؟ وكيف ولماذا تغير الموقف بعد اسبوعين؟ هل نتيجة لقرار اتخذ من جهة مجهولة لإبعاد اللاجئين عن الحدود مع فلسطين المحتلة لمنع عودة كثير من الفلسطينيين لبلدهم أو لمنع عمليات التسلل التي كان يقوم بها البعض لاسترداد ممتلكاتهم، أم لمنع نشوب عمليات فدائية من لبنان؟ وهل كان ثمة قرار يقضي بإبعاد اللاجئين وتوزيعهم في مناطق عديدة ليضيعوا ويتشتتوا كما حصل فعلاً؟ ومن كان يقف وراء ذلك القرار ومن الذي وافق عليه ولماذا؟ 

كإجابة أولية أذكر بأن ثمة نشرة خاصة أصدرها مركز البحوث والدراسات الفلسطينية عام 1965. تشير إلى الجانب المظلم من القضية. أكدت من خلال وثائق مكتوبة على ما جاء في كتاب ترجم بإشراف أنيس صايغ تحت عنوان “المؤتمرات الصهيونية” (). على ما ورد من نقاشات وحوارات في المؤتمر الصهيوني الذي عقد في القدس عام 1947 بعد صدور قرار التقسيم. بعد أن وافق أغلب أعضاء المؤتمر على تقبل القرار 181، تمت الموافقة على تكليف السيد “موسى شاريت” مدير مكتب العلاقات الخارجية في الحركة الصهيونية بالسفر إلى البلدان العربية للاتفاق مع حكوماتها (قبل أن تبدأ الحرب المتوقعة التي سوف يشنونها على الفلسطينيين، بأشهر بما يجعل حكومات هذه الدول يتقبلون عملية التهجير (الترانسفير) القسري للفلسطينيين والتي ستحصل ا)، والبحث في الأماكن المناسبة التي سيتم توزيع اللاجئين عليها في كل من سوريا ولبنان (حيث اقترح إسكانهم (أول الأمر في ليبيا ثم في الجزيرة السورية). وحيث جاء في الكتاب أن ” شاريت” () (سافر إلى روما ومن ثم بجواز سفر إيطالي إلى ليبيا ثم اتجه إلى بيروت ومن ثم إلى دمشق وبغداد والتقى مع بعض المسؤولين فيهما ورتب معهم عملية استقبال وتوزيع اللاجئين الذين سيتم تهجيرهم من فلسطين. وهذا ما يؤشر إلى أن ما يجري على الأرض يتم على عكس ما يبدو في الظاهر، ويؤشر على وجود قوى عميقة تقرر ما يجب أن يجري، في جميع هذه البلدان، وتتخذ القرارات المصيرية غير ما هو ظاهر على السطح. سعت لتهجير الفلسطينيين وتسعى إلى توطينهم وهو ما يتم التعبير عنه اليوم من خلال مصطلح “الدولة العميقة ” الحاكمة فعلاً في الدول العربية. 

في جميع الأحوال كما يرى الكاتب. أنه لابد للمفكرين والسياسيين (الثوريين) العرب التعرف على مكونات هذه الدولة الخفية أو العميقة أو الجهة التي تتخذ القرارات المصيرية.حيث لا يرون سوى نتائجها،أو ما ينجم عنها وهم غافلون. ولابد من البحث عما إذا كانت تلك القوى التي منعت الماء عن اللاجئين الفلسطينيين هي ذاتها التي تمنعهم حتى اليوم من العمل في وظائف كثيرة. ولابد للبنانيين من أن يدققوا فيما إذا كانت تلك القوة العميقة هي من يقف وراء مئات عمليات الاغتيال التي تعرض لها زعماء ومفكرين كبار في لبنان. ووراء إدخال المقاومة الفلسطينية بعد خروجها من الأردن إلى لبنان، دون موافقة مجلس النواب ؟ ولماذا تعرضت بيروت للحصار والتدمير عام 1982 ومينائها يوم الرابع من آب عام 2020؟ وكيف يمكن للبنانيين أن يعيشوا في ظل هذا التعتيم على من يتخذ أهم القرارات المصيرية التي تؤثر على حياتهم إن لم يعيدوا التدقيق فيها؟ 

 

 

 

 

مدخل

 

حرب وصراع المفاهيم والمصطلحات: 

لست بحاجة للتأكيد على أن حرباً أخرى غير الحرب بالرصاص؛ حرباً غير معلنة؛ هي “حرب المفاهيم والمصطلحات” وهي حرب تستخدم فيها الكلمات الأفتك من الرصاص، كونها  لا تقل خطورة عن استخدامه  وتقتل أكثر منه. حيث أن الرصاصة تقتل فرداً فقط أما الكلمة فتجيش المئات الذين يقتلوا الآلاف. وهناك فرق شاسع بين استخدام كلمة ثورة لتوصيف ما جرى ويجري في لبنان والوطن العربي. وبين استخدام كلمة مؤامرة.

 وأسوق كمثال إستخدام ممثلي وأدوات الأنظمة المستبدة مفهوم المؤامرة  جعلهم يبررون لأنفسهم وأدواتهم استخدام العنف وقتل الآلاف ,لسحق الثورة وخنق أي رغبة في التغيير والتوجه نحو الأفضل. وحيث راحت لتنفيذ هذا الهدف (كما سنبين) تستخدمه وسائل إعلام كثيرة منها قنوات تبدو- محترمة ومفكرين كثر محللين وصحفيين تستولدهم القوى المضادة للثورة. بينما هم في الحقيقة ليسوا سوى أدوات (أقزام وعملاء رخيصة وأقلام وأفواه مأجورة لقاء أجر مادي أو معنوي تافه ). حتى لو باتوا زعماء أحزاب قديمة انتهى دورها أو مستولدة حديثاً أو من أيام الوصاية السورية لتمييع الثورة أو إجهاضها أو للبطش بها. وتركيزهم وتسويقهم باستمرار لمفهوم المؤامرة بما يجعل المئات من أنصارهم يستخدمون الرصاص أو العصي للبطش بالمتظاهرين. 

لذا إن فشلت الثورة- حاليا عن تحقيق أهدافها- في لبنان والوطن العربي أو ماعرفت بثورات الربيع العربي فهذا لايعني أنها لم تكن أو ليست ثورات. فلقد فشلت من قبل ثورات “ربيع أوروبا ” في ستة عشر بلداً عام 1848. كما فشلت كومونة باريس عام 1873. وكما فشلت ثورة 1905 في روسيا.بل لأن مفهوم المؤارة وجد من يقتنع به ويعمل على هداه . 

ففشل الثورات التي تمت في كل من سوريا ومصر والعراق وتونس وليبيا والسودان.. إلخ أو عدم تحقيقها الأهداف التي رفعتها أو التي حصلت من أجلها لايعني أنها لم تكن وليست ثورات، بل يعني على العكس. أن قوى الاستبداد والظلام القديمة والحاكمة؛ قوى الثورة المضادة ألمعومة بالخارج- ما تزال أقوى. وهذا ما يعطي للبحث النظري والتعمق فيه أهمية للتوصل إلى حلول للواقع المأزوم في كل من سوريا ولبنان والعراق وغيرهم، ومشروعية قوية. 

 

إشكالية الوضع اللبناني الحالي: 

يكتسب تحليل ومعرفة ما جرى في لبنان يوم 17 أكتوبر أهمية استثنائية عما جرى في البلدان العربية. كون ما جرى فيه لا يعتبر مختلفاً شكلاً فحسب. بل لأن مضمونه في لبنان يثبت أن ما جرى هو ثورة. بما يمكننا من إقامة الدليل على أن ما جرى في البلدان العربية كان ثورة أيضا. وذلك لعدة أسباب أهمها: 

أولاً: لأنه لا يمكن لشخص عاقل أن يصف ما جرى في لبنان على أنه مؤامرة خارجية (خاصة صهيو-أمريكية) كما اتهمت الثورة السورية. باعتبار أن الحكومة اللبنانية ليست حكومة ثورية أو معادية للإمبريالية كسوريا (كما يتصور الكثيرين،او كما يزعم النظام ) حتى يتم التآمر عليها من قبل الإمبريالية والصهيونية. ولعل هذا ما حال دون، ومنع جميع منظري وفلاسفة -حتى صعاليك- الأحزاب اللبنانية الثورجية من اتهام الحراك الحاصل في لبنان بالمؤامرة كما اتهموا الثورة السورية. فإذا أثبتنا أن ما جرى في لبنان كان ومازال ثورة مستمرة فهذا معناه على أن ماجرى في سوريا وماهو مستمر فيها هو أيضا ثورة شعبية. 

ثانياً: لا يمكن وصف ما جرى في لبنان أيضاً. بأنه تحريك من قبل التكفيريين أو الوهابيين أو الدواعش (كما اتهم ثوار سوريا والعراق والجزائر والسودان) لأن من المستحيل إلصاق مثل هذه الصفات بمن ثاروا ونزلوا إلى الشوارع، بصورة عفوية في جميع المدن اللبنانية. حيث لم تكن – على الأقل هيئاتهم وألبستها وهتافاتهم تدل على شيء من ذلك. حيث كان حب الحياة طاغيا. 

ثالثاً: إذا أثبتنا أن ما جرى في لبنان هو ثورة وليست مؤامرة نكون قد ثبتنا حقيقتين مهمتين، أولاهما أن ما جرى في بقية البلدان العربية -خاصة في سوريا- كان ثورة أيضاً، باعتبار أن لبنان هو جزء من الوطن العربي وينطبق عليه ما ينطبق على غيره – خاصة سوريا. وبالتالي فإذا كان ما جرى يوم 17 تشرين في لبنان هو استكمال للثورة الجارية في الوطن العربي. و يقيم الدليل على أن ما جرى في بقية البلدان العربية لم يكن مؤامرة أيضاً. وإن جاء متأخرا في لبنان تسع سنوات عما جرى في سوريا ومصر أو سنة عما جرى في الجزائر. وثانيهما تأكيد على أن وجه لبنان العروبي أقوى من أي وجه آخر له. أو إعادة تأكيد على أنه عاد كما كان من قبل رائدا للعروبة، بل وأكثر. 

رابعاً: طالما لا أحد يستطيع أن ينفي أن رفض الفساد والاستبداد والطغيان كان ومازال أهم محركات الثورة في التاريخ كما ضد جميع الأنظمة الفاسدة مثل السوري والعراقي والمصري والجزائري أو.. إلخ. فهذا يثبت أن ثمة قاسماً مشتركاً أعظم بين جميع هذه الجمهوريات يتمثل بالفساد والاستبداد والفسق. كان ومازال المحرك الفعلي للثورات العربية وليس لأنها جمهوريات. حيث تؤكد الأرقام أن لبنان وسوريا تحتلان مع الصومال قمة الدول الفاسدة في العالم. 

خامساً: حيث يقدم الفساد الدليل القاطع على وجود قاسم مشترك أعظم محرك لجميع هذه الثورات، يتمثل برفض الواقع العام البائس الذي انتهت إليه هذه البلدان وشعوبها والتي باتت في أدنى مستوى على النطاق العالمي. والذي انكشف بعد ونتيجة للتغير الجذري الحاصل في العالم بعد سقوط منظومة ما تسمى دول عدم الانحياز والتي كانت تشكل غطاء سياسياً يتخفى خلفه الاستبداد. وبأن ما جرى كان في السعي إلى تغيير هذا الواقع البائس أو إصلاحه. وهذا ما يقودنا إلى. 

سادساً: إلى أن نجاح أو إنجاح الثورة في لبنان سيكون مقدمة لنجاحها في الوطن العربي لاحقاً كون لبنان (كما سنبين وكما كان فعلاً) نقطة الانطلاق في تغيير توجهات المنطقة منذ منتصف القرن التاسع عشر. (وهو ما سوف نبحثه في بحث نشأة لبنان). لذا سيكون تغيره نمط الحكم في لبنان نقطة انطلاق حاسمة لتغيير المنطقة العربية كلها في المرحلة القادمة. 

سابعاً: في تفسير تأخر الثورة في لبنان. نجد أنفسنا أمام تفسيرين. أو لهما أن ما لحق بالثورة السورية من تشويه وتدمير وتجويع وتحريف وقمع وسحق وتهجير وتشتيت، وبعد مشاركة حزب الله في قمع الثورة السورية. كان لهما دور كبير في تأخير الثورة في لبنان وفي لجم الثوار اللبنانيين، خوفاً مما قد يحصل معهم (على يد النظام اللبناني الممالئ للنظام السوري وحزب الله) إن ثاروا على النظام الفاسد. والثاني أن الشعب اللبناني كثير الصبر وطويل البال ولديه وفرة مالية مكنته من التحمل. وهذا ما جعل ويجعل من الوضع اللبناني استثنائياً وإشكالياً، وما يجعل تحديد وتوصيف ما جرى يوم 17 أكتوبر إشكاليا. هل هو ثورة شعبية عفوية. أم مجرد حراك أم انتفاضة أو هبة شعبية عابرة. 

إعادة تقييم ما حصل : أهم نقاط التشكيك بالربيع العربي هي اتهامه بالمؤامرة الغربية الصهيونية التكفيرية، كون هذا الربيع طال فقط الأنظمة الجمهورية التي تعتبر نفسها وطنية وتقدمية وثورية، على الأقل كونها كانت وما تزال تقف موقفاً معادياً – بالكلام- لأمريكا والغرب. بينما لم يطل الأنظمة الملكية والمعروفة بالعمالة أو بالتبعية أو الموالاة أو الصداقة مع أمريكا والغرب. أو لأنه كان للإسلاميين فيها دور بارز. وبما أن لبنان كنظام جمهوري ليبرالي ليس في دائرة تلك الأنظمة الثورجية المعادية للإمبريالية. لهذا فإن إي اتهام للثورة عليه بأنها مؤامرة أمريكية صهيونية داعشية ستكون ساقطة سلفاً. ومن هنا تنبع أهمية تقييم ما حصل في لبنان. كونه نظام جمهوري وحليف للغرب. 

وهذا ما يطرح ضرورة إعادة البحث في قضايا كثيرة منها، هل قامت الثورة (الربيع) ضد الأنظمة الجمهورية لأن أنظمتها معادية للغرب والصهيونية كما يزعم منظروها.أم لأنها فاسدة ومستبدة وفاسقة وعميلة؟ 

بما أن الحكم في لبنان لايُقيًم باعتباره نظاماً ثورياً معادياً للغرب بل يوصف أحياناً بأنه غير وطني وغير تقدمي وتابع. لذا قد نجد في ذلك جواباً لهذا الاستثناء كونه مثلها نظام جمهوري وفاسد تحكمه طبقة طائفية مستبدة مرتبطة بالغرب أكثر مما هي مرتبطة بالشرق. وهذا يشكل تأكيداً إضافياً على أن القاسم المشترك بين لبنان وبين الأنظمة الجمهورية الأخرى وخاصة سوريا وتونس هو الفساد. وهو ما يطرح علينا أسئلة أخرى. 

هل يفترض أن تكون الأنظمة الوطنية والقومية والتقدمية فاسدة ومستبدة وفاسقة ومجرمة بحق شعوبها؟ وهل يجب أن يُسكت عنها ويتم قبولها والسكوت على الفساد فيها، كونها فقط أنظمة جمهورية ؟ او لمجرد كونها- كما تزعم بالكلام- أنها معادية للغرب والصهيونية ؟ وهل يجب أن تكون الوطنية والثورجية مقترنة ومرتبطة بالاستبداد والظلم والقمع والفساد والإفساد وتخريب واستعباد البلاد والعباد؟ 

هل الأحزاب الشمولية الاستبدادية في النظم الجمهورية هي قدر الشعوب العربية؟ ألا يمكن الجمع بين الوطنية والثورية والحرية والكرامة الإنسانية للمواطن والشعب والوطن في أنظمة ليبرالية؟ وبين محاربة الفساد والاستبداد؟ 

أليس العمل على خلق كل الظروف الداخلية التي توفر الحرية والكرامة والديمقراطية شرط أساسي للتقدم والرفاه والوطنية ولبناء أوطان قوية قادرة على مواجهة تحديات العولمة والغرب والصهيونية وعلى التحرر من قيودها؟ 

حتى لو افترضنا أن الوطنية والقومية تكتسب أهمية أولى وتتقدم على مواجهة الفساد والاستبداد فإن هبة الشعوب العربية ضد الفساد والاستبداد يعني أن الشعوب ثارت بعد أن اكتشفت زيف وكذب خطاب الوطنية والقومية والثورجية. وأن ذلك الخطاب لم يكن سوى وسيلة للتغطية على الفساد والاستبداد والاستعباد. 

من المؤكد أن الملايين من الناس لم تثر بتوجيه أو بأوامر من – أو لأنها عميلة أو ممالئة- ل الغرب،. بل لأن وعيها تجاوز الخطاب الثورجي للأنظمة الجمهورية. ولأنها أدركت أن ذلك الخطاب، ليس أكثر من غطاء لفظي إعلامي استخدمته تلك الأنظمة المستبدة والفاسدة والمنخورة للتسلط على الناس للبقاء في الحكم ليس إلا. وبما أن هذه الشعوب أصبحت أكثر نضجاً ووعياً فلقد وجدت أن الثورة على الاستبداد والقمع والفساد. اللذان طالا كثيراً – باتت السبيل الوحيد للتقدم، ولهذا بات اسقاطها يكتسب أهمية أولى على معاداة الصهيونية بالكلام، وهو تأكيد على أن الديمقراطية باتت شرط أساسي لقيام أنظمة وطنية ونظيفة تعمل لصالح شعوبها. وهو ما يشير إلى كذب ما تسمى أنظمة وطنية وتقدمية. ويؤكد من ناحية أخرى على أنها لا تختلف عن الأنظمة الملكية إلا في الشعارات المستخدمة للضحك على الناس فقط. وبما أن الشعوب قد وعت ولم تعد تنطلي عليها الشعارات القومية والعروبية ومعاداة الغرب والصهيونية أو شعارات المقاومة والممانعة. فكان لابد من الثورة عليها. 

 

التدقيق فيما جرى على أرض الواقع: 

من غير الممكن من الناحية المنطقية والمنهجية. الفصل بين الكلمات المستخدمة في توصيف ما جرى وبين ما تتضمنه كل كلمة من فهم يكشف أو يعكس الخلفية (الفكرية) والنظرية والاجتماعية للمستخدم لها. كما أن كل كلمة تظهر تباينا في طريقة النظر للأمور، وقراءتها وتقييمها وبالتالي تحدد سلفا طريقة التعاطي معها وتحدد بالتالي أسلوب التعامل معها الآن ولاحقاً، بما يبرر للمتحدث أو المستخدم للفظ معين (ثورة أو مؤامرة)، اتخاذ المواقف المتناقضة التي تجعل الأمور تصب وتسير في الاتجاه الذي يسعى إليه طبقياً وسياسياً. 

هل ستكون نوعية الكلمات نوع من المشاركة العاطفية والوجدانية والكلامية. أم ستشكل نوعا من المشاركة الفعالة فيما يجري على الأرض؟ وهل سيغير الرفض والاستنكار اللفظي في مسار الأمور على الأرض راهناً ومستقبلاً؟ وبشكل مختلف عن استخدام المفاهيم التي تستخدم كي تبرر الوقوف على الحياد والانتظار؟ أو السير لمنتصف الطريق أم السير فيه إلى نهايته ومهما كانت؟ أو لاتخاذ موقف مذبذب. وهذا طبعاً يتقرر على ضوء الرؤية الفكرية والتطلعات والمواقف السياسية والطبقية والكرامة الشخصية التي تربى عليها ذلك الفرد المنضوي في قوى وتيارات سياسية فاعلة في لبنان. 

ومن المؤسف أن نقول إن عدم الاتفاق بين المفكرين والسياسيين اللبنانيين، على استخدام كلمة واحدة في توصيف ما جرى ويجري في هذه البلدان، لا يعكس تباينا في الخلفيات الفكرية والسياسية والطبقية وتبايناً في انتماءاتهم الأيديولوجية (العقائدية) فحسب، بل يعكس موقفا من الشعب والناس والحياة، إن لم يشر إلى ارتباطاتهم الخارجية فهو يؤكد عليها دون وعي منه. فلا يمكن أن نصدق أن الإدارات الأمريكية يمكن أن تقف مع الشعب اللبناني أو الشعوب العربية. لأننا نعرف أنها لم تقف يوماً مع الشعوب أو مع ثوراتها المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. ولأننا نعرف أن أقصى ما يمكن أن تسعى له الإدارات الأمريكية، هو دفع تلك الأنظمة للسير في طريق اللبرلة، أو لإجراء إصلاحات شكلية تجعل من تلك الأنظمة التابعة المستبدة والفاسدة والناهبة لبلدانها وشعوبها مقبولة من شعوبها الثائرة، أو للإلتفاف على الثورة. في الوقت الذي تعمل فيه أساسا على عدم المساس بأمن وبقاء إسرائيل. وبأنها هي وروسيا وأوروبا والصين وتوابعهم كما لم يقفوا يوماً ضد الأنظمة الفاسدة التي نهبت خيرات وشعوب هذه البلدان لن يقفوا مع حريتها وكرامتها وستقف (خاصة الصين) مع الأنظمة الفاسدة والناهبة والفاسدة والمجرمة. 

لذا نشير مسبقا على أن الخلاف بين كل من أمريكا وحلفائها من جهة وبين روسيا وإيران والصين وحلفائهم، يتحدد في نقطة واحدة فقط. تتمثل في أن الطرف الثاني (المتوحش) يسعى للحفاظ على تلك الأنظمة الفاسقة،كما هي ويعمل على فرضها وتثبيتها بالقوة. بينما تسعى أمريكا وحلفائها إلى الضغط عليها كي تجري إصلاحات شكلية لتحسين صورتها فقط. وبالتالي فالطرفين متفقان على عدم إسقاط أو إحداث أي تغيير جذري في بنية تلك الأنظمة. 

من هنا نفهم لماذا لم تمانع كل من أمريكا و”إسرائيل”ولم تقف فعلاً لمنع تدخل إيران وميلشياتها الصريح والمباشر في قمع الثورات العربية طالما أن هدف التدخل الإيراني يحول دون إسقاط تلك الأنظمة التي ترضى عنها أمريكا. حيث لا يمكن تجاهل التوافق القائم بينهما علنا ً في كل من العراق واليمن، وخفية في سوريا ولبنان. كذلك لا يمكن إخفاء حقيقة وجود تواطئ أمريكي إسرائيلي علني سمح ومازال يسمح لإيران بالتمدد والتدخل في العراق وسوريا ولبنان واليمن، علناً وبفظاظة بالغة، و تتظاهر في الوقت ذاته بأنها تقف ضدها. وهو ما يشير إلى أنهما كما سمحا لها للتدخل في العراق وسوريا سوف يسمحان لها أن تفعل الأمر ذاته في لبنان، ولأن تلعب مع كل من روسيا وإيران وتركيا وأوروبا الدور المدمر ذاته للثورات العربية في لبنان. 

ولتفسير موقف الإدارة الأمريكية، اللفظي المتناقض مع ما يجري على أرض الواقع. كونها لم تقدم الدعم العملي للحركات المطالبة بالحرية والديمقراطية التي تزعم أنها راعيتها وحاميتها. مايعني أنها بالكلام المنمق تسعى لأن تستوعب رد فعل الشعوب العربية وحلفائها والمؤمنين بها عليها كونها داعمة لتلك الأنظمة. فسكوت الإدارات الأمريكية المتعاقبة كل هذه الفترة الطويلة على التمدد الإيراني الفظ والبشع في المنطقة. لا يمكن أن يغطي على رفضها ونبذها الكلامي له اليوم، خاصة بعد أن استنفذ طاقاته وبات مرفوضاً في المنطقة كلها بسبب الفظائع التي ارتكبها هو وميليشياته والقوى الحليفة له. ولهذا راحت الإدارة الأمريكية تتظاهر بالوقوف ضده كي لا تخسر مؤيدها وحلفائها في الأنظمة أو الشارع العربي أو بما يجعلها تكسبه إلى جانبها. وهو ذات الموقف الذي وقفته القوى السياسية اللبنانية المحنكة. حيث عملت على تبني الطموحات الشعبية. أو الى التساوق معها كي لا تخسرها، أو في العمل على تحجيمها سعياً منها لإنهائها أو لاحتوائها كما جرى في مصر. أو إلى الركوب عليها لحرفها عن أهدافها كما جرى في سوريا أو في خنقها كما جرى في كثير من الدول العربية. وهو ما يتجلى اليوم في لبنان بشكل واضح وصريح أكثر مما جرى في سوريا أو مما يجري في العراق واليمن. 

وضوح الموقف: 

 إن وضع حد لهذا الخلاف النظري والتقييمي لما جرى ويجري في لبنان يشكل تحدياً كبيراً للمنظرين والساسة اللبنانيين والعرب. كما أعتقد أن المماطلة في تبني موقف صريح وواضح مما جرى ويجري في لبنان والمنطقة من كل من أمريكا وأوروبا وروسيا وإيران وأدواتهما تشكل خطراً عملياً على لبنان وعلى الجميع. ويشير إلى وجود قوى خفية أخرى، تقف وراء هؤلاء وتحركهم، لاتريد لهذا الحراك الشعبي أن ينجح. 

 

القسم الأول
إشكالية نشأة لبنان واستمراره 

 

 

 

الفصل الأول:
حراك أم ثورة أم مؤامرة؟
 (توصيف ما جرى في 17 تشرين أول 2019) 

 

استناداً لما سبق أعتقد أن وضع حد لهذا الخلاف النظري والتقييمي لما جرى منذ 17 تشرين 2019 ويجري في لبنان – حتى اليوم – لا يشكل تحدياً فكرياً أولياً وكبيراً للمنظرين والساسة اللبنانيين والعرب فحسب بل سيتحدد سلفا على ضوءه الموقف الراهن والمستقبلي مما سيجري لاحقا. وسوف يتحدد على ضوئه غدا وبعد غد تبني الموقف الصحيح من الثورة،ويعمل علة تصعيدها، بما قد يمكنها من تحقيق أهدافها أو من اتخاذ الموقف المضاد فتجهض وتفشل. لذلك فإن المماطلة في تبني موقف صريح وواضح مما يجري فعلاً أو العمل على جعل الأمور ضبابية. ستشكل خطرا على راهن ومستقبل لبنان. 

لذا لابد لكل امرء يسعى للمساهمة في تقييم ما جرى ويجري من التدقيق ,بما يجعله يطلق الكلمة المناسبة على ما حدث ويحدث. والمسألة في تقديري ليست مجرد تباين في استخدام أو انتقاء الكلمات لتوصيف ما جرى ويجري. ولا خلافاً في وجهات النظر. ولا في طريقة النظر للأمور فحسب. بل تعكس موقفاً من الحياة ومن الناس الموجوعين والمقهورين ؛ موقفاً من الشعب، موقفاً من الكرامة المهدورة والحرية المصادرة موقفاً من المستقبل. سيحدد على ضوء توصيفه الموقف من الحل المستقبلي الذي يمكن أن ينحاز المرء إلى جانبه لاحقاً. خلال سير الأحداث المتحركة. فإما أن يسقط فكرياً وأخلاقياً أو أن ينهض و يتابع مسيرة النهوض. 

لذا فنحن إذ نتوقف في هذا الفصل مطولاً عند تحليل معاني وأبعاد الكلمات المستخدمة , أو التي استخدمت من قبل هذا الحزب أو ذاك أو من قبل هذا الزعيم او المنظر أو الأجير أو ذاك أوتلك القناة الفضائية أو تلك، خاصة تلك التي يمكن أن تستخدم وتعمم، من قبل السياسيين الكبار والمنظرين المشهود لهم في لبنان لتوصيف ما جرى ويجري وسيجري. لا نتفلسف بل نساهم سلفاً في تحديد الآلية الصحيحة التي سَتخرج لبنان وشعبه من محنتهما الراهنة. 

توصيف ما جرى ويجري: 

1- المؤامرة والعمالة: من حسن حظ اللبنانيين أنهم لم يتهموا من قبل صقور النظام اللبناني بأنهم أدوات للصهيونية والإمبريالية، بل بالعمالة،والأهم أنهم لم يتهموا بالوهابية الظلامية التكفيرية. أو بتلقي الأموال والدعم من السعودية لأن الأخيرة أدارت ظهرها للبنان منذ عام 2017. كما اتهم النظام السوري السوريين الذين هبوا ضده بالعمالة للسعودية وقطر. كما لا يمكن أن يتهموا “بالدعشنة” أو السلفية لأنهم لم يطرحوا شعارات أو مطالب دينية بل ركزوا على العيش الكريم، بعد أن طفح بهم الكيل وضاقت بهم سبل العيش في بيوتهم، وبعد أن خنقتهم رائحة القمامة في ظل عتمة انقطاع التيار الكهربائي وفقدان المياه الصالحة للشرب وارتفاع فاتورة الهاتف النقال، وبعد أن زكم الفساد نفوسهم كما رائحة القمامة. 

وبما أن كثيراً من زعماء لبنان يعترفون (وهذه ميزة لصالحهم تميزهم عن قادة وحكام سوريا) أن الفساد والقمامة والفقر وعدم توفر الكهرباء والماء والدواء.. إلخ، هي التي دفعت الناس للتظاهر وليست أمريكا أو إسرائيل أو السعودية أو تركيا أو التكفيريين والدواعش (كما زعم منظري النظام السوري)هي التي ألقت القمامة. ولأنهم يعرفون أنهم إذا اتهموا الناس بتلك التهم الخطيرة والمسيئة. سوف يظهرون أمام غالبية اللبنانيين بأنهم يتبلون الناس بما ليس فيهم. وينكشفون على حقيقتهم كمتآمرين وأعداء للشعب. 

ومع أن منظري قنوات المنار والميادين ونبيه بري، قد التقطوا هذه الحقيقة في البداية. وأعلنوا في الأيام الأولى هم وزعمائهم أنهم مع المتظاهرين الذين يقفون ضد الفساد والسرقة، وزعموا بأنهم مع المظلومين. ليركبوا موجة الثورة. لكن بعد أن تبين لهم أن الثوار يطالبون بتغيير كل النظام، والكل (كُلٌن يعني كُلٌن بما فيهم الحزب) أدركوا جذرية الثورة وبأنها ستطالهم أيضاً، كما فعل النظام السوري حيث وقف في البداية مع الثورة في تونس ومصر متوهما أن الثورة لن تطاله، لكن لما طالته انقلب عليها وراح يكيل الاتهامات لها. لذلك انقلبوا على الثورة بعد يومين فقط. واعتبروها مؤامرة كي يبرروا لأنفسهم وأدواتهم استخدام العنف ضد الثوار وللبطش بالثورة. حيث قرر السيد حسن نصر الله سحب مناصريه من الشوارع. كذلك فعل بري وبعدها راحا يوجهان لهم اتهامات شبيهة بتلك التي وجهها النظام السوري للمتظاهرين (المندسين وعملاء السفارات والأحزاب). 

وهم إذ توقفوا عن استخدام كلمة المؤامرة فلأنهم أدركوا أن ذلك سوف يعبأ جماهيرهم بالعنف والحقد الذي قد يدفعهم للتعامل مع الجماهير الثائرة بذات الأسلوب الذي تعامل به أنصار النظام السوري مع المتظاهرين. وبما أنه تبين لهم مما جرى في سوريا. أن العنف يستدعي عنفاً مضاداً سوف يستدعي تدخلات خارجية لن تأتي من روسيا أو إيران بل من فرنساوأمريكا. مما قد يقلب الطاولة عليهم. فتذهب كل المنافع والمكاسب التي حصلوا عليها أدراج الرياح. 

وبما أن لا روسيا ولا إيران سوف تأتي لنجدتهم، ولن تأتي مخابرات دولية كي تقوم بإحياء داعش في لبنان للالتفاف على الثورة كما حصل في سوريا. لذلك كفوا أو توقفوا مؤقتاً عن إطلاق تلك التهمة وراحوا يبحثون عما يمكن أن يرتكبه الثوار من أخطاء أو هنات ليضخموها. بينما تركوا لحليفهم عون- الحرية لاتهام الثوار والثورة بأنها خيانة (انقلاب على العهد). 

2- الخيانة والطعن في الظهر: قد يكون استخدام تعابير مثل تلك التي استخدمها عون وصهره “خيانة وطعنة في الظهر” موجه تحديدا ضد أنصار التيار العوني، بسبب أن كثيراً من هؤلاء الأنصار مسيحيين (منهم صهريه) انفضوا عن دعمه ودعم حزبه. وبما أن خطاب المؤامرة الشعبوي، توجه به حزب الله لدغدغة جماهير الثنائي الشيعي فإن خطاب الخيانة وجهة عون ضد المسيحيين المناهضين لتياره ولزعامة صهره له، وموجه بشكل غير مباشر للقوات والكتائب وبقايا الأحرار وممن انسحبوا مما كان يسمى حزب الإصلاح والتغيير. (مجرد تغيير الاسم يعني الكف عن الإصلاح والتغيير). ولم يكن تلميح السيد حسن نصر الله لوجود سفارات وجهات تدفع لهؤلاء إلا تأكيداً على هذه التهمة التي وجهها عون لشعبه. وكون تلك التهمة ثقيلة لذلك راح يتظاهر بأنه سيعفو عنهم ويسامحهم (الجهلة والذين لا يعرفون بواطن الأمور كما يعرفها هو، متبعا الطريق ذاته الذي اتبعه بشار الأسد) إذا توقفوا عن التظاهر والعودة إلى منازلهم بانتظار ما سيقوم به هو وصهره باعتبارهم أوصياء على شعب قاصر. وما هذا إلا تأكيداً على وجود مؤامرة سوف يعلنون عنها ويكشفون عن أدواتها الداخلية عندما يحين الوقت. فراحوا يلمحون أو يشيرون إلى مشاركة أطراف من أحزاب معروفة بالتبعية للغرب (مثل القوات اللبنانية أو الجماعة الإسلامية) في المسيرات أو يتهمونهم بركب موجة الثورة وحرفها عن اتجاهها الصحيح (وقد يكون هذا وارداً) وتارة راحوا يخيفون الناس من مستقبل مظلم والتهديد والوعيد من أمر قد يحصل كما جرى في سوريا وتارة يدعونهم إلى طول البال، وتارة يوهمون الناس بمعرفة ما لا يعرفوه. وينصحونهم بالسكينة والعودة إلى بيوتهم بانتظار الفرج والزعم أنهم حريصون على أمن الوطن، أو بأنهم يتخذون ذلك الموقف كي يمنعوا جر البلد إلى الانهيار. 

ألا يحمل هذا التلويح بالمنع من المشاركة نوع من التخويف والقمع ؟ نوعا من الترهيب والإرهاب؟ 

ومن الملاحظات الهامة التي لا يمكن إلا أن تستوقف المرء المتابع للشأن اللبناني بدقة. هو أن توقف المدافعين عن حزب الله (خاصة العلمانيين واليساريين). عن توصيف ما جرى بالمؤامرة الخارجية، إلى تحريك أطراف داخلية للحراك، مرتبطة بالخارج (السفارات). قد أشار إلى تبادل للأدوار بما يؤدي إلى ذات النتيجة. إيقاف الثورة وإجهاضها. وبما أنهم لم يعثروا ولن يستطيعوا تقديم إثبات واحد على تبعية أي من الثوار للسفارات أو للقبض منها. راحوا يشيرون إلى وجود قوى مشبوهة وخفية، وبأنها سوف تسعى إلى ركوب موجة الحراك الشعبي المحق لحرفها أو لتحقيق مكاسب ضيقة لهم أو للخارج. أو بما يجعلها تصب في الخانة المعاكسة لتوجهات الحزب والعهد. 

وبعد أن تبين لهم أن تلك التهم لم تجهض الثورة بل توسعت المشاركة الشعبية في كل المناطق اللبنانية واحتضنت أناس من كل الأعمار والمهن، ينتمون لأحزاب وتوجهات فكرية ودينية ومذهبية وطائفية عديدة ولعدة أيام وهم يصرخون كلهن يعني كلهن بلا استثناء قد يسقط النظام القائم ويسقطهم معه بلا رجعة. ولأنهم يعرفون أنهم لا يمكن أن يتهموا الناس الذين يطالبون بحقوقهم بالعمالة. كون مطالبهم محقة. ولأنهم يعرفون أن الوجع هو الذي أجبر الناس المهمشين والمُفقرين على الخروج إلى الشوارع. ويعرفون جيداً أنهم ليسوا متآمرين ولا عملاء. لذلك فهم للحفاظ على شعبيتهم وللإبقاء على خط للرجعة. وبعد أن عرفوا أنهم إن وقفوا ضد ثورة الشعب سوف يخسرون مواقعهم وكثير من جماهيرهم التي وقف أغلبهم إلى جانب الثورة وبالتالي سوف يسقطون ويوضعون في مزابل التاريخ. 

وبما أن بعضهم (الأذكياء منهم) يعرفون أنهم إن اتهموا من هبوا للمطالبة بحقوقهم، بالعمالة. سوف يخسرون جماهيرهم ذاتها الذين يعرفون أن مطالبهم محقة. لذلك سعوا للحفاظ على شعبيتهم. بتوجيه التهم لبعض القوى السياسية المنافسة لهم أو للبنوك والمصارف، أو راحوا يعزونها للعقوبات الأمريكية أو لتوقف عرب الخليج والسعودية عن الدفع. 

3- ما بين الحراك والثورة؟ من المؤكد أن كثيراً من اللبنانيين الذين تظاهروا يوم 17 أكتوبر لم يكونوا مسيسين وليسوا ضد سياسة العهد ولا ضد حزب الله. بل تظاهروا رفضا لنتائج السياسة التي اتبعها العهد والحزب وتيار المستقبل خلال السنوات الثلاث السابقة فقط.. لذلك يمكن اعتبار ثورة 17 أكتوبر استمراراً لهبة قوى 14 آذار عام 2005 (والتي أطلق عليها العهد مصطلح ثورة الأرز) أو لهبة 2015 التي عرفت بأنها ضد القمامة؟ 

4- الهبة الشعبية: لم يكن وصف البعض ما جرى أنه ليس أكثر من هبة شعبية أو انتفاضة عابرة. ستنتهي بعد أيام من خلال تغيير وزاري أو التراجع عن بعض القرارات. إلا محاولة منهم لامتصاص زخم الثورة أو لتخفيف وقعها، أو ليخفضوا من سقف مطالبها. أو كمحاولة منهم لاستيعابها من خلال إصلاحات شكلية أو طفيفة لاتمس جوهر النظام. 

وكأنهم أرادوا أن يقولوا للناس، “جيد جداً الله يعطيكم العافية. نحن منكم ومثلكم ونعترف بوجعكم وبما دفعكم للتظاهر. شكراً، لقد أوصلتم الرسالة للمسؤولين وللقيمين على الشعب، وما عليكم سوى الانتظار حتى نقوم بتنفيذ مطالبكم المحقة. وانتظار معالجاتنا للأوضاع السلبية”. 

وهذا يذكرنا بما قاله السيد زين العابدين بن علي لجماهير تونس الثائرة “وصلت الرسالة” وعرف معناها. حيث قال “فهمتكم. ظناً منهما (عون وحسن) أن وصول الرسالة للقيمين والأوصياء على الشعب، يكفي وما على الناس بعدها سوى العودة إلى بيوتهم. لكنهم نسوا أن ثوار تونس لم يعودوا لبيوتهم بل استمروا بالتظاهر حتى أرغموا “بن علي” على التنحي والهرب وهذا ما سوف يحصل في النهاية في لبنان. 

لكن بما أن المسألة في لبنان ليست كما في تونس كونها لن تنتهي باستقالة الرئيس عون. لأن “زين العابدين بن علي ليس كعون” (المتشبث بالرئاسة بأسنانه) وكونه قاتل للوصول لها وعرف كي يثبت حكمه بالتحالف مع أعداؤهالأيديولجيين. ولأن الجيش التونسي لم يكن بيد زين العابدين بينما بات الجيش اللبناني المتحالف مع الثنائي الشيعي يشكل حلفاً قوياً. ولأنه هؤلاء ليسوا كزين العابدين مجرد متمسكين بالسلطة لمنافع خاصة يمكن التنازل عنها لاستعادتها لاحقاً، بل لأنهم مرتبطين بمشروع إقليمي يمتد من دمشق لبغداد وطهران، لذلك لن يرحلوا بتلك البساطة التي رحل فيها زين العابدين. 

5- الانتفاضة: اعتقد أغلب منظري تيار المستقبل والتقدمي الاشتراكي وبعض العونيين السابقين ذوي الرؤية المحدودة (أن الثورة نجمت عن ارتفاع الأسعار) بأن الحلول المقدمة منهم والتي ستكون مختلفة عما يمكن أن يقدمه العهد (اتباع باسيل والثنائي الشيعي) ولكي يتجنبوا إجراءات جذرية تطالهم (باعتبار أنهم يعرفون أن الثوار يطالبون بإصلاحات جذرية تنسف منذ الآن بنية كل النظام القائم. لا يمكن ولابد أن تطالهم. أو لأن التغيير السليم قد يتطلب شخصيات تتمتع بنظافة وتقوى ليست متوفرة لديهم. أو تمتلك منهج تفكير ورؤى مختلفة وسياسات بعيدة المدى سيؤدي التماهي معها إلى نسف كل ما أوصل الناس والوطن إليه. قد تتطلب لاحقاً إزاحتهم عن مواقعهم. لذلك ذهبوا إلى مدى أبعد قليلاً من سابقيهم لكن دون التجرؤ على وصف ما يجري على أنه ثورة. فاستخدموا كلمة انتفاضة شعبية. 

باعتبار أن الانتفاضة يمكن احتوائها من خلال تغييرات أو إصلاحات شكلية محدودة أو واسعة نسبياً، لكنها مهما توسعت أو تعمقت لن تطال صلب بنية النظام الطائفي ونظام النهب والفساد والمحسوبية. فرفع الضريبة أو تخفيض رواتب الوزراء والنواب أو الإفراج عن الموقوفين ظلماً في السجون بتهم إرهاب لا يمتون له بصلة أو بمحاكمة بعض الفاسدين أو التضحية بالصغار أو ببعض الكبار منهم أو.. إلخ، استناداً للورقة الإصلاحية التي تقدم بها الحريري يوم 19 من تشرين. أو إصلاحات أعمق (يمكن احتوائها) تطال بعض (صغار) الفاسدين ومحاسبتهم أو محاكمتهم أو استرداد بعض الأموال المنهوبة (استناداً لما سعى له وقام به صحفيو تلفزيون الجديد في “ليسقط حكم الفاسد”). وهم في تنظيراتهم تلك على مختلف درجاتها إنما ينطلقون من هذا الفهم الإصلاحي من منطلق الممكن وبذريعة عدم التطرف في المطالب، لذلك فإن هم أقنعوا جماهيرهم بأن ما حصل ليس أكثر من انتفاضة محقة. كي يتهربوا من تقديم استحقاقات جذرية كثيرة ستطال الكثيرين. لذلك راحوا يُحَجٍمون من الحراك أو يصغرون من جذريته وعمقه أو يقللوا من شأنه كي يقللوا من حجم التنازلات السياسية التي يتطلبها تغيير الواقع أو تلك التي تتطلبها الثورة اليوم. 

6- الثورة: رأى البعض أن خروج الناس للخروج في كل المناطق ومن كل الأعمار ومن كل الطوائف والأحزاب إلى الساحات والشوارع. واصطفافهم من النبطية إلى طرابلس وهم يشبكون أياديهم ورفعهم لذات المطالب يعتبر وحده دليلاً كافياً لاعتبار ما جرى ويجري ثورة شعبية حقيقية. 

ما يشير إلى أن عمق وشمولية المعاناة هي التي وحدت جميع اللبنانيين (المختلفين بقوة) على اختلاف أحزابهم وطوائفهم التي ينتمون إليها. وبما أنهم كانوا من مختلف المناطق والأعمار والأجناس وتطال جميع اللبنانيين في الداخل والمهجر، وجعلها تهب وتنتفض متوحدة خلف شعار إسقاط النظام بكل مؤسساته لا يمكن أن يوصف إلا باعتباره ثورة. وهو ما يتكامل ويتطابق مع التحركات الثورية الحاصلة في البلدان العربية الأخرى. 

وللرد على اليساريين المعادين للثورة والربيع العربي خاصة – الذين يستخدمون كلمات ومفاهيم ثورجية بالية. فيقولون مثلا: يفترض أن يكون للثورة برنامج عمل واضح مستند على نظرية ثورية. أو لابد من وجود حزب طليعي أو قيادة معروفة لجبهة أحزاب وشخصيات ثورية معروفة أو مشهود لها بالثورية، كي تلتف حولها الجماهير الغفيرة وكي تنطق باسمها مثل روبسبير أو لينين أو ماو أو كاسترو أو غيفارا أو عبد الناصر. 

حيث تبين لنا بعد التجارب المريرة التي مرت بها دول كثيرة مثل بوليفيا وسوريا، أن كل ما يزعمونه حكامهم عن الثورات بات من الماضي البالي. والأهم أن مثل هذا الفهم للثورة يتجاهل الوقائع المستجدة، والتي تؤكد أن الإمبريالية وعملائها باتوا على خبرة كافية تمكنهم من تمييع الثورة بأحقر الوسائل وأحطها.

مفهوم قديم جديد للثورة: 

 استناداً لذاك الموقف النظري الضيق للثورة والذي استخدمه اتباع لينين والأحزاب الشيوعية. نورد فكرة أخرى أكثر شمولية تقدم بها معلمهم “ماركس” حيث اعتبر الثورة بمثابة سنة للحياة والتقدم والتطور لابد منها – خاصة عندما تغلق أمام المجتمع، طرق التقدم نحو الأمام. وهو ما تلقفه استاذ لينين “بليخانوف” () الذي رأى “أن انسداد أفق الإصلاح واتضاح” عدم صلاحية النظام القائم في أي بلد مثل سوريا ومصر وتونس إلخ بما فيه لبنان (ونتيجة ل تخلف التركيبة أو البنية أو القاعدة المادية والحقوقية للبلد عن المسيرة العامة للبشرية المتقدمة) على حل المشاكل الجديدة الناشبة، خاصة عندما تتخلف عن الركب أو تستعصي أو عندما تتمسك القوى القديمة بتلابيب النظام القديم وترفض تلبية المطالب الجديدة الناتجة غالباً عن الحاجات الجديدة لأغلب فئات الشعب، بخاصة عن إفقار أغلب فئاته، هي من أهم عوامل الثورة. وهو ما جعل غالبية أبناء العرب واللبنانيين يرفضون استمرار النظام العربي القديم الذي فرضه الغرب على العالم العربي. وبما أنها لم تعد تقبل العيش في ظل ذلك النظام القديم (كما يرى ماركس) أو التعايش معه من ناحية أولى. وهذا أصبح بالتالي أهم سبب داخلي وأهم محرك لجميع الثورات في التاريخ. إضافة إلى أن التبدلات الجذرية الحاصلة في العالم وفي لبنان والعالم العربي قادت غالبية الناس إلى تبني مفاهيم وشعارات جديدة للثورة غير القديمة، مثل “التوق للعيش بحرية وكرامة” وبطريقة ديمقراطية. فباتت اليوم أكثر أهمية من العيش بعدالة ومساواة مادية وباتت هذه المفاهيم هي المحرك الجديد للثورات. 

وهو ما يؤكد اليوم على عدم قدرة هذا النظام المعمول به في لبنان، (والذي قام وتثبت في ظروف مختلفة عام 1943) على تلبية هذه المطالب أو على الاستمرار في الظروف المستجدة. مما بات يقتضي ويتطلب تغييره “حتى لو لم يكن هناك تصور نظري أو برنامج فكري وسياسي اقتصادي متكامل أو متفق عليه، حتى في ظل غياب قيادة للحراك الشعبي، وحتى لو لم يحصل التغيير الجذري المنشود فوراً أو بعد عشر سنوات أو مائة. لابد لهذا النظام من أن يتغير. 

فما أسست له الثورة الفرنسية عام 1789 والثورة الروسية عام 1917 لم يظهر يومها وفوراً في هذين البلدين، بل بعد عشرات السنين. مما يعني أن المهم في الثورة اللبنانية والثورات العربية (ولنقل الهبة الجماهيرية الواسعة اليوم) أنها قامت أساساً لتأسيس نظام جديد في لبنان. بالتوازي مع الحالة العامة للدول العربية الأخرى، ولو لم يتم التوصل لصياغة نظرية (برنامج شامل أو خارطة طريق مفصلة) لما يجب أن يكون عليه لبنان مستقبلاً. إذ لا يمكن لأحد أن يصادر المستقبل كما جرى في الثورات السابقة. وهذا ما يجعل مما جرى ويجري في لبنان والوطن العربي بمثابة ثورة مستمرة ومتجددة. 

وحسب ما رأى علماء نفس الاجتماع البشري (أمثال كارل يونج) () فإن ما يتراءى للعقل الجمعي للناس. نتيجة المشترك الجمعي (اللغة والمزاج وطريقة العيش.. والذي يوحدهم في بقعة جغرافية أو بيئة معينة) لابد من أن يوحدهم أيضاً نفسياً وفكرياً. وبما أن المعاناة المشتركة لهم على الارض، الجامعة لهم والمحدة لهم (على أرض بات اسمها لبنان) ولدت لديهم جميعاً وجعاً عميقاً وألماً دفيناً، كمن في اللاشعور الجمعي لأغلب الناس. جعل العقل الجمعي اللاواعي يوحدهم لا شعورياً في كلمة واحدة جامعة. راح ينطق بها الجميع بعفوية خالصة بمجرد ما أن يجتمعون، وبمجرد ما يجتمعون باتوا يصرخون دون تفكير “ثورة”. فهم بهذه الكلمة يختصرون ويعبرون عن كل ما جاش ويجيش في النفوس المفجوعة نتيجة المعاناة والقهر والصبر الطويلين ولما يرنون إلى تحقيقه جميعاً. ويتم بواسطتها التأكيد على الحاجة العملية لنسف الواقع القائم كله الذي أدى لتلك المعاناة الطويلة. أو لتغييره ليعيشوا كما يعيش الناس في الدول المتطورة التي عرفوها عن قرب أكثر من غيرهم أو سمعوا بها. وهو ما يتطابق مع رؤية ماركس الذي يؤكد على أن الثورة ضرورة لتطور ونهضة المجتمع. 

ومع أن هذا التفسير ينطبق على جميع الثورات الحاصلة في التاريخ. لكن هذا لا يعني أن نسقط مجريات وخلفيات ومفاهيم أي من الثورات التي حصلت (الفرنسية أو الإنجليزية أو الأمريكية أو الروسية أو الكوبية) على لبنان أو على سوريا. فلكل ثورة من الثورات الحاصلة خصوصية لا تنطبق على غيرها مما يبرر لنا عدم إسقاط أي من التعريفات السابقة على الوضع اللبناني أو على الوضع السوري والعراقي. 

فأية مقارنة نجريها مع أية ثورة في العالم لم ولن نجد لها مثيلاً بما جرى ويجري في لبنان. فهذا الحراك الشعبي الحاصل اليوم تجاوز في العمق والوجع كل الثورات الأخرى، وتختلف عما حصل عام 1958 (الثورة التي كانت ترمي لإسقاط حكم شمعون وحلف بغداد). 

وعما حصل عام 1975 (بين يمين انعزالي معادي ويسار وطني وقومي) وعما حصل في ثورة الأرز عام 2005 التي أدت إلى إخراج النظام السوري من لبنان مع ما استتبعه ذلك من صراع بين قوى 8 و14 آذار. بل ستظل تتفاعل حتى تزيل الوجع الدفين. لذلك أعتقد أن تجربة لبنان الحالية تجاوزت في مضمونها كل التحركات والثورات والهبات والانتفاضات السابقة التي جرت في الوطن العربي. ستجعل مما جرى ويجري اليوم وغداً موضع اهتمام أكثر من أي ثورة حصلت في السابق. 

وبما أنها باتت اليوم- مواجهة بين كل فئات الشعب وبين رموز النظام الذي قام منذ عام 1943 على طائفية بغيضة. تكرس من خلال التدخل السوري واتفاق الطائف وما ترتب عليه من التفافات وفرض عراقيل لذلك تعمقت المطالب وراح الشعب يهتف (الشعب يريد إسقاط النظام كله. وكلن تعني كل أقطاب النظام) وهو شعار لم يستخدم سابقاً في كل تاريخ لبنان. كما أن كلمة كلن لا تعني القائمين حالياً والمستمرين في حكم لبنان استناداً لما تم تثبيته في اتفاق الطائف بل وعلى كل ما تم ترسيخه في الميثاق الوطني منذ عام 1943 وقبل. لذلك فإن الصعوبات التي ستواجه الثورة ستكون أصعب وأعقد. 

وأخيراً لابد من أن التأكيد على كون ما جرى ويجري هو ثورة (كما جرى في مصر وليبيا وسوريا) لا يعني أنها ستنتصر حتماً، بل قد تهزم كما هزمت ثورات عديدة في أوروبا عام 1848 وفي روسيا عام 1905 وفي الصين عام 1936، وفي ثورات الوطن العربي للأسف. فعوامل النصر عديدة منها ما هو داخلي يتعلق بقوة وصلابة ووعي جماهير الثورة وعدم انجرارها إلى ألاعيب قوى الثورة المضادة. وإفشال قدرتها على استيعاب الثورة أو البطش بها أو حرفها عن توجهها الرئيس إلى اتجاهات هامشية، وعلى مدى توفر أو نشوء قيادة قادرة على مواجهة التحركات المضادة للثورة في الداخل وعلى منع التدخلات الخارجية. 

ومنها ما هو خارجي يتعلق بقدرة القوى الخارجية على محاصرة قوى الثورة مالياً أو سياسياً أو من التدخل عسكرياً كما حصل في سوريا لقمع الثورة. 

7- الحراك الشعبي: كلمة الحراك (من الحركة، أي حركة كانت سلبية أم إيجابية، نحو الأمام أو إلى الخلف) تعكس موقف من ليس لديه موقف مما يجري حوله. أو من لا يجرؤ على اتخاذ أي موقف تهربا من تبعاته، أو موقف من ليس لديه موقف نهائي ومحسوم مما يجري أمامه. 

ومع أن هذا هو موقف أغلبية الناس في مرحلة التحولات التي تصيب المجتمعات غير المستقرة، حيث يستخدمون هذه الكلمة للتغطية على عدم قدرتهم اتخاذ موقف نهائي أو حاسم قد يورطهم وبما قد يمكنهم لاحقاً من وضع أية كلمة ممكنة له لاحقاً حسب سير الأمور. أو لخشيتهم مما قد يترتب على اتخاذهم لهذا الموقف أو ذاك فيتبون موقفاً رجراجاً قابلاً لأن يتلبس أي موقف لاحقاً، أو لأنهم يخشون اتخاذ موقفاً محدداً مما يجري كي لا يحاسبوا أنفسهم عليه. 

وبما أن هذا الموقف يعكس موقف ورأي قطاعا واسعا في المجتمع اللبناني الصامت. فهذا بحد ذاته مؤشر على ضبابية الموقف الشعبي مما يجري. يشير بوضوح بل يؤكد على وجود سلبية تعكس موقفاً عاماً رجراجاً ومذبذباً، وغير حاسم، نتيجة لعملية مبرمجة من قبل النظام تقوم على شغل الناس وإلهائها بأمورها المعيشية. وهو ما يفسر عدم نضج الموقف الثوري العام في المجتمع. وهو ما يخلق حالة من قلة الوعي السياسي وعدم ثقة الغالبية بالأحزاب الثورية أو بالقدرة على التغيير نحو الأفضل. 

ومع أن كلمة الحراك تعكس موقف متحرك قابل للتغير والتبدل حسب مسار الأمور. يتيح لمن يستخدمه استخدام أي كلمة لاحقاً، تتضمن أي توصيف آخر. تجعل ممن يطلقها قابلاً لأن يغير موقفه ويتبنى كلمة أخرى تتلبس الموقف التي ستؤول الأمور إليه ومن ثم يزعم أنه كان سباقاً في إطلاق تلك الكلمة. بمعنى ما إنه موقف غير المتبصر، موقف من لا موقف نظري أو عملي له، موقف الانتهازي، موقف الخائف، موقف من لديه قابلية للعيش في أقصى الظروف وأصعبها حتى لو وصلت إلى مرحلة العبودية، أو كي لا يتعرض للاتهام أو للعقوبة أو المحاسبة لاحقاً إذا ما استخدم كلمة ثورة. وهو أمر يعكس حقيقة نفسية لا تبشر بالخير كونها تكرس عدم الثقة بوجود إمكانية حصول نقلة نوعية أو لتغيير نحو الأمام. مع أن الواقع الموضوعي يتطلب تغيير الوضع السلبي القائم، لهذا انصح الثوار بإعطاء هذا الوضع أهمية خاصة من خلال البحث عن خلفياته الاجتماعية أو الفكرية أو السياسية أو الأمنية. 

 

توصيفات أخرى: 

ثمة من يسعى إلى تنفيس الاحتقان والغليان الشعبي ويقوم بالترويج لفكرة أن الشارع سوف يتعب ويتم ترويضه كما جرى سابقاً وكما جرى في مصر والجزائر. وعندما لا ينفع ذلك سوف يُرهبون أو يُخًوفون الناس من أنفسهم ومن مطالبهم الزائدة عن الحد أو اتهام الحراك أو بعض أجنحته الثورية بالتطرف بما يؤدي إلى إبعاد أو نبذ من هم يقعون في صلبه. بما يمكنهم في المحصلة (بعد وقت) من تفتيت وإنهاء هذا الحراك بعد فترة حتى لو طالت سنوات كما فعلوا سابقاً، وكما انهوا سابقاً تحركات مماثلة دون أن يضطروا إلى إحداث أي تغيير جذري في بنية وتركيبة النظام (التغيير الجذري الأساسي إسقاط النظام الطائفي). وقد يضطروا إلى تقديم تنازلات فعلية كي يبقوا ممسكين بمفاصل النظام الأساسية (المال والمصارف والجيش والأمن) بما يمكنهم بعد فترة من الانقلاب على ما قدموه من تنازلات. أما إذا وجدوا أن الحراك لن ينفع معه ذلك عندها سيبرز خطر استخدام العنف. عندها سيهربون أموالهم ويتركون البلد كما فعل غيرهم في عهد صدام أو عهد زين العابدين أو.. أو.. إلخ. 

فإزالة القمامة لا يمكن أن تتم إلا بإزالة المسؤولين عن تراكمها. وإنارة البلد 24 على 24 لا يمكن أن تتم إلا من خلال تنوير عقول المسؤولين عن عدم التنوير. وتنظيف نفوس القائمين على التظليم تتطلب تحريرهم من زبالة وعتمة روح الكسب والإثراء السريع دون جهد (على المرتاح). والخلاص من الجوع والفقر والمرض لا يمكنٍ أن تتم إلا بوقف السرقة والنهب والتخلص من اللصوص، أو التحرر منهم. 

بما أن عملية التغيير الجذري تتطلب تغيير وجوه كثيرة وبنى ومفاهيم كثيرة ومحاكمة شخصيات واسترجاع أموال قد يكون بعضها خارج قدرة وإمكانيات الثوار لذلك أتوقع أن تطول المسألة وتتعقد وتتشعب وهذا ما يستدعي البحث في عدة اتجاهات. 

 

 

 

الفصل الثاني:
الهوية اللبنانية

 

مسألة ومفهوم الهوية والشخصية اللبنانية: 

منذ أن استخدم أرسطو (400 ق. م) كلمة الهُوية كمفهوم لتحديد أي شئ (الهو، الآخر، المختلف) في علم المنطق، ولتحديد الفرق بين الأشياء والمفاهيم المجردة وللتمييز بينها، بين الشيء وغيره، بين الشئ وشبيهه. وبالتالي باتت تستخدم من قبل المناطقة (علماء المنطق) لتحديد دلالات الألفاظ والمفاهيم والمصطلحات المستخدمة. ولمعرفة ماهية الشيء ذاته أو معرفته، كجوهر ثابت ذو خاصية مميزة له تجعله يختلف عن غيره أو لتحديد منهجه، ومحتواه، وتركيبته، ميزاته الشخصية وطريقة التعامل معه. لذلك يعتبر مفهوم الهوية من أهم المفاهيم العقلية التي استخدمها المناطقة لتحديد حقيقة وحدود الأشياء والجواهر وخواصها بهدف عدم الخلط بين الشيء ونقيضه وغيره من خلال تحديد خصائصه المميزة له. وبالتالي باتت تلعب الدور ذاته في السياسة. 

إشكالية مفهوم الهوية من الناحيتين الفكرية والعملية: 

مع مرور الزمن برزت مفاهيم جديدة وكثيرة لم يكن لها وجود منذ مئتي عام، مثل مفهوم الوطن وهكذا ظهرت مفاهيم جديدة مثل الإثنية والهُوِية الاثنية والثقافية. فبات مفهوم الهوية طارئاً وإشكالياً. مع أنه استخدم في البدء للتأكيد على الهوية الوطنية أو القومية التي تجمع وتميز عدداً كبيراً من الناس الذين يحملون بنية فيزيولوجية وفكرية ونفسية معينة، لذا باتت مدعاة للتباين والاختلاف، وموضع أخذ ورد مما جعل مسألة تحديد وتعريف الهوية مسألة شائكة ومعقدة. وهو ما يجعل البحث عن مفهوم واضح ومحدد ونهائي لها خاصة في لبنان المتنوع – عبثياً، لكنه مع ذلك مطلوباً قبل أي بحث سياسي اجتماعي “سوسيولوجي”. 

الهوية كمفهوم فردي وجماعي وطني: لكل إنسان هوية خاصة به (صفات شكلية وبنيوية)، تصبح بمثابة بطاقة تمييزه عن غيره وتعرف به. بما يؤدي إلى عدم الخلط بين شخصين كما تميزهما بصمة الإبهام، أو لون العينين والشعر والطول.. إلخ، يدون بعضها على البطاقة الشخصية له لتميزه عن غيره من الأفراد حتى لو كانوا يحملون الاسم ذاته والشكل العام ذاته. 

وبما أن هذه البطاقة الشخصية المسماة “هوية” باتت تعطى من قبل الحكومة لمجموعة كبيرة من الناس في حيز جغرافي وطني محدد فإنها باتت تنقل الفرد (في ذات الوقت) من الحيز الفردي الخاص، إلى الجمعي العام والأوسع ما جعل من “الهوية” تجمع ما بين الفردانية والجماعة الثقافية والإثنية والسياسية الوطنية. وهو ما بات يجعلنا نقول عن مجموعة كبيرة من الأشخاص المختلفين عن بعضهم، والذين لكل منهم سمات فردية خاصة فنقول عن مجموعة يحملون هوية معينة أنهم لبنانيين أو سوريين أو عرب أو أكراد أو سنة وشيعة. وبات هؤلاء يعتبرون أنفسهم عندما يحملون تلك الهوية والتسمية مميزين عن مجموعات أخرى من البشر مع أنهم مثلهم وعلى الرغم من وجود صفات مشتركة بينهم وبين من يحملون هوية أخرى أكثر مما هو موجود بين من يحملون تلك الهوية. 

وبات أغلبهم بمجرد ما أن يحملوا تلك الهوية الوطنية أو الإثنية، يصبحون لبنانيين أو سوريين أو عرب أو كرد.. إلخ) بما يجعلهم يتوحدون مع بعضهم البعض كما لو كانوا وحدة اجتماعية سياسية لكونهم فقط يشتركون في الهوية التي يحملونها أو يقررون الانتماء إليها. واللغة الواحدة التي يستخدمونها والتي تميزهم عن سواهم ممن يحملون هوية أخرى، فاتوا يبدون كما لو كانوا كتلة واحدة، وينحدرون من أصل واحد أوجد مشترك واحد. فأصبحوا أقرب إلى كتلة صماء في مواجهة كل من لا يحمل تلك الهوية، خاصة من لا يحملها أو ينتقدها. لدرجة باتت رمزا للتعصب تتطلب للدفاع عنها القتال. وفي بعض الأحيان. أصبح لدى المتعصبين. حالة مرضية. تدفعهم للتعالي على غيرهم ممن لا يحملون هويتهم. مع أنهم ربما لم يحملوها إلا منذ سنة أو قبل بضعة أيام. 

الهوية كمفهوم ثقافي وسياسي: بما أن الهوية (البطاقة الشخصية) تعطى لأي شخص إذا ما أقام في بلد بصورة دائمة عدد من السنوات لذلك فلابد أن يكتسب مع الزمن الطباع العامة لذاك البلد. لكن ذلك لا يحصل غالباً. لأن العادات والتقاليد الموروثة والكامنة في شخصية الإنسان ولا وعيه أعمق وأبعد غورا من ذلك (فمع أنها ورقة لكنها تحمل في طياتها غير المكتوبة وفي العمق نضالات اجتماعية وسياسية طويلة ساهم الآلاف في صنعها وقدموا آلاف التضحيات). فعلى سبيل المثال تعطي هولندا هذه الهوية بعد إقامة المرء فيها ثلاث سنوات متتالية. حيث نجد (بمجرد ما يحملون هذه البطاقة الشخصية الجديدة المسماة هوية) يشعرون أن عليهم الالتزام بالصفات العامة للهولنديين، وبعضهم يتوهمون أنهم باتوا هولنديين فعلاً، ومختلفين عن غيرهم ولهم حقوق وواجبات مختلفة بمجرد ما أن يحصلوا على تلك الهوية (الورقة) حيث يفترض بهم الالتزام بكل ما يتطلبه منهم الدستور الهولندي. وبعضهم يتوهمون أنهم باتوا هولنديين دون أن يغيروا من نمط تفكيرهم أو سلوكهم، وبعضهم ينسون أو يتناسون أصلهم أو البلد الذي أتوا منه أفراداً. 

وبما أن الهوية الفعلية تعتمد على التشابه أو الاشتراك في مجموعة من الصفات الشخصية الشكلية والطباع والعادات والمفاهيم والأفكار التي تتصف بها مجموعة كبيرة من الأشخاص، من حيث اللهجة مثلاً. حيث يمكن أن يميز السوري عن اللبناني من طريقة نطقه لبعض الكلمات كذلك تميز الطرابلسي عن البيروتي والمسيحي عن الدرزي، والشيعي عن السني، بمعنى أننا نصبح أمام هويات مناطقية ودينية متداخلة وليس هوية واحدة. لكن تعايشها المشترك لفترة طويلة خلق بينهما مشتركات خاصة، ونمط تفكير وسلوك ودرجة ثقافة مختلفة عما لدى غيره ممن لا يحملون الهوية اللبنانية. 

بما جعلهم يعتبرون أنفسهم مكونا جَمعياً واحداً وعلى تصور وجود مشتركات وطنية أو ثقافية مع أنه عندما تتعمق تجد أنه مرتبط بأيديولوجية دينية أو مذهبية وطائفية أكثر مما يرتبط بالهوية الوطنية اللبنانية. وفوق (او مع) ذلك يعتبرون أنفسهم مكوناً مختلفاً عن السوريين والعرب مع أن أغلبهم هم بالأساس عرب سوريين. دون تجاهل أن الهوية اللبنانية كان لها في جبل لبنان (منذ أيام حكم الشهابيين لجبل لبنان، والعمريين لصفد والجليل والسعوديين لنجد) أساس اجتماعي إثني ذو طابع قبلي اتخذ طابع فكري دفاعي استخدم كأسلوب ونوع من الرفض لتتغلب على عملية الذوبان في الهوية العثمانية (التركية). الجامعة لمجموعات عديدة كانت تسكن هذه المنطقة العربية. ولهذا فلقد تعمقت هذه الهوية في جبل لبنان، أكثر من غيره، في ذات الوقت الذي تعمقت الهويات الثقافية الأخرى للسوريين والعراقيين والحجازيين في فترة نمو الشعور القومي العربي. لتأخذ في فترة الصدام مع العثمانيين طابع سياسي شوفيني غير عروبي، مع أنه في البداية ساهم في تنمية الحس العروبي وفي تقوية – والحفاظ على الهوية العربية. لذا فإن تقديم جواب شامل لمفهوم الهوية اللبنانية يفترض أن يستند على التحولات التي مرت بها الحالة السياسية والاجتماعية (السوسيولوجية) المختلطة، لمن سكنوا هذه البقعة المعروفة اليوم بلبنان. والتي باتت تختلف اليوم عما كانت عليه في مرحلة النضال القومي العربي ضد التتريك، (بعد عام 1860) وعما أصبحت عليه في عهد الاستعمار الفرنسي للبنان بعد عام 1920 حيث أبعدت اللبنانيين عن اخوتهم السوريين، ثم ساهمت التغيرات التي ألمت بسوريا بعد انقلاب البعثيين عام 1963 في ابتعاد لبنان وكثير من اللبنانيين عن سورية وحتى عن العروبة حتى أوصلتهم وأوصلت لبنان إلى شكله الحالي الإشكالي. 

 من الذي يحق له أن يزعم أنه وحده لبناني؟ 

طالما أن المنطقة أو الأرض التي يعيش عليها اللبنانيون كما بينا. غير محددة وكثير منهم ليسوا لبنانيين أصيلين بل غير عرب وطارئين، يعرف كثير منهم أنهم ينتمون أصلاً وفعلاً لوطن آخر مثل فلسطين أو سوريا أو تركيا أو أرمينيا أو القوقاز وكردستان وإيران.. إلخ. باعتبار أن كثير منهم (كما سنبين) هاجروا إلى لبنان وحملوا جنسيته وهويته الثقافية والمدنية في فترات زمنية متباعدة ولأسباب مختلفة. ما يعني أن العيش في الجغرافيا (10 ألف كم ونيف) والتي هي ليست محددة بدقة، لا تكفي لتحديد لبنانية أي إنسان يعتبر نفسه لبناني. 

أما إذا تم تناولنا الموضوع من ناحية الانتماء العرقي أو الجيني أو الدم. فإن علم الفيزيولوجيا يؤكد على عدم وجود لدم لبناني أو فلسطيني أو سوري. كون دماء البشر كلها متشابهة (حيث أن جميع بني البشر يمتلكون فقط أربعة زمر دموية معروفة ذات راصات موجبة أو سالبة). موجودة لدى كل الشعوب وفي جميع البلدان. حيث يمكن أن توجد الزمر الأربعة ضمن العائلة الواحدة. بما يعني أنه لم يعد هناك أي مبرر أو أي مجال للافتخار أو للتمسك لا بمفهوم الدم والعرق والعصب أو بالمفهوم البنيوي للفينيقية أو السريانية أو العربية ولا حتى بمفهوم اللبننة كهوية تتميز بصفات معينة. 

الواقع الجيني الكوزموبوليتي للبشر: لا يعرف كثير من المفكرين والباحثين العرب أن ما قدمه علم الجينولوجيا () بعد عام 2014 قد ألغى التقسيمات السابقة التي كانت تقسم البشر حسب الجنس أو القومية أو اللغة أو البنية الجسمية الداخلية أو الخارجية. وأثبت أنه لا وجود لبنية جينية سامية أو حامية أو عربية أو فارسية أو آرية أو سلافية.. إلخ). وبين أن لا وجود لجنس أو عرق نقي أو صافي عربي أو ألماني، أو سيامي.. إلخ. ومنذ بداية ظهور هذه الإثنيات في التاريخ ولم يكونوا يعرفونها. 

لكن إذا دققنا في المسألة من الناحية الجينية (حسب ما قدمته خرائط علم الجينولوجيا بعد عام 2014 استنادا لما قدمه مركز مايو كلينك عن التركيبة الجينية لسكان بعض البلدان العربية) سنكتشف أن حتى من كانوا يسمون فينيقيين أو كنعانيين أو كلدان أو فراعنة (المصريين القدماء) هم من حيث التركيبة الوراثية خليط مكون من مجموعات وزمر جينية عديدة. موجودة بكثرة لدى مجموعات بشرية سكنت تركيا أو إيطاليا أو صقيلية أو كريت والجزر اليونانية أو الإيطالية أو بلغارية وألبانيا ومقدونيا.. إلخ. كما بين هذا العلم أن بداية الطفرات التي ميزت المجموعات البشرية الأولى لـ (هوموسابيانس) عن بعضها البعض تعود إلى ما قبل ثلاثين ألف عام من اليوم. بما يعني أن هذه البنية المختلطة أقدم من الأقوام المعروفين بالبابليين والفرس، والكنعانيين والفينيقيين. 

الذين ظهروا في التاريخ قبل خمسة آلاف عام، بما يزيد عن خمس وعشرين ألف عام. ويؤكد أنها خلال هذه الفترة الزمنية الطويلة أصابها الكثير من التمازج والتلاقح والاختلاط. 

أما إذا أضفنا لهذا التنوع ما لحق بهذه المجموعات البشرية في لبنان وطبعاً سوريا وفلسطين ومصر خلال أكثر من ثلاثة آلاف عام الأخيرة من غزوات بابلية وفارسية وأذرية ويونانية ورومانية وصقلية ومغولية وتترية وروسية وتركية وفرنسية (فرنجة) ومن عرب الحجاز وشبه الجزيرة العربية واليمن ومصر وشمال أفريقيا تشكل لدينا خليط وراثي عجيب. فإن الحديث عن عرق صافي فينيقي، يصبح نوع من الهراء والتعصب الأعمى. 

وحالياً لم يعد مقبولاً من الناحية العلمية أن نقول إن السوريين يحملون ما نسبته ثلاثون بالمئة من جينات العرب أو الآشوريين أو الآراميين الأصليين أو عشرون بالمئة من جينات الفرس أو الصقليين. بل بات كل فرد يمتلك خليط جيني مكون من مجموعات وأصناف جينية عديدة قد تزيد عن العشرة. 

بحيث أننا إذا أردنا حالياً الحديث (من الناحية العلمية البحتة) عن بنية جينية لجماعة بشرية فيجب أو يفترض أن نقول: (مع أنه لم تتم إحصائيات كاملة) أن ثلاثين بالمئة من السوريين يحملون البنية الجينية J1A بنسبة عشرون بالمئة، إلى جانب أن عشرون بالمئة منهم يحملون الزمرة J1A1) وفي العراق 40% يحملون النمط J1A1. بنسبة 24 بالمئة) والبنية الجينية العائدة للنمط J1C3 ما نسبته 17 بالمئة ومن النمط الجيني J1C3D2 ما نسبته 14 بالمئة. حتى نصل إلى نسب أدنى حتى نصل إلى القول إن المجموعة ذات النمط. a توجد في النرويج بنسبة واحد بالمئة وهكذا على d في ميلانوزيا، حتى أصبح الحديث عن جينات عربية أو فارسية أو أريه أو ألمانية أو صومالية بنسبة كذا حديثاً قديماً وبالياً فإذا كان هذا غير جائز في شمال النرويج فكيف إذا طبقناه على لبنان؟ الأكثر تنوعاً. 

لذا كان لابد بدلاً من ذلك من تناول مسألة الهوية من الناحية الثقافية والاجتماعية: 

من المؤكد أن لا وجود لثقافة لبنانية واحدة أو محددة، بل هويات ثقافية عديدة ومختلطة ومتداخلة حيث نجد لبناني ينتمي ثقافياً وأيديولوجياً وسلوكياً لفرنسا أو للغرب أو لليبرالية وآخر لإيران الفارسية الشيعية. كما نجد بين هؤلاء من يؤمن بالولي الفقيه وآخر بالأئمة الإثنى عشر وهناك من هو علماني وماركسي. وهناك من يتبنى السلفية السعودية (الوهابية) وآخر يؤمن بالاشتراكية أو الشيوعية ورابع بالاقتصاد الحر والليبرالية والديمقراطية وبأمريكا. وخامس موالي لسوريا وسادس لأرمينيا. وسابع متمسك بالطائفة والمذهب وثامن بالعلمانية وتاسع بالماركسية أو ملحد وعاشر لا منتمي وما بين هذا وذاك.. إلخ، أكثر مما ينتمي لثقافة لبنانية محددة. أما إذا تناولنا الموضوع من ناحية. 

الولاء السياسي للدولة اللبنانية، يجعلنا نضيف للتباينات السابقة موضع لبنان الجغرافي كصلة وصل بين الشرق (من سوريا إلى الصين) وبين الغرب وفرنسا. أ وبين البلدان العربية والإسلامية والأوروبية، فلا شك سنجد بين اللبنانيين من يوالي إيران أو فرنسا أكثر مما يوالي سوريا ومن هو مستعد للدفاع عن فرنسا أو إيران كما لو كان إيراني أو فرنسي أو أمريكي يعيش بجسده فقط في لبنان بينما في روحه ينتمي لبلد آخر وهذا ما يولد ويفسر التنافر والتباعد والتوتر السياسي والنفسي الحالي. 

أما إذا وضعنا تعدد أشكال وشدة الانتماء والتعصب المذهبي أو الطائفي للناس الساكنين فيه فسنجد أنها تتفوق على درجة انتمائهم للبنان كوطن عام جامع لهم. (فالقتل الذي حصل في فترة الحرب الأهلية على الهوية المذهبية يدل على أن التعصب المذهبي والديني والطائفي كان ومن الممكن أن يكون أقوى من الهوية اللبنانية) مع أنهم كلهم يزعمون أنهم يمجدون لبنان ويتعصبون له. وبالتالي بات أكبر مفجر للبنان من الداخل، ضاعفته التباينات والخلافات والصراعات على المناصب والمكاسب والأرزاق والهيمنة الطبقية والسياسية والاقتصادية والمعنوية والتبعية للخارج (حسب ميلان الكفة لصالح فرنسا أو أمريكا أو سوريا وإيران أو السعودية). 

من الطبيعي في ظل هذا الواقع التاريخي والجغرافي والاثني والثقافي والطائفي والتبعيات السياسية والأمنية لدولة ما، أو لدول مجاورة أو بعيدة عربية أو غير عربية (فرنسية أو أمريكية أو ارجنتينية). جعل ويجعل من أزمة الهوية في لبنان تكاد تصبح أميل لأن تكون تجسيداً لأزمة كونية. لذا قد يكون من الأفضل عدم التمسك بها خاصة في لبنان. 

 

صراع الهويات في لبنان: 

الهويات الوهمية والوطنية والقومية والعالمية: 

– الهوية الفينيقية: من المؤسف أن كثيراً من اللبنانيين يعتقدون أنهم فينيقيين منذ بداية التاريخ (عن أب وجد، أو منذ أن خلق الله البشر). مع أن ستين بالمئة منهم (يعرفون أنهم) لم يصبحوا لبنانيين إلا بعد عام 1920. عندما قرر الجنرال “غورو” توسيع مساحة جبل لبنان لتضم مناطق تعادل ضعفي مساحة ما عرف منذ مئة وستين عاماً بجبل لبنان والبالغة حوالي 3500 كم. بحيث ضم إليه أناسا كانوا يتبعون إدارياً لسوريا أو فلسطين يزيدون عن سكان الجبل القدامى بمقدار الضعف. فنسوا أو تناسوا ذلك وراح كثير من هؤلاء يعتبرون أنفسهم لبنانيين وفينيقيين. عن أب وجد. 

مع أن فكرة الفينيقية هي فكرة مبتدعة لا أساس مادي وتاريخي محدد وملموس لها. أطلقت في التاريخ القديم على كل من سكنوا الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ثم أطلقت لاحقاً على هؤلاء تسميات عديدة اندثرت. لذلك كان ينظر لمن يسعى لأن يحييها كمثل من يسعى لإحياء الفرعونية أو السريانية أو الآشورية التي اندثرت ولم يعد لها وجود تم إحياؤها من قبل شخصيات مثل “اصطفهان الدويهي” الذي اعتبر الفينيقية هوية أصيلة وقديمة قدم التاريخ لذلك فهي (كما تصور) مغروسة في نفوس الناس الذين سكنوا المنطقة الممتدة من حيفا إلى انطاكية (منشأ المطران “مار مارون”) واسكندرون، وكونها هوية متخيلة جرى تقليصها من قبل “جوزيف الحجار” عام 1936 (بعد أن تم ترسيم الحدود الجديد بين تركيا وفرنسا في سوريا إلى اللاذقية) فسلخ لواء اسكندرون وانطاكيا منها. ومن ثم تقلصت الفينيقية مع مساعي فرنسا لإقامة كيان للمسيحيين في الشرق، حيث توافق معها كلاً من المطران “يوسف الدبس” ومن بعده كمال صليبي لتقتصر على جبل لبنان ومن ثم لتتوسع وتشمل لبنان الكبير ومن ثم تحولت أخيراً إلى مشروع خاص بمسيحيي لبنان وفقط الموارنة اللبنانيين دون موارنة سوريا وتركيا، لكي يقاوموا الاندماج مع سوريا. ثم تم تجاهلها كما تم تجاهل دعوة أنطون سعادة والحزب القومي السوري لإقامة سوريا الكبرى نتيجة لتراجع فكرة القومية على أساس العرق وهزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية. 

ويشير المؤرخ الفرنسي “ستيفن هاملي” إلى أن القيادة الفرنسية العلمانية سعت في إطار الدمج بين ايديولوجيتها العلمانية ورغباتها الاستعمارية في لحظة تاريخية معينة (فترة الصراع مع الإنجليز والأتراك والسوريين القوميين والقوميين العرب) إلى توسيع ذلك الإطار المسيحي ليضم له -فقط- جزءاً من المسلمين السنة والشيعة وليس كل من هم في تلك البقعة. حيث كان من الممكن أن ينضم لهم جزء كبير من علويي سوريا لولا رفض زعماء دويلة العلويين الانضمام لهذا الكيان منذ أن طرح للتداول بذات الدرجة التي رفضوا فيه الانضواء (حتى عام 1945) إلى الدولة السورية الموحدة. وهكذا نشأ ما بات يعرف اليوم لبنان، حيث كان من الممكن أن يتوسع جغرافياً وسكانياً أو يتقلص إذا ما تغيرت التوجهات العامة لسكان المنطقة. دون أن نتجاهل أن هذه النزعة وسواها. لا يمكن أن تنشأ دون جذوراً تاريخية وثقافية سابقة. 

– الهوية القومية السورية والعربية: وبما أن مفاهيم مثل الدولة القومية ومن ثم الوطنية بدأت تظهر كبديل عن مفهوم العرق أو الجنس أو الأمة الدينية (الدولة الشمولية التي كانت قائمة في الدولة العثمانية والرومانية المقدسة التي تحللت إلى الامبراطوريتين النمساوية والفرنسية بعد الحرب العالمية الأولى مما أدى إلى ظهور هويات جديدة لقوميات عديدة مثل الصربية والسلافية والبلغارية والرومانية والعربية. وهكذا ظهرت بالتوافق معها الهوية العروبية للبنان والتي كان للمسيحيين اللبنانيين دور حاسم فيها للتحرر من الهيمنة السنية للدولة العثمانية العلية. لكن بعد أن تم التحرر من العثمانيين راحت فكرة القومية العربية تتراجع لتحل محلها فكرة القومية السورية وبالتالي انتشرت وراجت وجود هوية وتخيل وجود قومية سورية تجمع ما بين اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين والقبارصة، لكنها لم تلبث أن تراجعت بعد اغتيال مؤسسها “أنطوان سعادة” لتحل محلها الهوية الوطنية اللبنانية. 

حيث كان للمارونية السياسية والفرنسيين دور حاسم في ترسيخها. وهنا نشير إلى أنها باتت بسبب ذاتيتها المفرطة (التغني بالذات اللبنانية الخاصة والمتعالية على غيرها من الذوات (فوق السماء، حسب ما يرى الشاعر اللبناني سعيد عقل) تمتلئ بكثير من النرجسية. حيث باتت أقرب إلى مرض نفسي جماعي ينقل من يتغنى بها على المستوى النفسي الفردي من (المازوشية) إلى مستوى سياسي جمعي أقرب إلى النزعة العنصرية و (الفاشية) تكشفت أخيرا بطريقة منفرة عندما تغنى بها أشخاص مثل جبران باسيل وحزبه. حيث طغت الهوية والعصبية اللبنانية والمازوخية اللبنانية لديهم على طابع لبنان العربي والعالمي وأحيانا أكثر من الديني والطائفي والفكري. مما جعل ويجعل ممن يتغنون بهذا المفهوم للهوية الوطنية اللبنانية. يتنافر ويتناقض حتى مع الإطار اللبناني الوطني كما مع القومي العروبي الذي كان للبنان واللبنانيين دور أساسي في نشأته وتطوره. 

– الهوية الدينية والمذهبية والطائفية: من المؤسف أن نقول أن بلدا في العالم يزعم أنه يتبنى العلمانية لم يشهد كما شهد لبنان دوراً متميزاً جداً لرجال الدين سواء المسيحيين أو المسلمين السنة أو الشيعة أو الدروز. حيث للأسف باتت مباركة المطران (صفير أو الراعي، أو مجمع الكرادلة) لرئيس الجمهورية أو للعهد دور حاسم في اكتسابه الشرعية الروحية بل وشرطا لاستقرار العهد. الأمر ذاته ينطبق على مباركة (دار الإفتاء) للسنة فبات لهم دور حاسم في تسهيل مهمة رئيس الوزراء وعمل الوزراء الأمر ذاته ينطبق على ضرورة مباركة زعيم المجلس الشيعي الأعلى لرئيس مجلس النواب وشيخ العقل لدى الدروز. مما عمق الانتماء للهويات المذهبية والدينية وعمق الهوية الطائفية. 

– العالمية (الكوزموبوليتية والأممية) كهوية وحل للمسألة اللبنانية: كما تحللت الأمة الدينية (العثمانية ذات الطابع الشمولي إلى عرب وترك وألبان وبلغار وصرب ثم راحت تتجمع من جديد على ضوء الأوروبية {الاتحاد الأوروبي}) كذلك راحت الدولتان (القومية العربية والوطنية) عملياً تتحللان على وقع التعصب المذهبي والطائفي من جهة، وعلى ضوء ضربات العولمة وانفتاح الحدود والمعلوماتية من جهة أخرى. مما يجعل من التمسك بالهوية اللبنانية (عملياً) أقرب إلى التمسك بالفراغ. 

لذا نؤكد سلفا ,على أن انفتاح لبنان الطويل على الغرب والعالم الخارجي وعملية التحديث. جعله يصبح صلة وصل بين العالمين الشرقي والغربي. أضافت هجرة كثير من أبناءه إلى شتى أصقاع الأرض وتأثرهم بثقافات متعددة خاصة الفرنسية (الفرانكوفونية) والأمريكية اللاتينية والشمالية ومن ثم عودتهم للعيش فيه ناقلين معهم ثقافات كثيرة ما يجعل كثير منهم-ثقافياً- عالميين أكثر من كونهم لبنانيين أو حتى عربا. وبالتالي بات لبنان في الواقع – أقرب إلى دولة عالمية منه لدولة وطنية وبات أقرب لتبني وتقبل الهوية العالمية أكثر من جميع العرب، حتى أكثر من الأوروبيين الداعين للعولمة. 

لهذا فإن فكرة العالمية والليبرالية (الشمولية القديمة بلباس جديد) راحت تحل تدريجياً مع ,أو محل فكرة الهوية القومية أو الوطنية. وكان لابد أن تضعف أو تتلاشى مع شدة العولمة الروابط الوطنية والقومية على نطاق العالم ـ وبخاصة في لبنان. لصالح ما هو مشترك ومتبادل بين عامة الناس في العالم (النمط العام للحياة الاجتماعية والثقافية). مفهوم أعم يربط بين البشر كلهم ويوحدهم في كثير من الأمور العامة والمشتركة، أكثر مما يربطهم ببني وطنهم، وبغض النظر عن قوميتهم ولغتهم وبلدهم (وطنهم) فكيف إذن بلبنان الأكثر تعددية وانفتاحاً وتنوعاً. لذا فإن مفاهيم جديدة مثل الهوية الإنسانية والعالمية أو الكونية (الكوزموبوليتية) والأممية لابد أن تظهر بالترافق مع أو ستطغى على كثير من المفاهيم والروابط والهويات القومية والوطنية والتي كما نرى تكاد تصبح جزء من الماضي، والتعلق بها نوعا من التراث الشعبي المتخيل. 

وهو ما يجعل من التمسك بالصفة والهوية الوطنية للبنانيين والتغني بلبنان واللبننة أمراً غير منطقي. عند البحث عن حل للمسألة اللبنانية. لذا فإن تحرير اللبنانيين من عقدة الهوية اللبنانية. أو العصاب (المرض الجماعي الفينيقي) أو يفترض أن يجعل من عملية التحرر منها نظرياً نقطة أولية في حل المسألة اللبنانية. وتلافي تفتيت لبنان والمنطقة وعدم تشظيتها وتشظيتهم (على رأي الطيب تيزيني). 

 

 

 

 

الفصل الثالث:
نشأة لبنان

 

الصراع على لبنان والمنطقة في التاريخ الحديث: 

مع أن الصراع الدولي والإقليمي القديم على لبنان لم يحتدم إلا مع بداية القرن التاسع عشر بعد أن اتضحت معالم ضعف الدولة العثمانية. لذلك بات يشكل فهم ذلك الضعف أساساً تاريخياً لابد منه لفهم نشأة العروبة واللبننة، ولابد من الاستناد عليه كمنطلق واستمرار ولفهم الصراع الحالي في وعلى لبنان المنطقة وعلى طرق حله فيه وفيها. إلا أن أحداً لم يربط بين الصراع الطائفي في لبنان (صراع الطوائف على السلطة) كتجسيد لصراع الدول عليه وفيه. ما يجعل البحث في هذا الموضوع اليوم بالذات أكثر من غيره. مثاراً للجدل والاختلاف، ولذلك فإن إعادة بحثه تكتسب اليوم أهمية خاصة أثناء البحث في وضع أي تصور لحل المسألة (قد يكون صالحاً أو أساساً لكتاب أكثر دقة وشمولية). 

أهم مشكلة تواجهنا في بحث هذه النشأة. والتي قد تكون أحد أهم العوامل غير المباشرة لكل ما يلم بلبنان من توترات واضطرابات وحروب أهلية وتدخلات خارجية. تكمن في عدم تحديد ماهيته الخاصة (حتى اليوم) على ضوء البنية العامة الجيوسياسية والإثنية المتداخلة مع غيرها والموجودة في البلدان المجاورة له عبر التاريخ القديم والحالي. والتي يعود جزء كبير منها لعدم وجود حدود واضحة ومحددة على الأرض لشيء اسمه لبنان. يجمع في ذات الوقت هذه الخلطة البشرية وبهذا الشكل والطريقة العجيبة، بشراً ينتمون لما يزيد عن سبعة عشر طائفة وخمسين قومية ومع ذلك يعتبرون ويتعصبون للبنانيتهم. 

وبات التمسك بها سبب رئيسياً في معظم مشاكلهم. مما قد يجعل من حلها ممكنا إذا ما اقتنعنا. أولاً أن لا أساس منطقي أو عقلي. لبقاء لبنان بهذه التركيبة أو الخلطة السكانية التي ما تزال سائدة والتي عبر عنها زياد الرحباني بقوله “مجموعين ومطروحين ومضروبين”. 

ثمة أخطاء كثيرة ورثناها عبر التاريخ لأسباب قاهرة لكن بما أننا اليوم قادرين على وعيها وتجاوزها لذلك لابد من معرفة ووعي تلك الظروف كي نتجاوز أخطائها أو ذلك الخطأ التاريخي (أو الأخطاء) والعوامل والأسباب الخارجية والداخلية التي تم بسببها تشكيل هذا الخليط في لحظة تاريخية انتهت كل مبرراتها وأسبابها. وهو ما يتطلب إعادة رؤية تلك الأسباب والعوامل التي جعلت لبنان يظهر هكذا. ومن ثم التي جعلت اللبنانيين يتقبلون واقعاً يعرفون أنه لم يعد موجوداً ويتناقض مع الحل الصحيح لمشاكلهم، كما مع العصر والتاريخ. 

فإذا دققنا في أهم محددات الدولة الحديثة، والمتمثلة بأن يكون للدولة مساحة محددة أو حدود واضحة أو متفق عليه ومرسومة بدقة متناهية وممتدة في عمق التاريخ. وسكانه متفقين تماما على العيش المشترك في هذا الحيز بتلك الطريقة التي فرضت عليهم لكونه فقط يمتلك مقومات العيش بصورة مستقلة. وسوف نجد أن هذه الشروط غير متوفرة (كما هو أيضاً لما تسمى دولة إسرائيل فقط). لأنه لا توجد له حدود واضحة ومحددة لا من ناحية فلسطين المحتلة ولا من ناحية سوريا. حيث توجد للبنان مع فلسطين أربع حدود. أما مع سوريا فلا توجد أية حدود رسمية لها ومتفق عليها داخلياً وخارجياً. حتى على الورق وهو ما اتضح على الخلاف الذي مازال قائماً على تبعية مزارع شبعا، عدا الأراضي المتداخلة عند بلدتي سرغايا والقاع وعند جرود عرسال وتل كلخ وجرود طرابلس حتى المنية من ناحية البحر. مما يجعل من إمكانية ضم سكان جدد أو طردهم من قائمة اللبنانيين قابلة للحدوث. مما يجعل من لبنان والهوية اللبنانية. أقرب ما يكون إلى الوجود الهلامي. وهذا ما وضع اللبنانيين عام 1949 في مشكلة عويصة مع أنفسهم ومع سوريا حيث هدد حسني الزعيم باجتياح لبنان وقام بحشد الجيش السوري على حدوده، كما تكرر الأمر ذاته تقريباً في كثير من الأزمات خاصة أثناء ترسيم الحدود أو إغلاقها من قبل سوريا عامي 1972 و73 وحتى اليوم. مما يجعل من مسألة ترسيم حدود للبنان مع سوريا مشكلة سياسية وقانونية إقليمية ودولية حية. 

 

ظهور المشكلة اللبنانية: 

من المؤكد أن لبنان كان مازال، ومن كافة النواحي الجغرافية البيئية والتاريخية والبشرية والثقافية جزءاً من واستمراراً للبنية الجيولوجية والجغرافية والبيئية والبشرية العامة للمنطقة العربية المعروفة منذ الأزل (من بداية الحقب الرابع والتي تعود لما قبل حوالي ثلاثة ملايين سنة أي قبل أن يظهر الجنس البشري (هومو) بسوريا الطبيعية. حتى بعد أن سكنتها مجموعات بشرية من مناطق مختلفة من العالم، سواء كانوا من الأصلاء القدماء. أم من الغزاة أو الوافدين والغرباء والمهاجرين الجدد، بحثاً عن الأمان والعيش. وسواء أكانوا أقلية أو شكلوا أغلبية مثل الموارنة والشيعة أو ظلوا أقلية مثل الأرمن والكرد والشركس. 

كما تشير كثير من الكتابات التاريخية والأدبية والفنية إلى أن المشاكل التي عانى منها المسيحيين والدروز لا تختلف عن المشاكل التي عانى منها نظرائهم من سكان سوريا أو العراق وبأن مشاكل لبنان العويصة بين الدروز والموارنة لم تظهر إلا بعد عام 1840 لأسباب خارجية. مع أنهما بالأساس طائفتين دينيتين حديثتين هاجرتا إلى سوريا ولبنان هربا من الاضطهاد الديني والعرقي في بيزنطية الأرثذوكسية أو من مصر الفاطمية أو الأيوبية السنية. ومع ذلك تقبل الجميع العيش معا والتكيف مع ذات الأحكام التي كانت تخضع لها جميع الأقليات والأكثريات المذهبية الأخرى التي انتهى بها المقام في بلاد الشام والعراق. بما في ذلك تقبلهم مبدأ الملة العثماني (منذ بداية القرن السادس عشر). ما جعلهم يتقبلون على مضض أن يعاملوا كأقليات مثل بقية الأقليات في منطقة يدين أغلب سكانها بـ “المذهب السني”. وهو ما ينطبق على أقليات أخرى كاثوليكية أو بروتستانتية تعيش في إيرلندا أو أيطاليا.. إلخ. 

من هنا فإن البحث في المسألة اللبنانية لن يكون ممكنا دون تحديد المشكلة التي جعلت من البحث عن ملجأ للأقليات الدينية،المتنوعة والمتعددة لسكانه والتي تتميز بوجود غالبية مسيحية ـ في جبل لبنان من جهة أولى ومن ثم لفهم الطريقة التي تكون أو نشأ بها لبنان الكبير لاحقاً. 

المسألة الشرقية: 

علمياً لا يمكن النظر إلى المسألة اللبنانية إلاً باعتبارها جزءاً من ما سميت ” مسألة حماية الأقليات ” كجزءآخر للمسألة الشرقية قبل مئتي سنة، نتيجة لسعي الدول الرأسمالية نشر الديمقراطية ,أو لتعميم نمط الإنتاج الرأسمالي كما يصفه الشيوعيين نتيجة للتوسع الكولونيالي والاستعماري في العالم والمنطقة. حيث سعت تلك القوى الناهضة لاتخاذ الأقليات وحمايتها ذريعة للتدخل، وللحلول محل الدولة العثمانية المترامية الأطراف. مستندة على الوجود التاريخي القديم للإثنيات والتجمعات المذهبية والطائفية والمناطقية ليسهل عليها بعد ذلك تقسيم المنطقة إلى كيانات يتم من خلالها استحواذ وتقاسم وابتلاع أشلاء هذه الإمبراطورية. بهدف تعميم نمط الإنتاج الرأسمالي. 

وبسبب عملية التنافس بين القوى الاستعمارية بما في ذلك مع الحركة الصهيونية الناشئة (رأس المال المالي اليهودي) بما سمى مجلس السنهدرين (حكماء بني صهيون عام 1795 في باريس). وبعد انكشاف ضعف ومظاهر تفكك وتحلل الدولة العثمانية مع نهاية القرن الثامن عشر نتيجة التقدم العلمي والفكري. وبعد حروبها مع روسيا وغزو نابليون لها. عقد في لندن مؤتمران الأول عام 1812 والثاني عام 1820. تم التوافق فيه أخيرا (بين القوى الاستعمارية الكبرى) على إبقاء الرجل المريض يعاني حتى يموت فيتم اقتسام تركته بعد ذلك بسهولة. ما سمح لكل دولة لأن تعمل لوحدها وبطريقتها الخاصة على فئة أو قبيلة أو طائفة كما عملت الصهيونية بنفس طويل على وفي جميع الطوائف والدول كونه لم يكن لها يومها دولة تتحدث باسم الرأسماليين اليهود. فبدأت بالسيطرة على السلطنة من الداخل من خلال تركيزها على اسطنبول (أو الآستانة، باعتبارها مركز الخلافة الاسلامية العثمانية) من خلال حركة الاتحاد والترقي. ومن ثم بتعميم فكرة القومية التركية، أساس قيام الدولة العثمانية، وفي ذات الوقت راحت تشجع وتدعم الحركات القومية والقبلية في البلقان واليونان وبلاد العرب، (وخاصة في لبنان) وتتخذ من تلك الحركات وسيلة لتمزيق الامبراطورية وتشتيت الناس العثمانيين في دويلات بما يمكنها من السيطرة عليهم ومن ثم الانفراد بفلسطين لتكون من حصة الرأسماليين اليهود. بما يجعلنا نجزم بأن حل المسألة اللبنانية لا يمكن أن يتم بمعزل عن تصور رؤية طريقة لحل الصراع القديم بين تلك القوى العالمية. والمستمر حالياً بين العرب والترك والإنجليز والفرنسيين والروس والأمريكان والصهاينة. حيث أصرت الحركة الصهيونية في مؤتمر الصلح أن تكون فلسطين من حصتهم () كما تكون لبنان وسوريا من حصة فرنسا (وهو ما ثبت في اتفاقيات سايكس بيكو وبلفور اتفاقيات ومؤتمرات أخرى كان هدفها تقسيم العالم العرب (باسم الصلح والسلام في باريس ولوزان) بين كل من تركيا وروسيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا كي تسيطر كل منها على جزء أو أجزاء معينة من تركة الرجل المريض أو اقتسامها. وهذا ما يزال مستمرا حتى اليوم من خلال الدعوات المتكررة لعقد مؤتمر دولي للسلام. والذي كما سنبين ليس إلا لإعادة اقتسام الوطن العربي والشرق الأوسط بطريقة أخرى بين الشركات والدول. وهو ما يجعلنا نؤكد على أن الحل غير ممكن بمعزل عن مساعي الحل العام للدول والشعوب المُستعمرة الساعية إلى التحرر. لذا لا يمكن لمن يريد التصدي للمسألة اللبنانية أو معالجتها دون أن يحيط أيضاً بالوضع السابق للبنان والذي جعل منه يكتسب منذ ذلك اليوم وحتى اليوم وضعاً خاصاً في المسألتين الشرقية والسورية وفي السعي لإقامة سلام في الشرق الأوسط. وبالتالي لا يمكن التصدي لها أو وضع حل لها بعيداً عن الإلمام بالعوامل التاريخية والفكرية (المذهبية) والسياسية السابقة التي ميزت جبل لبنان عن سواه من مناطق شرق المتوسط، والتي أدت منذ البداية إلى ظهور المسألة اللبنانية كفرع مستقل أو متميز عن المسائل الأخرى التي تفرعت منها. وبالتالي لن تحل بصورة جذرية بعيداً عن الحل العام لمشكل المنطقة والصراع الحالي بين القوى العالمية والأقليمية ومشاكل الأقليات. لذا يفترض بنا من الناحية المنهجية والتاريخية ولتبسيط المسألة من تقسيمها إلى مراحل. أي مَرحلة الصراع على لبنان وطريقة صيرورته. ولتسهيل البحث. نستطيع أن نقسم نشأة لبنان استناداً لتاريخ الصراع الحديث عليه إلى ثمان مراحل رئيسية مفترضة بتواريخ واضحة المعالم. 

لكن ما يجب لفت النظر له هو أن كل ذلك ما كان ليحدث لو لم يكن هناك أساس تاريخي أو روحي موضوعي استندت عليه جميع القوى لإقامة لبنان بهذه الطريقة. 

العمق الروحي والتاريخي ل اللبننة: 

– ما قبل التاريخ أو ما قبل المرحلة التمهيدية، على الرغم من كل ما سبق وأهمية دور القوى الخارجية في نشوء لبنان إلا أنها مهما كانت كبيرة ومؤثرة، لا يمكنها خلق أي شيء من العدم. بل لابد أن يكون له أساس مادي أو روحي مغروس في الواقع والتاريخ ومهما كان صغيراً ومجهرياً، لذا لابد من أن نلفت النظر إلى أمور أخرى منها: 

أولاً: روح المغامرة والتحدي، وهو ما أشار إليه المؤرخان الأمريكيان (من أصول لبنانية) “فيليب حتى” وثم “جورج أنطونيوس () حول دور الطبيعة الجغرافية للبنان في اكتساب من سكنوه لفترة طويلة من اكتساب صفات معينة حيث لابد للبيئة الجبلية الوعرة والصعبة دور في تشكيل صلابة نفسية وقدرة على التحمل، إضافة لما يخلقه جمال الطبيعة الأخاذ من ثقة واعتداد بالنفس. وكونه كان مفتوحاً على البحر الواسع، فكان هذا دافعا لسكانه بسبب صعوبة تجاوز سلسلة جبال لبنان الشرقية التي شكلت سداً طبيعياً. فكان لابد من التوجه اتجاه البحر وشق غماره، أكثر من التوجه شرقاً تجاه البادية. 

– جذور النزعة الفينيقية في جبل لبنان: لا يمكن رد النزعة الفينيقية التي ارتكز بعض اللبنانيين عليها في الخمسينات والستينات من القرن الماضي للتميز أو للانفصال عن سوريا والعروبة والقومية العربية التي عصفت الوطن العربي فقط لدعم من القوى الاستعمارية (كما للدعوة للفرعونية أو الكلدانية أو الأشورية أو البربرية أو الأمازيغية أو القومية السورية في خمسينات وثمانينيات القرن الماضي)، بل لابد أن تكون مستندة على ماضي خاص قديم وأصيل برر تكرر ظهور هذه الدعوة بقوة في لبنان بالذات أكثر من غيره. 

لذلك نجد أنفسنا مضطرين لكي نكون فكرة صحيحة عن هذه النزعة من عودة للفترة التي ظهر فيها الفينيقيين أول مرة كجماعة متميزة عن الفراعنة والآشوريين والبربر والكنعانيين. عندها سنجد أنها تعود إلى ما قبل 3400 عام في أقصى تقدير. بما يفهم منه أنهم كانوا من الناحية الجينية واللغوية والثقافية قبل ذلك خليطاً (من الكنعانيين والآراميين والآشوريين والحثيين) كجزء من الجماعات البشرية المتعددة التي سكنت شمال شبه جزيرة سيناء حيث أطلق المصريين عليهم كلهم جميعاً تسمية كنعانيين، وهو ما يعني في اللغة المصرية القديمة “سكان الشمال” حسب اللفظ المصري (كنعان الذي عثر عليه في لوح “مرنبتاح”) وبخاصة على من سكنوا الجزء الشرقي من البحر المتوسط والممتدة من عسقلان حتى رأس شمرا (شمال اللاذقية) حيث لم يكن الفينيقيين يتميزون عن سكان فلسطين وسوريا والعراق المجاورين لهم مثلهم مثل الآراميين الذين سكنوا سوريا حسب التسمية اليونانية وشمال فلسطين وشرق العراق، حيث لم يكونوا يتميزوا كثيراً عن الحثيين والأشوريين (السوريين) الذين سكنوا ما تسمى اليوم الجزيرة السورية أو سهل نينوى. (وهو ما نراه حتى اليوم عند المصريين الذين لا يميزون بين الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين وحتى العراقيين ويعتبرونهم كلهم شوام ويطلقون على كل من يتحدث بلهجة غير مصرية مصطلح شامي) لكن كون الفينيقيين كانوا أكثر من غزى سواحل البحر المتوسط ونقل الأبجدية لليونان وأوروبا لذلك تعمق التمسك بالفينيقية لإظهار التفوق للتغطية على الضعف الناجم لاحقاً عن ضعف لبنان وصغر مساحته. 

وعلى فرض أن هناك أصل جيني فينيقي أصيل ومتميز (وهذا غير صحيح كما بينا من الناحية العلمية الجينية) لهؤلاء الذين سكنوا الساحل السوري. فإن علم الآثار يبين أن الفينيقيين هم أساساً جزء من الكنعانيين (الشوام حالياً) انتشروا على طول الساحل السوري الممتد من غزة حتى إنطاكية ووصلوا إلى تونس (قرطاجة) وجنوب إيطاليا واليونان وجزر سردينيا وكريت وارواد ومالطا.. إلخ) ومع أنه يفترض أن يعتبر سكان هذه البلاد أنفسهم فينيقيين أيضاً. إلا أن المؤرخين والمفكرين اللبنانيين لكثرة ما كرروا هذه التسمية جعلوا سكان الجبل يحتكروها ليميزوا أنفسهم عن غيرهم ممن سكنوا هذه المنطقة الواسعة حيث مازال دعاة لبنان القوي (الشكل الحديث للفينيقية) يتغنون بها. لذا لابد من تفنيدها من الناحية التاريخية والمنهجية. 

حيث تشير أغلب الكتابات التاريخية إلى أن الفينيقيين الأوائل ظهروا على طول الساحل الشرقي للمتوسط، ولم ينتشروا في الداخل ولا في الجبل (إلى ما خلف جبال لبنان الشرقية والبقاع، وهو ما عرف منذ القدم بجبل لبنان (والمشتق من لفظ البان أي اللب أو البياض، والذي يعني بالآرامية لبنان ويلفظ ببان والتي سمي جبل لبنان نسبة لها). أو لتوفر شجر الأرز في غابات سوريا ولبنان والذي تمكنوا من استخدامه في صناعة القوارب الصغيرة المتينة ومن ثم السفن التي راحوا يجوبون فيها جزر وسواحل المتوسط ويستعمروها. (ثمة ما يشير إلى أنهم وصلوا إلى شمال النرويج) ما يعني أن تسمية لبنان استناداً للجبل والأرز هي أثبت وأقدم وأعم من وصفه وحده فقط فينيقي. 

ونلفت النظر إلى حقيقة أشار إليه المؤرخ اللبناني “فيليب حتي” من أن الإثنية الفينيقية، 1400 ق. م إلى 1200 عام تعود لاستخدام سكان هذه المنطقة القدماء أصبغة الأرجوان المأخوذة من الصدف والتي استخلصها أول مرة في التاريخ أهل الطنطورة التابعة لحيفا في فلسطين وليس في لبنان) لذلك سموا بالفينيقيين والمعدلة للفظ (الروان، المشتقة من الأرجوان بسبب استخدام سكان الساحل لهذا اللون وغلبة هذا اللون على السفن القوية المصنوعة من شجر الأرز. وليس لتميزهم جينياً وهو ما جعل أغلب سكان هذه البقعة الساحلية (وليس جبل لبنان فقط) يتميزون بروح المغامرة والفتح والتوسع في البلدان المطلة على البحر والجزر الكثيرة الموجودة في الأبيض المتوسط أكثر من غيرهم. لكن هذه الجماعات تحللت بعد احتلال المقدونيين والرومان لهذه المنطقة، حيث اكتسبت الطابعين اليوناني والروماني حتى في مجال اللغة والتراث الثقافي. لكن مع كل ذلك ظلت روح المغامرة والتوسع في المناطق المطلة على البحر الأبيض المتوسط كامنة في الروح العامة لسكان الساحل الشرقي للمتوسط بما في ذلك سكان لبنان حتى اليوم. بدليل انتشار السوريين والفلسطينيين واللبنانيين الواسع في كل أنحاء العالم في القرن التاسع عشر حيث يوجد من الفلسطينيين واللبنانيين في دول أمريكا اللاتينية وتشيلي أكثر مما يوجد ممن هم من أصول أوروبية. وبأن تلك النزعة للإبحار والتجارة والانتشار اتخذت أشكالا أخرى في ظل ظهور إمبراطوريات أخرى قوية في المنطقة (حكم أو سيطرة سكان شبه جزيرة العرب ومن ثم المماليك والأتراك) مع تميز خاص لجبل لبنان المنيع والمعزول مما ثبت نزعة رفض الخضوع المطلق لأي سيطرة أجنبية (كغيرهم من السكان مع أنهم سموا بالمردة). وظل الأمر كامناً في نفوسهم حتى الاحتلال المصري لسوريا عام 1832 حيث عادت الثقة بالنفس والاعتداد وروح الحرية تظهر من جديد والتي تميز سكان الجبل حتى اليوم. والتي على الرغم من كل ذلك ولذلك خلق لديهم ميلا للعالمية أكثر من غيرهم من سكان المنطقة والداخل. 

– الاحتماء بالجبال الوعرة: ثمة عامل آخر ميز جميع من عاشوا في الجبال الوعرة لفترة طويلة. كما في جبل الأكراد وجبال العلويين وجبل الدروز بما فيه جبل لبنان عن غيرها (وليس جبل لبنان) من كونها مناطق يصعب على جيوش الحكام الطغاة الوصول إليها مما جعل كثير من الأقليات المضطهدة (من حكم الأكثرية الحاكمة، البيزنطية أو الفارسية أو العربية (ومن عرفوا لاحقاً بالسريان والآشوريين ومن ثم سموا بالنصارى أو الآريوسيين أو المسيحيين الموارنة أو الدروز أو المتاولة (الشيعة) أو الكرد أو الأرمن وغيرهم من الهاربين من البطش والظلم للاحتماء به والاستقرار فيه لفترة طويلة. وهو ما جعل سكان الجبل يتمتعون باستقلالية خاصة حتى أثناء حكم العباسيين. وهو ما أتاح لهم أثناء سيطرة الصليبيين على المنطقة خلال مائتي عام من الحفاظ على هذه الخصوصية التي استمرت رغم حكم المماليك والعثمانيين. حيث تمكن “الجراجمة” (من سموا بالمردة لاحقاً، أقدم من سكن الجبل حتى عام 656م). من البقاء خارج سيطرة الدولة الأموية القوية. ومن التميز عن بقية سكان المنطقة. 

لهذا فعندما غزا الصليبيون المنطقة تعاون الجراجمة (الذين أصبحوا جزء من موارنة جبل لبنان الحاليين) ومسيحيي زغرتا مع الحملة الفرنسية التي قادها شارلمان، وعملوا أدلاء لهم. لمواجهة طغيان الأيوبيين والسلاجقة والمغول، على العكس تماما مما فعله المسيحيين الأرثوذكس الذين قاتلوا الغزاة مع مسلمي المنطقة. (حسب ما أورد كلاً من ألبرت حوراني و”فيليب حتى” في كتابه تاريخ سوريا ولبنان). 

وهو ما جعل سكان الجبال يصبحون لاحقاً (بعد عام 1880) رواداً لعملية رفض الخضوع للقوى المستبدة التي حكمت المنطقة بمن فيهم الأتراك. ما يفهم منه أنه كان للاحتماء بالجبال دور حاسم في تعمق هذه النزعة الاستقلالية، ومن ثم لعب الاحتماء بالجبل دورا في تمكنهم من لعب دور الرواد في حركة التحرر القومي لمواجهة العثمانيين السنة. ومن البقاء خارج سيطرتها الثقافية. ومن الصراع الدائم معها وهو ما جعلهم يتميزون منذ القدم عن بقية سكان المنطقة. ولهذا ظل الفرنسيين يقدمون لهم الحماية. وهذا هو الأساس التاريخي الأقدم للعلاقة المتينة القائمة حالياً بين المسيحيين خاصة الموارنة وبين فرنسا. 

ثانياً: لم يتمكن الأوروبيين الجدد (دول غرب أوروبا) في فترة نهوضهم الجديد (على عكس المقدونيين والرومان وما عرفوا بالصليبيين) الذين كانوا يجتاحون البلاد سابقاً لينهبوها فقط، من خلق أي قاعدة لهم في الشرق الأوسط بسبب القوة التي كانت ما تزال الدولة العثمانية تتمتع بها والتي كانت تستند إلى الرابطة الدينية. وبسبب الأنفة والعزة القومية للعرب الرافضين للغرب المسيحي الذي غزا بلادهم أكثر من مرة. 

– الدور المميز لفرنسا: من المفيد تذكر أن لفظ الفرنجة كان يطلقه العرب على الصليبيين الذين قدموا من فرنسا والمناطق الخاضعة لحكم “شارلمان” وعلى الرغم من هزيمة الصليبيين والفرنجة إلا أن قسما من الفرنجة ظلوا في لبنان. وهو ما جعل لـ “فرنجة” فرنسا بقايا بشرية جينية وثقافية في لبنان. ولهذا فبعد فشل غزوة نابليون بونابرت للمنطقة عام 1799 (مصر وفلسطين وحصاره لعكا التابعة لإيالة صيدا) تمكن الفرنسيين من الولوج إلى المنطقة معتمدين على النفوذ المعنوي والروحي القديم لهم في لبنان، ومع شدة الصعوبات ظلوا مًصرين على الولوج إلى الساحل الشرقي للمتوسط من خلال لبنان، لعلاقتهم به من أيام الصليبيين فوجدوا في الإصلاحات التي أجراها إبراهيم باشا بعد احتلاله لبلاد الشام. (مع الإشارة إلى كثير من المؤرخين يشيرون أنه كان للفرنسيين اللاساليين واليعاقبة دور كبير في دعم محمد علي باشا وابنه إبراهيم في غزو الدولة العثمانية وفي دعم الإصلاحات التي قام بها في سوريا وخصوصا في لبنان. وبعضهم ذهب إلى الزعم أن فرنسا قدمت للمصريين في عهد محمد علي باشا دعماً عسكرياً وسياسياً لاحتلال الشام وتحديدا لبنان، وبأنه تأثر باللاساليين (المساواتيين). ما جعله يساوي بين المسيحيين والدروز المسلمين مع يهود الشرق. ونذكر من نسي أن “محمد علي باشا” سمح بدءاً من عام 1836 لليهود الغربيين. لأول مرة في التاريخ. الإقامة في القدس خلافاً لما تم الاتفاق عليه بين مطران القدس “سفرونيوس” وعمر ابن الخطاب عام 636 بعدم دخولهم القدس إلا للعبادة والزيارة فقط وليس للإقامة. ونذكر بأن حق الإقامة الدائمة لليهود في القدس تم فرضه لأول مرة في التاريخ منذ عام 135م من قبل ابراهيم باشا في عام 1832. ثم قام السلطان عبد العزيز (1861، 1876) بإنشاء ما سميت متصرفية القدس. وهو ما استندت عليه لاحقاً جميع الدول الأوروبية، وبخاصة بريطانيا لتوجيه هجرة يهود أوروبا الشرقية وروسيا إلى فلسطين للإقامة فيها بدلاً من التوجه نحو بريطانيا. (حيث عملوا جميعاً على التخلص من اليهود الهاربين من ظلم قياصرة روسيا، بتشجيعهم على الهجرة إلى فلسطين. وهو ما اتضح بتصريح تقدم به بلفور (المعادي لليهود) والذي كان يومها وزيرا لخارجية بريطانيا عام 1917 ومن ثم تحول الوعد إلى صك انتداب رسمي رعته عصبة الأمم عام 1922 ثم الأمم المتحدة بقرار تقسيم فلسطين 1947. انتهى بإقامة دولة لليهود فقط (بينما لم تقم دولة للعرب الفلسطينيين). لتكون قاعدة لتحويل الشرق الأوسط كله إلى محمية لهم. وهذا ما يتم العمل عليه اليوم من خلال ما تسمى عملية السلام. لهذا لابد من الربط بين ما جرى يوم ظهور متصرفتي جبل لبنان والقدس، وما يجري اليوم. في المنطقة ولبنان. 

– المرحلة التمهيدية وظهور المسألة الشرقية: مع أنه لا وجود لعملية فصل بين مرحلة وأخرى. لكننا لسهولة البحث نرى أن هذه المرحلة تمتد من عام 1798 (غزوة نابليون لمصر) مروراً بمؤتمر لندن حتى عام 1812 والذي انعقد بين القوى العظمى الخمس بريطانيا وفرنسا وروسيا وبروسيا والنمسا بعد هزيمة نابليون بونابرت وانتهاء بعام 1838 تاريخ انتهاء حملة محمد على باشا على سوريا. 

 فبعد أن اتضحت معالم انهيار الدولة العثمانية. ظهرت على العلن ماسميت يومها بـ “المسألة الشرقية” والتي اعتبرها بعض المؤرخين والمفكرين: مسألة وطريقة تعامل الغرب مع الأقليات والإثنيات العديدة في الدولة العثمانية بما يعمل على إنهائها. وهو ما تحقق لهم من خلال النتائج الأولية للحرب العالمية الأولى وما تم تثبيته عام 1916. باتفاق بين سايكس وبيكو، بين كل من فرنسا وروسيا وبريطانيا وبتوقيع وموافقة إيطاليا والذي تم فيه تقسيم سوريا بين الأطراف الثلاث. وبشكل رئيسي لفصل فلسطين من سوريا مقدمة لإعطائها لليهود الصهاينة. 

أما فيما يتعلق بالمراحل الرئيسة لظهور لبنان فسوف نقسمها إلى ثمان مراحل (مع أنها واحدة ومتداخلة) كطريقة لتسهيل الدراسة. 

 مرحلة تمهيدية خفية طويلة وقديمة تطرقنا لها سابقا، وسبع مراحل ظاهرة وحديثة. بما أن تلك المرحلة التمهيدية مهدت للبنان الحالي نظريا. وكونها تميزت بصراعات وتحالفات وتقلبات مريرة وعابرة بين كل من والي عكا والفرنسيين والسلطنة والشهابيين. وبما أنها باتت من الماضي والتاريخ المعتم الذي أسس للمرحلة الأولى لذا سنقفز عن أحداثها وننتقل مباشرة إلى.. 

المرحلة الأولى، والتي تمتد من عام 1861 إلى عام 1920 ومن ثم إلى المرحلة الثانية والتي تمتد إلى عام 1943 ثم ثالثة تمتد إلى عام 1958 (بدء الهيمنة الأمريكية على المنطقة ولبنان) ورابعة تبدأ عام 1976 (دخول القوات السورية إلى لبنان) وخامسة تبدأ عام 1989 (اتفاق الطائف). وسادسة تبدأ عام 2005 وسابعة بعد خروج القوات السورية رسمياً من لبنان حتى اليوم. 

 

 (المرحلة الأولى) : مرحلة إقامة متصرفية جبل لبنان: 

مع أن المرحلة الأولى لنشأة كيان يحمل اسم لبنان بدأت بالظهور كهيولى عام 1842، وتجسدت عملياً عام 1860 بعد أن نزل على ساحل لبنان ستة آلاف جندي فرنسي ومن ثم رسمياً عام 1861 حيث أقرت الدول الكبرى المتصارعة على فكرة قيام متصرفية جبل لبنان لوقف الصراعات الطائفية فيه والناتجة عن ضعف السيطرة العثمانية. والتي لم تكن ظاهرة للعيان، لكنها بدأت تتميز عن غيرها من المناطق من خلال التغلغل الغربي والفرنسي حيث تم إدخال 3000 جندي آخر عام 1868. لذلك لابد من فهم عدد من الأمور البعيدة عن لبنان. 

أولاً: نتيجة للخلافات التي ظهرت بين الأوروبيين على توزيع الحصص بينهم. الأمر الذي مكن والي مصر محمد علي باشا من تشكيل جيش قوي ومكن فرنسا (أو لنقل تركوا المجال مرغمين لفرنسا) كي تدعم محمد علي باشا عسكرياً وعلمياً حيث بنى اسطولاً حربياً ضخماً وحديثاً. ثم سكتوا مرغمين أو متقبلين توسعه في الحجاز وبلاد الشام كون ذلك سيؤدي إلى تدمير وإضعاف الدولة العثمانية من الداخل لذلك سكتوا عليه. والبعض يرى أنهم دعموا غزو محمد علي لبلاد الشام وسكتوا تهديده للقسطنطينية كي يبتزوا السلطان مراد. وبعد أن حصلوا على ميزات وتعهدات من السلطان وجهوا لجيشه محمد علي وأسطوله الحربي عام 1838 (عندما وصل إلى اليونان) ضربة قاصمة أجبرته على الانسحاب أيضاً من بلاد الشام، والاكتفاء بحكم مصر والسودان. وأرغموه أيضاً على تقبل الخضوع للدولة العثمانية والوصاية الأوروبية معاً. وفي هذه المرحلة ظهر سلاطين بني عثمان المنتمين للحركة الماسونية (عبد العزيز ومراد الخامس وعبد المجيد وكثير من القادة والولاة الصغار في المتصرفيات). حيث ساهموا في فتح المجال لليهود للتمدد في الأستانة والمنطقة ومن ثم في فلسطين (متصرفية القدس). 

ثانياً: بعد انسحاب قوات محمد علي باشا نهائياً من لبنان عام 1840 وجد دروز جبل لبنان في ذلك فرصة لاستعادة هيمنتهم السابقة على الجبل التي نزعها منهم جيش ابراهيم باشا. (وهذا ما لحظه الإنكليز فدعموا زعماء الدروز وأمدوهم بالسلاح، فاشتبكوا مع الموارنة وقتلوا بعضاً من مطارنتهم. مما أوجد ذريعة للفرنسيين للتدخل بحجة حماية المسيحيين من الذبح. الأمر ذاته فعلته بريطانيا التي تذرعت بحماية الدروز. الأمر ذاته فعلته كلاً من النمسا وإيطاليا لحماية الكاثوليك وروسيا لحماية المسيحيين الأرثوذكس وبروسيا لحماية المسيحيين البروتستانت. وهكذا أصبح لكل دولة في لبنان طائفة أو فئة تحميها وتتخذ منها قاعدة لتحقيق أهدافها ومصالحها الاقتصادية والسياسية. 

ثالثاً: بما أن السلطان العثماني عبد العزيز (المتهم بالماسونية) كان يتمتع بعلاقات جيدة بالمستشار النمساوي الفذ “مترنيخ”. فلقد قبل عام 1842 باقتراحه القاضي بقيام “نظام القائمقاميتين” (لسحب البساط من تحت أقدام الفرنسيين والروس والإنجليز ليحول دون تدخلهم في الشرق). واحدة للدروز وأخرى للمسيحيين كطريقة لفض النزاع بين الطرفين. لكن بسبب التداخل بين سكان الاثنتين على الأرض الضيقة في جبل لبنان. وبسبب التنافس على الأراضي القليلة القابلة للزراعة. وعلى السلطة والنفوذ، فلقد نشأت عام 1848 معارك حامية بين الطرفين (يشير بعض المؤرخين أنه كان لبعض عملاء الدوائر الاستعمارية داخل الطرفين دور في تأجيجها، ساهم ضعف وتآمر ولاة السلطان في قيامها وفي حدوثها أو عدم تلافي آثارها. حيث راح ضحيتها العشرات، تلتها حرب أخرى عام 1860 (امتدت لتطال جميع المسيحيين بما فيهم مسيحيي دمشق). حيث لم تتمكن “جندرمة” السلطان من إيقافها مما استدعى اجتماع الدول الأوروبية الخمسة. وقرروا التدخل عسكرياً لوقف المجازر الحاصلة. فأرسل الفرنسيين حوالي ثلاثة آلاف جندي لحماية الموارنة مما استدعى استعانة زعماء الدروز بالإنجليز. وطلب الكاثوليك من الطليان حمايتهم وكذلك فعل الأرثوذكس فطلبوا حماية روسيا.. مما اقتضى لوقف التدهور اجتماع جديد في اسطنبول (عام 1861) توافقت فيه الأطراف على إقامة نظام جديد خاص لجبل لبنان بدلاً من نظام القائمقاميتين. تحت قيادة متصرف مسيحي تعينه فرنسا وكحل وسط عين رجل أرمني يحمل الجنسية التركية أطلق على هذا النظام “نظام متصرفية جبل لبنان” بما يحقق للجميع مطامحهم، بما فيهم السلطان (الذي زُعم أنه كان يقع تحت تأثير الماسونية). 

وهو ما أتاح المجال للدول الأوروبية الأخرى (النمسا وبروسيا وإيطاليا وروسيا) أن توجد لنفسها من خلال نظام الامتيازات الخاص الذي تتمتع به المتصرفية لأن يوجد لها مكاتب قنصلية ومدارس ومستشفيات بما يتيح لها نفوذاً سياسياً خاصاً بها ليس في جبل لبنان فقط، بل لتتخذ منه لاحقاً منطلقاً وقاعدة للتمدد في المنطقة العربية المتوسطية الخاضعة للهيمنة العثمانية. من خلال تعاونها مع أحد الأقليات (الملل) أو العمل على رعايتها وحمايتها. وهكذا راحت كل منها تتنافس في إغداق المساعدات المالية وبناء المدارس والمشافي والجمعيات والمصارف والقنصليات التجارية، وتصدير الآليات والأدوات لكسب موالين لهم. وكان هذا سبباً في نشوء نهضة في متصرفية جبل لبنان التي حكمها أول مرة أرمني تركي) جعلته محل حسد من يحيطون به من المسلمين (الشيعة والسنة في الجنوب وطرابلس والبقاع وبيروت). 

مع كل ذلك نذكر هنا بنقطة أساسية أشار إليها “ستيفن هاملي لونغريغ” في كتابه تاريخ سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي. في الصفحة 149). تؤكد على دور الموارنة في إقامة متصرفية جبل لبنان ولبنان الحالي “لم يكن الفرنسيين قادرين على مقاومة المطالبات المشددة للموارنة، ليس للإبقاء على الامتيازات التي حصل عليها المسيحيين في الجبل فحسب. بل من أجل خلق دولة لبنانية مختلفة عما هو سائد في المنطقة يمكن أن تكون ملاذا للمسيحيين والتي شكلت لوقت طويل حلما لكثير من الموارنة” بالرغم من أن صيحة غالبية اللبنانيين كانت تنادي بالوحدة مع سوريا، والتي رفضها الفرنسيون، وقاموا بضم الدويلات الأربع السورية (دولة جبل العلويين، دولة وجبل الدروز ودولة حلب ودولة دمشق) لما باتت تسمى اليوم “الجمهورية العربية السورية” وأبقوا على لبنان بشكله الحالي منفصلا عن الدويلات الأخرى ليكون ملاذا للمسيحيين بحماية فرنسا”. وهو ما أشار إليه فواز طرابلسي بقوله كان للجنرال الفرنسي الماصوني “موريس ساراي” دور حاسم في دعم فكرة لبنان الفينيقي والمسيحي ومن بعده الماصوني “موسى غور” زعيم زحلة ومن ثم شارل قرم الذي أصدر المجلة الفينيقية ثم ميشال شيحا وثم إيميل وريمون إده (وهو ما تغنى به لاحقاً الشاعر سعيد عقل) وسلم به أنطون سعادة وحزبه القومي السوري. وسعى من خلاله لأن تكون سوريا (السريانية) كلها ملاذا للمسيحيين وللأقليات القومية الأخرى مثل الآشوريين والكلدان. بينما ذهب بعض المتشددين المسيحيين إلى ضم لبنان إلى فرنسا (كما فعلت فرنسا بالجزائر) وإلى اعتبار اللغة الفرنسية لغة رسمية وقطع أي علاقة للبنان بالعرب كما فعل كمال أتاتورك في تركيا. بينما أعطى الطرابلسي ومهدي عامل الدور الحاسم لـ “الأوليغارشية” التجارية والمالية الدور الحاسم في جعل لبنان دولة مستقلة. دون أن يهتم أي منهما فيما إذا كان ذلك سيجعل من لبنان موضع توتر خارجي مع بيئته العامة السورية، وداخلي بين طوائفه المختلفة (رفض الهيمنة المسيحية والتبعية لفرنسا) أم لا. ولعله أراد ذلك متعمدا بما يتيح لفرنسا التدخل في لبنان والمنطقة أكثر من مرة. وهو ما عاد للظهور مجدداً يوم 4 آب 2020 بعد انفجار مرفأ بيروت. ولهذا سعت فرنسا لتشريع وجودها في المنطقة منذ ذلك الوقت. استناداً لما قال “ستيفن لونغريغ”: “سعى الحقوقيين الفرنسيين للربط بين قيامة لبنان مسيحي على أساس دستوري وبين خلق ولاء لبناني شامل لفرنسا. خاصة لدى سنة وشيعة لبنان. لكن أغلب هؤلاء رفضوا هذا الولاء للبنان المسيحي ولفرنسا وراحوا وما زالوا يسعون للالتحاق بأهلهم في سوريا (ص 275). 

وهنا نستبق الأمور كي نؤكد على أنه كان للعامل الاقتصادي والميل للتحرر من العثمانيين دور كبير في جعل المسلمين يتقبلون العيش في – والتعامل مع المتصرفية ومع قناصلها الغربيين (المسيحيين) مما خلق بعد ثمانين عاماً، قبولا عاماً لزعمائهم بنظام المتصرفية والانضواء تحت لواء ما أطلق عليه غورو (لبنان الكبير). وإن كان ذلك تحت قيادة المسيحيين وفرنسا (التي بدأت تعيين المتصرف) بسبب الإنجازات الكبيرة التي أحدثتها فرنسا والدول الغربية في لبنان. حيث لعبت المنافع المادية التي حصلوا عليها دوراً كبيراً في الرغبة من التحرر من العثمانيين. مما ينفي أي دور للعامل الديني في موافقة السنة والشيعة والدروز في الانضمام، وفي إقامة لبنان. حيث كان للإنجازات التي حققتها الدول الغربية في جبل لبنان وبيروت والتي لم يسبق لبلد عربي أن شهد مثيلاً لها مثل مد الطرقات المعبدة والتراموي والكهرباء ومد أنابيب المياه إلى البيوت وبناء المدارس والمشافي وصناعة الحرير والتبغ وإقامة المصارف والفنادق والمكاتب التجارية وتجارة الترانزيت.. إلخ. وهو ما جعل الوضع في لبنان منذ ذلك التاريخ مستقرا بل ومزدهراً. ما أتاح للبنان أن يكون أول بلد عربي يشهد نهضة عمرانية وحضارية مميزة ويحصل على استقلاله السياسي عام 1943. وكان سبباً للتوافق بين زعماء المسلمين (حتى لو تحت حماية الفرنسيين وهيمنة الموارنة) والمسيحيين على الانفصال عن سوريا، وصياغة ما سمي “الميثاق الوطني اللبناني” بما يتيح للطرفين المسلم والمسيحي التعايش في لبنان منفصل عن سوريا والعرب وموالي للغرب. شريطة ألا يكون أو يصبح ممراً أو موقعاً للتآمر على سوريا، وهذا ما أتاح للبنان النهوض والتطور، ولأن يكون ويصبح منارة للحرية والتقدم والرفاه في المنطقة من جهة. لكنه من جهة أخرى خلق وضعاً قلقاً ومتفجراً داخل لبنان بسبب أن الأساس الذي تم على أساسه قيام المتصرفية ولبنان الكبير غير سليم. وكان لابد لتجميع هذا الخليط من المسيحيين والمسلمين السنة والشيعة والدروز والعلويين أن يكون وأن يظل هذا عامل تفجير دائم وعدم استقرار. 

 

 

 

 

الفصل الرابع:
لبنان تحت الانتداب الفرنسي: 

المرحلة الثانية: من عام 1920 إلى عام 1943 

 ظهور لبنان الكبير (الحالي) : 

خلفية تاريخية: 

تتميز هذه المرحلة من تاريخ العالم والمنطقة العربية باشتداد الصراع على تقاسم النفوذ بين الدول الاستعمارية للسيطرة على تركة الدولة العثمانية. وبخاصة بين كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا وإيطاليا ومن وراء الجميع كانت الحركة الصهيونية تتلطى وتعمل -كما يقال – من تحت لتحت أو من وراء الجميع. حتى تم التوافق بين سايكس وبيكو عام 1916 (وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا). على أن يتم تقسيم سوريا الطبيعية بينهما وذلك بإعطاء فرنسا حق الانتداب على سوريا ولبنان بينما حق الانتداب على فلسطين وشرق الأردن لبريطانيا كنوع من التواصل بين مستعمراتها في الشرق من العراق وإيران إلى الباكستان والهند والغرب في كل من مصر والسودان. مع توافق القوى الأخرى على أن تعمل بريطانيا على تنفيذ الوعد الذي قدمته لزعيم اليهود روتشيلد. على أن يعطى لروسيا حق إدارة الأماكن المقدسة للمسيحيين الشرقيين في فلسطين. 

دور الحركة الصهيونية في اصطناع لبنان: 

مع أن الدور الذي تلعبه الحركة الصهيونية في المنطقة اليوم بات واضحا للعيان إلا أن هذا الدور لم يكن بهذا الوضوح في تلك المرحلة. حيث أثبتت الوقائع الراهنة أنه كان لها في تلك المرحلة دور أكبر في عملية التقسيم. وبالتالي في ظهور لبنان خارج تلك الهيمنة وبالتالي فيما وصلنا إليه اليوم. 

حيث تشير الوقائع التي بينها “وليام انغدال” في كتابه “مائة عام من الحرب” أنه لم يكن يتم أي أمر في المنطقة منذ الحرب العالمية الأولى حتى اليوم دون أخذ موافقة أو رضى الصهاينة. فالحماية الفرنسية لمتصرفية جبل لبنان عام 1919 (كان معروفا للصهاينة أنه سيكون البلد المجاور لما ستقوم عليه دولتهم في المستقبل). وهذا ما تبدى صراعاً قوياً بين الفرنسيين والصهاينة على الحدود بينهما والتي تمت تحت مراقبة وايزمن في مؤتمر صلح باريس. مما أرغم فيها فرنسا على التنازل عن أجزاء واسعة من شمال فلسطين للإنجليز(لتكون له). ومن ثم في تقبل جميع الحكومات التي فرضتها كل من بريطانيا وأمريكا في بلادنا. حيث بات من المؤكد أن حكومات تلك الدول إن لم تكن تعمل بصورة مباشرة لمصلحة الحركة الصهيونية كما عملت وما تزال وستظل فإنها كانت في تلك المرحلة مجبرة على أن تراعي مصلحتها أو لاتجرؤ على مخالفتها. إن لم نقل “تقديم ما يلزم لتأمين إقامة دولة لليهود في المنطقة”. وبالتالي يصبح من البديهي أن تتعاون، أو أن ترغم فرنسا على التعاون مع الحركة الصهيونية في طريقة وحدود تواجدها في لبنان وفي ترسيم حدوده معها. كونها ستكون مجاورة لدولتهم المزمع قيامها فلسطين. 

لذلك لم يكن احتلال فرنسا لكل من لبنان وسوريا عام 1920 سهلاً. على الأقل كونها لم تكن على علم بوعد بلفور أو لم تكن طرفا فيه أو لم تكن موافقة عليه كونه سيقيم لليهود دولة بجوار لبنان الواقع تحت الحماية الفرنسية والتي تعتبره امتدادا لها كما الجزائر. 

لذلك نلفت النظر إلا أن الصهاينة مع معرفتهم بأن فرنسا كانت قد اتفقت عام 1916 مع بريطانيا وروسيا إبان الحرب العالمية الأولى أن تكون سوريا ولبنان من حصتها. لكنها كانت تخشى أن يكون احتلال فرنسا لسوريا ولبنان معرقلا لقيام دولتهم في فلسطين. لذلك شجعوا وساعدوا بريطانيا على احتلال سوريا ولبنان عام 1918. ولهذا احتلت بريطانيا سوريا ووضعت عميلها الملك فيصل ملكا على سوريا ولبنان لينفذ الوعد الذي قطعه فيصل لوايزمن بتوسيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين. دون تجاهل استغلال بريطانيا انشغال فرنسا عن الساحة. حيث كانت تقاتل الألمان في أوروبا وتقدم الضحايا {أكثر من مليون جندي لتحرير الألزاس واللورين} ولهذا راحت بريطانيا تتوسع في بلاد الشام والعراق. وتثبت أركان عملائها أيضا في كل من سوريا ولبنان. والذين كانوا وظلوا لذلك يرفضون الحماية الفرنسية لسوريا ولبنان ويسعون لإخراجها من سوريا ولبنان. وهو ما اتضح من خلال قرارات المؤتمر السوري الأول الذي عقد في دمشق عام 1919 الذي رفض الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان وطالب بحماية بريطانية أو أمريكية. وهوما اتضح لاحقاً من خلال دعمهم لثورة سلطان باشا الأطرش ولكل الحركات المعادية للاستعمار الفرنسي في سوريا ولبنان. الأمر ذاته فعله القوميين العرب (في سوريا ولبنان وفلسطين) لكنهم كانوا يتلقون الدعم من أمريكا لمواجهة تحركات الموالين لتركيا وألمانيا، لذلك طالب هؤلاء في المؤتمر السوري الأول وظلوا يطالبون بإقامة دولة عربية واحدة بحماية أو رعاية أمريكية. بينما راح الأتراك الكماليين على الضد منهم يدعمون ثورة إبراهيم العلي في حلب وإدلب واللاذقية ضد فرنسا التي كانت تحتل أجزاء واسعة من تركيا (حتى إزمير). كذلك فعلت كلاً من ألمانيا وإيطاليا (اللتان كانتا تسعيان لإعادة أمجاد الإمبراطورية الرومانية القديمة) فدعمت كلاً من الحزب القومي السوري وحزب البعث. في حين راحت روسيا السوفيتية تدعم الوطنيين والشيوعيين وكل من يدعو للتحرر من الاستعمار ولو كان شيخا (مثل محمد الأشمر الحائز على وسام لينين). وبما أن وجود الملك فيصل ملكا على العرب في سوريا (المدعوم من بريطانيا والحركة الصهيونية) كان يشكل عائقاً أمام المصالح الفرنسية في المنطقة واحتلالها لسوريا ولبنان لذلك طالبت بطرده. ولما رفض ذلك اضطرت فرنسا أو أرغمت على احتلال لبنان ثم سوريا بالقوة عام 1920 بعد (معركة ميسلون) وهذا ما أدخل فرنسا في مواجهة طويلة مع الفصائل الوطنية والشعبية المتعددة للشعب السوري والمدعومة من قوى أخرى مثل بريطانيا وتركيا وألمانيا وروسيا وأمريكا. لذلك كان لابد لها من أن تعامل اللبنانيين بطريقة مختلفة عن طريقة تعاملها مع دول المغرب. كي تكسبهم إلى جانبها لمواجهة كل هؤلاء الأعداء. وذلك على الرغم من أن لبنان كان أو أصبح منذ عام 1861 موالياً لفرنسا وتقبل الاحتلال الفرنسي عام 1920 دون مقاومة تذكر. إلا أن الأطماع البريطانية والألمانية والإيطالية والأمريكية خاصة الصهيونية، في المنطقة لم تترك لبنان يوما واحدا لفرنسا وحدها، ولم تترك الشعب اللبناني لها حيث، كما كانت ظلت وستظل تدعم أحد الطوائف أو الأحزاب لذلك كان الصراع بين أحزابها وطوائفها قائماً في ظل الانتداب الفرنسي. وما زال قائماً حتى اليوم. وإن لم تجد تلك الدول طائفة تدعمها ستبحث عن فئة من أية طائفة كي تدعمها كما دعمت (حزب الكتائب (الجميل) والكتلة الوطنية (ريمون إده) المدعومين علناً من فرنسا إيطاليا وحزب الوطنيين الأحرار (كميل شمعون) من قبل بريطانيا والقوميين السوريين (التابعين فكرياً والمدعومين من دول المحور (ألمانيا وإيطاليا). والقوميين العرب والبعثيين (المدعومين من بريطانيا وأمريكا) والوطنيين والشيوعيين (المدعومين من السوفييت والروس حتى اليوم). 

وهو ما تجلى بدعم بريطانيا لعدة انتفاضات قامت بها أطراف وطنية لبنانية لا تتبع لأحد أو كانت تلجأ لاغتيال الزعامات الوطنية حتى تمكنت بريطانيا عام 1942 من تحريك قواتها الموجودة في فلسطين وتحتل لبنان وغرب سوريا بحجة طرد عملاء الألمان (من عينتهم حكومة فيشي المتعاونة مع النازية في فرنسا). وهذا ما ساهم في تمكين سنة لبنان بزعامة رياض الصلح بالتحالف مع حزب الوطنيين الأحرار بزعامة كميل شمعون، وجعله يتحالف مع حزب الكتلة الوطنية بزعامة “ريمون إده” ومكن الجميع كحل لذاك الصراع من فرض حكومة جديدة متعددة الولاءات (الصلح وخوري وإدة وجنبلاط والأسعد) وبالتالي أرغمت فرنسا على إخراج قواتها العسكرية من لبنان عام 1946. لكن مع ذلك فإن غالبية أبناء الشعب اللبناني بطوائفه المتعددة (خاصة المسيحيين الموارنة) ظلوا على ولائهم العام لفرنسا. وكما لم، لن يقبلوا بهيمنة بريطانيا أو أمريكا أو أي قوة أخرى على بلدهم. 

النشأة الرسمية للبنان الحالي : 

من المفيد أن يتذكر من يتمسكون بوحدة الأراضي السورية أو اللبنانية أو الذين يتغنون بسوريتهم ولبنانيتهم وفلسطينيتهم أن ذلك كان -على الأقل- كما أذكر – حتى قبل ستين عاماً :ن كل من كان يتغنى بسوريته أو لبنانيته أو فلسطينيته مدعاة للهزء والمسخرة والاتهام بالعمالة- ليس لأن الصلات الاجتماعية والثقافية والروحية بين سكان هذه البلدان كانت قوية وكانوا يتصرفون على أنهم شعب واحد. بل لأنهم كانوا كذلك فعلاً,  ولأنهم يعرفون أن هذا كان من نتائج ما فعله الاستعمار والصهيونية فيهم لتقسيم الوطن العربي -خاصة مشرقه- وبأنه كان يهدف إلى فصل فلسطين عن سوريا لينفرد بها اليهود الصهاينة. وفصل لبنان عن سوريا . وهذا ما أتاح لفرنسا كسب لبنان إلى جانبها. الأمر الذي حققته فعلاً عام 1943 من خلال موافقتها على استقلال وفصل لبنان عن سوريا وبقاءه تحت رعايتها من خلال توافقات امريكية بريطانية (حيث لعب المصريين عملاء بريطانيا دور كبير في إقناع العرب المسلمين القبول بالهيمنة (الرعاية الفرنسية لهم والمسيحية عليهم) من خلال ماسميت وثيقة الميثاق الوطني اللبناني غير المكتوبة والتي تم الاتفاق فيها بين رياض الصلح وبشارة الخوري على إقامة لبنان بتلك المساحة. وأن يتم تقاسم المناصب الكبرى بتلك الطريقة الطائفية المتفجرة. حيث أجريت صفقة تم بموجبها مقايضة (وتخلي) السنة عن الولاء والتبعية لسوريا الأم مقابل تخلي المسيحيين عن الولاء والتبعية لفرنسا والغرب وقبولهم بالهوية العربية للبنان المستقل. وبأن لايكون أو أن يصبح لبنان موضعاً أو مكاناً للتآمر على العرب وبخاصة على سوريا. 

 لكن للأسف – لم يحدث هذا الأمر بسبب أن لبنان أصبح لبنان في عهد شمعون مركزاً للتآمر على العرب (بسبب موافقته على الدخول في حلف بغداد) وبسبب أن ذلك الفصل والتجمع والتكوين الطائفي كان ومازال مخالفا للتاريخ والجغرافيا لذلك – كما كان، مازال موضع تفجير وصراع وخلاف. وكان لابد من أن يظل موضع تفجير حتى اليوم. ولذلك استعرضنا هذا التاريخ المعقد الذي دون الإطلاع عليه سنضيع ونضوع غيرنا. 

وفي هذا السياق من المفيد التذكير بأن أغلب سكان الجنوب والشمال الذين كانوا يخضعون لحكم العائلات الإقطاعية مثل آل سلام وآل حمادة والأسعد والخليل والأحدب.. إلخ. (قبل عام 1943) أرغموا بالقوة على قبول ضم مناطقهم للبنان الكبير الذي أعلن عنه غورو. مع أن البعض فسر سكوتهم على ذلك لفترة طويلة دلالة على الرضى به. إلا أن دلائل كثيرة (أكثر) تشير إلى أن أغلب زعمائهم ونخبهم قبلوا بذلك رغبة بالاستقلال عن فرنسا وليس بسبب الرغبة بالانفصال عن سوريا. بدليل أن زعامات مثل آل كرامي (عمر ورشيد) وكامل وأحمد الأسعد، ظلت تقاوم عملية الضم التي قام بها الانتداب الفرنسي وتسعى للوحدة مع سوريا. (وهو ما أكده كما سأبين لاحقا) كل من السيدين رشيد كرامي وكامل بيك الأسعد الثاني “حفيد كامل الأسعد الأول” رداً على سؤال طلب مني الأستاذ نافذ حوراني توجيهه لهما عام 1958 حيث قالا بكلمات مختلفة) إن (أجدادهم وأغلب أبناء السنة والشيعة في لبنان) ظلوا يرفضون عملية انضمامهم (القسرية) للبنان الكبير وتحت هيمنة المسيحيين والفرنسيين. وظلت تقاومها وتدعوا للوحدة مع سوريا. بدليل أن مؤيدي (أحمد بك الأسعد زعيم حزب النهضة) من شيعة الجنوب قاموا بمسيرة من جبل عامل في جنوب لبنان إلى دمشق عام 1958 طلبا للوحدة مع مصر وسوريا. “ولذلك ظلت غالبية الشيعة ترفض عملية الضم القسرية للبنان حتى عام 1936 ولهذا اضطر ريمون إدة ليكسبهم أن يطالب فرنسا بإعطاء لبنان استقلاله. ولهذا يفترض ألا نستغرب ولاء الشيعة حتى اليوم لسوريا، حيث كانوا يفضلون أن يبقوا كما كانوا عبر التاريخ جزءاً من سوريا (وذلك لم يكن بسبب ثورية أو وطنية أو قومية حكام دمشق السابقين أو الحاليين، بل لأنهم فعلا جزءا من سوريا) ولهذا كان ومازال كثير من السنة والشيعة (القوميين حقيقة وفعلاً)، والذين ينتمون اليوم لأحزاب مثل القوميين العرب والقوميين السوريين والناصريين والوحدويين واليساريين (حركة معروف وأسامة سعد وشاتيلا، وواكيم ورحمة. إلخ) ويسعون للوحدة مع سوريا. لكنهم أرغموا عام 1943 على ذلك الانفصال والانضمام للبنان (بسبب احتلال بريطانيا لسوريا، بعد هزيمة حكومة فيشي عام 1943). فوافقوا على صفقة الاستقلال مقابل الانفصال عن سوريا والانضواء تحت لواء دولة لبنان الكبير والتي سوف يتزعمها ويقودها المسيحيين والموارنة بحماية فرنسا غير المباشرة. وظلوا كذلك حتى تسلم حزب البعث الحكم في سوريا عام 1963. حيث ألغي البعثيون النظام النيابي في سوريا وحولوها إلى نظام استبدادي شمولي وقمعي. فأوقفوا بذلك الميل التاريخي العميق للتوحد مع سوريا. 

وهنا نلفت نظر منظري ونخب هؤلاء المنظرين المتمسكين بلبنانيتهم بأن عليهم اليوم أن يميزوا بين الانتماء لسوريا الكبرى المسلمة شكلاً لكن البرلمانية الديمقراطية فعلاً والتي كانت تقودها الكتلة الوطنية بزعامة شكري القوتلي وخالد العظم وبين سوريا الوحدة العربية التي نادى بها عبد الناصر وأقامها والتي كانوا ومازالوا يحلمون بها. وبين سوريا الحالية الاستبدادية التي يحكمها آل الأسد ومخلوف بالرعب. 

 

الولاء للحرية: 

لا نبالغ إذا قلنا أن تلك النزعة القديمة للحرية في لبنان مكنت القوى المختلفة من التوافق على استقلال لبنان عام 1943 وفي تميزه عن غيره من البلدان العربية ولهذا ترسخت فيه الروح الوطنية اللبنانية الممزوجة بالحرية أكثر من غيره وهو ما جعل منه في هذه المرحلة بمثابة منارة للحرية والتقدم في المنطقة وهو ما جعل العرب يقبلون أن يكون ويصبح لبنان صلة وصل بين الشرق والغرب. واعترافا منهم بالصلات الدينية والإثنية بين مسيحيي الشرق والأوروبيين والتي لم تنقطع حتى بعد خروج الصليبيين (الفرنجة) عام 1298م بل ظلت قائمة ولو على المستوى الروحي. لذا لا يمكن أن ننكر أن هذا مكن المسيحيين العرب في سوريا ولبنان من الاستفادة من التقدم العلمي والثقافي والعلمي الذي أحرزته أوروبا أكثر من المسلمين، فيهما – خاصة في مجال التعليم والتجارة والترانزيت والعمل في البنوك والصيرفة والتحويلات المالية بين لبنان وبين كثير من دول المنطقة وخاصة الخليجية مع كل من أوروبا وأمريكا. وهذا ما أدى إلى ظهور حركة نهضة مدنية في لبنان، أعطت له دوراً مميزاً انعكس على جميع اللبنانيين سنة شيعة ومسيحيين؛ غنى مادي وفكري وتحرر اجتماعي مكنهم من الانفتاح الفكري والاجتماعي أكثر من غيرهم في الدول العربية على الغرب وفرنسا وتقليد نمط حياتهم. وهو ما جعل عامة اللبنانيين يصبحون أكثر تقبلاً لحركة التنوير والتقدم والتغيير وبالتالي جعل كثير منهم قادة لحركة النهضة العربية والتحرر من الهيمنة العثمانية ومن التخلف الفكري والعلمي والاقتصادي والاجتماعي، والذي كانت وما تزال تخضع له الشعوب الأخرى. خاصة بعد أن توقفت حركة النهضة الحديثة في مصر (بسبب الردة الدينية التي قام بها الإخوان المسلمين بزعامة سيد قطب حيث كان لوزارة المستعمرات البريطانية دور حاسم في تلك الردة الدينية للإبقاء على وجودها في مصر وقناة السويس).. 

وهكذا توسعت في لبنان أكثر من غيره حركة تنوير تمتلك قاعدة اجتماعية واقتصادية متينة أكثر من غيرها وفرت مناخ من الحرية الفكرية والسياسية لم تتوفر في أي بلد عربي آخر تمثلت بظهور شعراء وكتاب ومؤرخين ومفكرين كبار (جبران خليل جبران ونعيمة واليازجي وناصيف. وبطرس البستاني مؤلف أول موسوعة عربية وأخويه سليم ويوسف. وأحمد الشدياق.. إلخ) وكذلك فنانين وسياسيين. وهو ما جعله لاحقاً ملجئاً لكثير من السياسيين والكتاب والمفكرين والصحفيين والشعراء السوريين والعرب الفارين من بطش الأنظمة العربية، ومن ناحية أخرى مركزاً للتجسس ولعمل جميع أجهزة المخابرات الدولية. وهذا موضوع يتطلب كتاباً خاصاً، مع أنه عولج في كتب كثيرة. 

لذلك بات لبنان (من جميع النواحي الجيوسياسية والاقتصادية والثقافية) مركزاً للتحرر والانفتاح والنهضة والحداثة، وفي ذات الوقت مركزاً للتآمر على الدول العربية لذلك باتت المسألة اللبنانية أكثر تعقيداً من أية مسألة أخرى. لذا فإن تفكيكها إلى عدة قضايا ومسائل وتحليل كل منها منفردة، يعتبر من الناحية المنهجية (كما بينا في المقدمة) خطوة أساسية أو أولية نستطيع بعدها القيام بعملية تركيب. بما قد يمكننا من بناء تصور عام لحل شامل أو لعدة حلول ممكنة للبنان ولعموم المنطقة. والأصح خارطة طريق، لحل متحرك، قابل للتطوير والتعديل والتغيير كما جرى ويجري في الواقع. مع التأكيد على اكتسابها أهمية وأولوية خاصة، وأن تعالج المسألة بشكل مستقل. ولهذا نعطي للثورة اللبنانية الحاصلة اليوم أهمية خاصة. 

 (المرحلة الثالثة) : لبنان المستقل من 1943 إلى 1958: 

مع أن هذه المرحلة من تاريخ لبنان باتت من الماضي لكن مع ذلك نعتقد أن الأمور في لبنان وأغلب البلدان العربية مازالت في الجوهر على حالها منذ ذلك الوقت. مع تغير في بعض الأسماء والشعارات والعناوين والأحداث التي لن تتكرر بالضبط كم حصل في الماضي. 

ونحن إذ نتذكرها أو نعيد درسها فلأن ذلك سيمكننا من اكتساب رؤية قد تمكننا من منع تكرار ما حصل سابقاً من صراعات بين أدوات الدول الكبرى والإقليمية أو بعضاً منه. وبشكل خاص بما يتعلق بالتعمية الفكرية والسياسية التي يقوم بها اليوم دعاة ما يسمى محور المقاومة لإيران. والتي كما سيتبين لنا أن الهلال الشيعي اليوم ليس أكثر من تكرار هزلي لمشروع الهلال الخصيب الممتد من العراق إلى لبنان والذي طرح كعنوان رئيس لتلك المرحلة (1943- 1958) بأسماء قيادات وشعارات مختلفة عما يطرح اليوم. وتكرار لذات المشاكل من حيث انتشرت عمليات تهريب الأموال وإفقار الناس. بدليل أن كمال جنبلاط طالب منذ عام 1956 (كما ذكر فواز طرابلسي) بالكشف عن السرية المصرفية والثراء غير المشروع ورفع شعار “من أين لك هذا؟ ” (كما يحصل اليوم) وقام بتحميل رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية (شمعون) المتوافق مع التوجهات البريطانية والإسرائيلية للسير في حلف يمتد من طهران إلى بيروت مروراً بحلف بغداد (كما يجري اليوم لكن بقيادة الرئيس عون، نصرالله) وتحميل الرئيسين شمعون وعون مسؤولية تردي الأوضاع العامة للشعب اللبناني عامي 1958 و2020. 

لذا من المهم التأكيد على أن الوضع العام الناتج عن التبعية للغرب الإمبريالي لم يتغير كثيراً من ذلك العام إلى اليوم باستثناء تغيير المعلم الكبير والمباشر (أمريكا بدلاً من بريطانيا وفرنسا). 

حيث باتت أمريكا والغرب كله يستخدم إيران كما كانت بريطانيا تستخدمها سابقاً. و حيث كانت تستخدم أنصارها الشيعة في لبنان في عهد الشاه وجعلتهم يتحالفون مع شمعون المتحالف مع نوري السعيد في حلف بغداد، وكما كانت باتت وستظل تستخدمهما اليوم (بتسمية جديدة) كي تحافظ على هيمنة الغرب والصهيونية على المنطقة. بسبب غياب طرف عربي يمتلك مشروع سياسي واقتصادي جامع أو موحد. 

وهذا ما جعل ويجعل من البحث في ارتباطات كل طرف إقليمي أو محلي بالخارج أمراً أساسياً كيلا نضيع ونضوع أبنائنا. وأسوق كمثال على ذلك التضويع ما قام به “باتريك سيل” حول كل ماكتبه عن سوريا عن تلك المرحلة. 

مع أن كثيراً مما ذكره في كتابه “الصراع على سوريا” عن محورين (محور الهاشميين حكام العراق والأردن. ومحور السعودية ومصر من عام 1945 حتى عام 1958) صحيح وموثق ودقيق. لكنه كصحفي وعميل للمخابرات البريطانية ومن خلفها الصهيونية كان انتقائياً في عرضه لحقائق معينة وإخفائه لحقائق كثيرة. لذلك أخفى من كان ومازال يقف وراء هذين المحورين وما يدور في المنطقة من أحداث وتحركات لدول أخرى بعيدة عن المنطقة. حيث أخفى أن بريطانيا كانت تقف وراء المحور الأول وأمريكا وراء المحور الثاني. كما لم يشر للمحور الثالث الذي كانت تقوده ألمانيا وإيطاليا والنمسا وكذلك المحور الرابع الذي كانت تقوده روسيا السوفيتية. كما أخفى، بل وتجاهل الدور الحاسم والفعال الذي لعبته وما تزال الحركة الصهيونية العالمية في الخفاء من خلف ظهر كل من ألمانيا وبريطانيا وأمريكا وروسيا وتوابعهما في المنطقة. بما فيه وبشكل خاص في لبنان. لذا من المفيد تذكر ما قاله “سامي الصلح” (رئيس وزراء لبنان يوم 19 أيلول عام 1952 (الصفحة 217) على أثر فشل التحقيقات في كشف من كان وراء اغتيال أخيه رياض الصلح في عمان عام 1951 (فواز طرابلسي في الصفحة 223 من كتابه تاريخ لبنان الحديث) من أن: “ثمة قوة خفية كانت تقود لبنان وتعرقل عملية إصلاحه “كنوع من الإشارة والتأكيد على وجود هذه الأطراف الخارجية حتى اليوم. وهذا ما بات اليوم واضحا كما كان ما بين عامي 1952 و1958 (الفساد وتهريب الأموال والاغتيالات، خاصة الشخصيات اللبنانية الوطنية كما يحصل حالياً). والمسجلة ضد مجهول. والتحالف الخفي بين تلك القوى الداخلية والخارجية الساعية لمنع أية عملية إصلاح ذلك النظام السياسي الذي فرضوه على شعب لبنان. 

ومن هذه الزاوية أرى أن ما ينطبق على ما لم يقله باتريك سيل عن سوريا وعن الانقلابات التي حصلت فيها يفترض أن ينطبق على الانقلابات التي حدثت في لبنان أكثر. وهو ما يجعلنا نوسع من دائرة البحث من خلال تقديم إجابة على سؤال: إذا كانت إيران تقف اليوم خلف حزب الله كما كانت بريطانيا تقف خلف آل الأسعد. وإذا كانت أمريكا تقف وراء السعودية وتيار المستقبل فمن يقف خلف إيران والثنائي الشيعي؟ هل باتت إيران قوة دولية كبرى مقررة أكبر وأهم من روسيا والصين. أم أنها أداة منفذة لمشاريع قوى أخرى أكبر؟ 

نعود لنؤكد على ما قاله كمال صليبي (في كتابه تاريخ لبنان الحديث) من أن فرنسا وجدت أن إعطاء لبنان استقلاله (في ظل هذا الصراع المحتدم على لبنان) أجدى لها. خاصة على المدى البعيد فتكسب الشعبين السوري واللبناني إلى جانب سياستها في المنطقة والعالم. فراحت تتفاوض مع زعماء الثورة في سوريا ولبنان وتقيم معهم علاقات جيدة وهو ما تمخض عنه قرار استقلال لبنان عام 1943. وتكوين حكومة موحدة في سورية (من الدويلات الأربع التي شكلتها عام 1920 {دمشق وحلب وجبلي العلويين والدروز})، مقابل موافقة زعماء سورية أولاً على قيام أو انفصال دولة جبل لبنان الكبير عن سوريا الأم وبقائه تحت الحماية الفرنسية (من ذلك التاريخ حتى اليوم) وثانياً موافقة زعماء سوريا التخلي عن الأقضية الأربع للبنان. لذلك كان وظل أغلب زعماء لبنان السنة والشيعة في تلك الأقضية ذات الأغلبية المسلمة يقاومون الانضمام لدولة جبل لبنان الكبير ويفضلون التبعية لولاية سوريا. وهكذا تشكلت جمهورية مستقلة اسمها الجمهورية اللبنانية”عام 1943. بتوافق بن زعماء السنة مع كل من بريطانيا وفرنسا مع أن سوريا ظلت تحت الانتداب الفرنسي. حتى عام 1946. 

وهنا تطرح عدة أسئلة، لماذا بعد أن استقلت سوريا وخرجت من أراضيها كل من القوات البريطانية والفرنسية. لم يعمل سكان الأقضية الأربع (95% منهم سنة وشيعة) على المطالبة بالانضمام لسوريا استناداً لما قاله كلاً من السيدين رشيد كرامي وكامل الأسعد (ردا على سؤال طلب مني الأستاذ نافذ حوراني طرحه عليهما) “طالما أن الرغبة في الاستقلال لديهم كانت هي الطاغية بعد خروج فرنسا من سوريا ولبنان فلماذا لم يعملا على الوحدة معها بعد أن استقلت سوريا؟. فقالا كل بطريقتة بأنهما اليوم (في عام 1958 كانا يعملان في دمشق في فندق رمسيس على الوحدة مع سوريا. ) 

كما يقدم السيد “فواز طرابلسي في كتابه لبنان الحديث (في الفصل السابع) عن ذات السؤال، إجابة مكونة من شقين. الأول يزعم فيه أن الموارنة كانوا سيرفضون ذلك الأمر ويمنعونه بالقوة، مما قد يجر لبنان إلى حرب أهلية. وهو أمر أساسي في المسألة اللبنانية مازال قائماً حتى اليوم حيث أن احتمال جر البلد إلى حرب أهلية لمنع ذلك الانضمام سيظل قائماً إم لم تجري طمأنة المسيحيين بأنهم لن يكونوا رعايا. قد يرى البعض أن ذلك التوجه للانضمام لسوريا (الإقليم الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة) قد تم التخلي عنه من خلال مفاوضات جرت في فندق رمسيس بدمشق لهذا السبب تم التوافق على حل وسط يتضمن وقف انضمام المسلمين للجمهورية العربية المتحدة، مقابل إزاحة حكم كميل شمعون الموالي للغرب والتوقف عن الانضمام لحلف بغداد (التخلي عن الهيمنة البريطانية على لبنان). 

والشق الثاني يستند على فكرة أن البرجوازية التجارية (الأوليغارشية اللبنانية أو البرجوازية الطرفية والتابعة) الناشئة في ظل رعاية الدول الرأسمالية خلال المرحلة السابقة بدأت تستفيد من ميزات الاستقلال من خلال نشأة كثير من البنوك والمصارف والشركات وتجارة الترانزيت والمكاتب التجارية وحلولها محل مثيلاتها الفرنسية والبلجيكية والتي خرجت بعد الاستقلال. مما سرع حركة الاستيراد والتصدير بين سوريا والوطن العربي وبين أوروبا مما انعكس عوائد مالية ضخمة على تلك البرجوازية مما جعلها تفضل الاحتفاظ بتلك المنافع لنفسها والتأكيد والتمسك بالاستقلال عن سوريا بدل من أن تضيعها بالركض وراء الوحدة وبالتالي إلى التخلي عنها. بما يفهم منه أن ثمة موافقة عامة حصلت بعد الاستقلال، من قبل جميع القيادات السنية والشيعية والدرزية المتحالفة مع التجار والصيارفة (مع أنها كانت محصوراً بعدد من الأسر والعائلات الأرستقراطية المارونية ذات الماضي النبيل المزعوم) مع تقبل ضمني لهيمنة عامة للمسيحيين الموارنة المرتبطين بحماية فرنسية فغلبت المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية والقومية. {ثمة وثائق تلمح إلى أن كثير من زعماء تلك الطوائف كانوا ينتمون لمحفل الشرق الماسوني}. لذلك ظل الوضع في لبنان متوتراً. 

اعتقد أن عاملاً ثالثاً ساهم في إبقاء لبنان دولة مستقلة (شكلياً) لأن كلاً من بريطانيا وفرنسا وأمريكا وإسرائيل يرفضون انضمام لبنان لسوريا أو لأي وحدة عربية. لأنهم يريدون أن يبقى الوطن العربي مجزءاً ومنقسماً على نفسه بما فيه لبنان كما سوريا والأردن، وكي يظل معتمداً على حمايتهم ومساعدتهم. فالجميع يعرفون أنه كما لم يكن ما يزال لبنان (حكومة وجيشاً وشعباً) قادراً على حماية أراضيه وحدوده أمام الغطرسة الإسرائيلية. كما لا تتوفر لديه المقومات الاقتصادية التي تمكنه من بناء اقتصاد قوي واكتفاء ذاتي دون الاعتماد على ما تنتجه سوريا، أقله عدم القدرة على انتاج ربع ما يتطلبه لبنان من قمح وخبز ولحوم أغنام). وهو ما استخدمه النظام السوري للضغط على لبنان بإغلاق الحدود أكثر من مرة. كما لا يخفى على أحد الدور الذي لعبته المخابرات المركزية (وهذا ما وثقه باتريك سيل و”مايلنز كوبلاند”) في قيام الوحدة (لمنع وقوع سوريا بيد الشيوعيين) ومن ثم لانفصالها عن مصر. وفي فرض فؤاد شهاب رئيساً على لبنان. 

لكن الصدمة التي شكلها انفصال سوريا عن مصر عام 1961 والتي تلتها صدمة انقلاب حزب البعث عام 1963 على الانفصاليين والناصريين والوحدويين ساهمت في تخلي أغلب اللبنانيين السنة عن فكرة الوحدة مع سوريا (لأن البعثيين غيبوا الحياة البرلمانية وقضوا على البرجوازية الوطنية السورية وفي هروب الرأسمال الوطني من سوريا وما رافق ذلك من إفقار للشعب السوري اقتضت عمليات قمع ونهب للقطاع الخاص المزدهر. (باسم الاشتراكية الملفقة) مما جعل الشعب اللبناني بكل فئاته يتمسك بلبنانيته ويعتز بها ويقاوم استبداد نظام البعث ويقاوم الوجود العسكري والأمني السوري الرسمي منذ عام 1976 والذي أجبر النظام السوري عام 2005 على الانسحاب من لبنان خاسراً ومهزوماً وهو ما أجبر بشار الأسد عام 2008 الاعتراف رسمياً بلبنان لأول مرة في التاريخ. حيث أقام سفارة للبنان في دمشق، وأرسل سفيراً إلى بيروت. الأمر الذي فعله من قبله والده عندما تنازل قبل عشر سنوات (1998) عن لواء اسكندرون ووافق على ضمه رسمياً لتركيا. 

 

 

 

الفصل الخامس:
الحرب الأهلية اللبنانية الأولى

 

بدء مرحلة الهيمنة الأمريكية على لبنان (المرحلة الرابعة) : 

تكتسب الحرب الأهلية التي حصلت عام 1958 أهمية استثنائية كونها كانت نقطة تحول رئيسي في تاريخ لبنان السياسي الرسمي، كونها كانت وما تزال موضع خلاف بين كثير من المنظرين السياسيين في لبنان والمنطقة. 

 لذا فإن إعادة البحث فيها يقدم لنا -إضافة لذلك – مادة مناسبة أو أرضية سياسية نستطيع من خلالها التعرف على الخلفية السياسية للحرب الأهلية التي أوصلتنا لما نحن عليه اليوم. بما قد يساعدنا على منع نشوب حرب أهلية جديدة كما حصل عام 1958. 

فخطر تكرار الحرب الأهلية مازال قائماً طالما أن أسسها المغيبة عن الأذهان ماتزال قائمة، وطالما لم يحصل تغيير جذري في البنية العامة التي فرضتها أمريكا على لبنان من حيث وجود إمكانية تحويل الثورة الراهنة ذات الطابع الطبقي الوطني الديمقراطي إلى طائفي. واحتمال أن تنجح كما نجحت سابقا في تحويل ثورتي عام 1958 وعام 1974 من ثورة طبقية وطنية ديمقراطية إلى حرب طائفية. 

مع أنني أعتقد أن الإحاطة بكل حيثيات وتفاصيل تلك المرحلة تتطلب العودة لعشرات الكتب وإعادة قراءة الأحداث السابقة بشكل مختلف عن الصورة التي تم ترويجها وتثبيتها في الأذهان. وبما أن تلك مهمة صعبة لذا سأكتفي بالإشارة فقط – إلى النقاط المفصلية والحقائق الرئيسية العامة التي أعتقد أنها يمكن أن تغير التصور العام لما حدث وهو ما يتطلب بداية عرض الخلفية السياسية لما جرى في العالم ككل والتي بدونها لا يمكن تفسير ما جرى في تلك المرحلة. 

أولاً: تشير كثير من الدراسات والأبحاث والوقائع إلى أن كثير من القوى السياسية الفاعلة في العالم خلال وقبل أن تضع الحرب العالمية الثانية أوزارها اتضحت لها معالم انتصار الإمبريالية الأمريكية على النازية والفاشية. فعملت كل منها خاصة بريطانيا وروسيا (والحركة الصهيونية في مؤتمر الصلح الذي عقد في باريس عام 1919) بعد المؤتمر الذي عقد في “يالطة” على البحر الأسود عام 1945 والذي جمع كلاً من روزفلت وستالين وتشرشل لتقسيم العالم بينها. لأن يكون لكل منها حصة مافي هذا العالم. 

ومن المؤكد أن التغيرات الجذرية التي حصلت في العالم خلال الحرب في عامي 1944- 1945. لم تجعل الولايات المتحدة تخرج منتصرة ومهيمنة مالياً واقتصادياً. كون بلادها لم تصب بضرر يذكر فحسب. ولذلك ظلت قوتها المالية والعسكرية والسياسية معافاة. وباتت بالتالي القوة الرئيسية المهيمنة على العالم من كافة النواحي. لذلك لم يكن ينقصها سوى أن تعطي لهيمنتها على العالم صفة قانونية عبر ميثاق وتركيب ومؤسسات الأمم المتحدة في نيويورك. 

وهكذا تم احتواء الاتحاد السوفييتي أو التقليل من أخطاره كون، صف بلاده دمرت في الحرب. ومن ثم تم احتواء أوروبا الغربية بسهولة من خلال مشروع مارشال، بحجة إعمار ما دمرته الحرب. وهكذا باتت الأمم المتحدة أداة قانونية لتمرير ما تريده أمريكا والدول المتحالفة معها خلال المرحلة القادمة. وهو ما ترك المجال للقوة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية المجال للهيمنة على العالم سياسياً واقتصادياً ومالياً عن طريق صندوق النقد الدولي الذي يهيمن عليه فعلياً رأس المال المالي الأمريكي والصهيوني (الذي يشكل حوالي ثلث رأس المال العالمي (المنتصر الحقيقي). وبعد فرض اتفاقية “بريتون وودز” عام 1944 أصبح الدولار (معادل لكمية معينة من الذهب) كما لو كان ذهباً، يمكن مبادلته به في كل مصارف العالم. وهو ما جعل منه – منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، ومن الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفها رأس المال الصهيوني يتحكمان بالاقتصاد العالمي كله وبالتالي بالسياسة العالمية. 

ثانياً: أكد كثير من الباحثين الغربيين أبرزهم “وليام انغدال” في كتابه مائة عام من الحرب والكتاب العرب مثل فؤاد مرسي في كتابه (الرأسمالية تجدد نفسها) على أن الإمبريالية تمكنت بعد الحرب وبخاصة بعد ما سميت الحرب الباردة من تجاوز فكرة لينين حول أن الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية (التي يفترض بعدها أن تنهار) وأن أمريكا بذلك تمكنت بعد أن تجاوزت أزماتها استطاعت الانتقال بالرأسمالية العالمية إلى ما يمكن تسميته فوق الإمبريالية. وبينوا كيف تمكنت الرأسمالية من احتواء روسيا وتوابعها واعاقت التوجه نحو الاشتراكية الصحيحة. وهو ما مكنها لاحقاً من التغلب على أزماتها باستمرار. 

وهكذا لم تتمكن أمريكا من فرض هيمنتها على الدول الاستعمارية (أوروبا الغربية) وتوابعها السابقة فحسب، بل على جميع حكومات الدول الأخرى التي كانت تخضع لها في العالم كله. وبخاصة حكومات الشرق الأوسط، والتي أولتها أهمية فائقة باعتبارها تشكل مصدر أساسي للطاقة في العالم في الوقت الذي تركت فيه روسيا وألمانيا تنشغلان بمداواة جراحهم الناتجة عن التدمير الذي ألحقته بهما النازية التي كانت تمولها الشركات الأمريكية. ثم راحت من خلال مساعدتهم على النهوض بمدنها وقراها واقتصادها الذي دمرت الحرب نصفه من احتوائها. لذلك عملت خلال الحرب الباردة على احتواء كل أنصار روسيا السوفيتية وتوابعها خلال فترة الحرب الباردة ومن ثم تمكنت من هزيمة الاشتراكية وحركات التحرر القومي والوطني على النطاق العالمي. لذلك أصبح همها الجديد هو (وسوف تظل تعمل) تثبيت (أو تأبيد) الهيمنة عليها وإعادة وضعها (كما ما اتضح اليوم) تحت جناحها الشرقي كما ضمت دول أوروبا الشرقية والدول الأوروبية تحت جناحها الغربي ومن ثم لتضع جميع توابعهم المحليين في حضنها. 

ثالثاً: في هذا السياق كانت مملكة آل سعود كانت أول دولة عربية تقيم تحالفا مع أمريكا. و تنضوي تحت جناحها وذلك عام 1945 (بعد لقاء روزفلت مع عبد العزيز على الطراد كوينسي سراً في البحر الأحمر) ومن ثم لحقت بها مصر كأقوى دولة عربية من خلال ما سميت ثورة 23 يوليو عام 1952 وهو ما اتضح بعد هزيمة بريطانيا وفرنسا بعد العدوان الثلاثي عام 1956 على مصر. ثم لحقت العراق بهما عام 1958 بعد إسقاط حلف بغداد. و كان لابد أن تلحق بهم كل من سوريا والأردن ولبنان. ومن ثم ليبيا والجزائر.. إلخ. 

مع الإشارة إلى أن أمريكا لم تسطع أن تحسم الأمر في سوريا عام 1949 من خلال انقلاب حسني الزعيم. بسبب قوة الحركة الوطنية فيها. لذلك ظل الحكم في سوريا ينوس بين عدة قوى عالمية وإقليمية تجلت انقلابات وثورات متتالية. ومع أن الوحدة مع مصر كانت نقطة تحول ساعدت على احتواء الحركة الوطنية والثورية في كل من سوريا ولبنان والعراق لكن لم تستتب لها الأمور فيها ومن خلالها إلا عام 1970 من خلال انقلابين قام بهما كلاً من صدام حسين وحافظ الأسد بما سميت الحركة التصحيحية. والتي كانت نقطة حسمت فيها الولايات المتحدة الأمور لصالحها. أما في لبنان فكان الأمر مختلفاً بسبب قوة حلفاء بريطانيا وفرنسا. عدى عن قوة الحركة الوطنية مما استدعى.. 

رابعاً: افتعال الحرب الأهلية عام 1958، ومن حسن حظي انني كنت شاهداً على ماجرى من مفاوضات أدت إلى هذا التحول. (حيث كنت أعمل نادلا في فندق رمسيس إضافة لمتابعتي الدراسة حيث كان يقيم أحمد بيك الأسعد وعائلته بصورة دائمة. والذين باتت تربطني بهم علاقات جيدة). 

 وهو ما يدعوني إلى إعادة التأكيد على: أن بداية ذلك التحول والذي شكل نقطة تحول رئيسية ليس للبنان بل للمنطقة كلها. ومن خلال متابعتي مع أستاذي نافذ حوراني (الشقيق الأكبر لفيصل وعبد الله حوراني) للمفاوضات التي كانت تجري في صالة فندق رمسيس (خلف الأبواب المغلقة في قلب العاصمة السورية دمشق، عام 1958). حيث كانت تتم اللقاءات والمشاورات بين كل من أحمد بيك الأسعد ورشيد كرامي وصائب سلام وكمال جنبلاط وصبري حمادة. تحت إشراف ورعاية عميل المخابرات الأمريكية المعروف في سوريا “عبد الحميد السراج” مدير المكتب الثاني الفرع الرئيس في إدارة المخابرات العامة في سوريا (والذي تحالف وتعاون مع الضباط السوريين لاغتيال عدنان المالكي بتعاون مع القوميين السوريين عام 1955. ومن ثم كان له دور كبير مع الضباط البعثيين. أو الذين أصبحوا بعثيين في إقامة الوحدة مع مصر (وهو ما وثقه باتريك سيل في كتابه الصراع على سوريا) بما يحول دون تحول سوريا إلى دولة وطنية ثورية بعد تسلم الزعيم الوطني السوري “خالد العظم” رئاسة الوزارة واليساري “عفيف البزري” وزيرا للدفاع في سوريا. حيث كانا أول من استطاعا كسرحظر استيراد السلاح من الاتحاد السوفييتي وكسر احتكار بيع السلاح الذي فرضته بريطانيا وأمريكا وفرنسا على الدول العربية عام 1953. وبالتالي كان لسوريا العظم دور حاسم في رفض الخضوع للإملاءات الغربية والصهيونية على سوريا وعلى العرب، بالرغم من ضربات الجيش الإسرائيلي المتكررة على الأراضي السورية والاستيلاء على الأراضي منزوعة السلاح. وبالتالي دور حاسم للخروج من الهيمنة العسكرية لإسرائيل. لذلك أسقطتهم أمريكا لمنع وصول أي نظام وطني يمكن أن يهدد “إسرائيل”. وهذا ما كان مقدمة أساسية لهزيمة حزيران عام 1967. 

وهنا لابد من التأكيد على أنه كان لعبد الحميد السراج (وهو ما أكد عليه ساسة وباحثين كثر (منهم باتريك سيل ومصطفى خليل وخالد العظم وأكرم الحوراني وخالد بكداش وحزب التحرير الإسلامي) دور حاسم في إضعاف نفوذ عملاء بريطانيا وفرنسا وألمانيا وكل القوى الوطنية واليسارية والشيوعيين والإخوان المسلمين المناهضين للهيمنة الأمريكية. وضمن هذا السياق تم حل جميع الأحزاب الوطنية وغير الوطنية وإلغاء الحياة الديمقراطية في سوريا، وفي هيمنة العسكر والبعثيين على الحكم بهدف تحطيم الحياة البرلمانية والمدنية والحزبية والديمقراطية التي كانت تتمتع بها سوريا. حيث تمكن في عهد الوحدة بعد أن عينه جمال عبد الناصر كمكافأة له على دوره في ضم سوريا لمصر، “وزيراً للداخلية” ثم نائباً له فيما كان يسمى الإقليم الشمالي (وهذا ما يجب أن يعرفه كل مؤيدي الوحدة وعبد الناصر) حيث قمعت المخابرات وسحقت جميع القوى الوطنية (البرجوازية الوطنية السورية) والقوى اليسارية والديمقراطية والشيوعية. 

وهنا أذكر بما قاله قريبي”مفلح الياسين” (أحد قادة الجهاد المقدس في فلسطين والذي أصبح بعد النكبة المشرف العام على هيئة الاستطلاع في الأركان السورية والذي كان متابعاً لما يجري خلف الأبواب المغلقة. من: “أن من قرر أن يكون قائد الجيش اللبناني (يومها) “فؤاد شهاب” رئيساً للجمهورية اللبنانية بديلاً عن كميل شمعون (أداة بريطانيا وفرنسا في لبنان) كان السفير الأمريكي “ريموند هير” وبأنه هو الذي رتب مع عبد الحميد السراج (في الخفاء) عملية جمعه بعبد الناصر في خيمة على الحدود السورية اللبنانية. وبناء على ذلك أرسلت أمريكا رسمياً “روبرت مورفي” كممثل للرئيس الأمريكي أيزنهاور إلى لبنان ليعطي مباركة أمريكا العلنية على هذا التعيين، بحجة إنهاء الحرب الأهلية التي جرت في لبنان. وهذا ما كان. وهو ما أكد عليه فقط (حسب علمي) الكاتب اللبناني نقولا ناصيف في كتابه “الفكر القومي العربي”. 

ومن المؤسف أن أقول إن الكتيبة 68. (كتيبة الفدائيين الفلسطينيين التابعة لأركان الجيش السوري والتي كانت (حسب ماعرفته من أقاربي فيها) تأتمر بإمرة كلاً من وجيه المدني ومنيب المجذوب دوراً حاسماً في تلك الحرب ضد شمعون محققة لأمريكا الهيمنة على لبنان دون أن تدري. وهو ما أدركه شمعون، استناداً لما كتبه فواز الطرابلسي في الصفحة 236 ” أدرك شمعون منذ مجيء الأسطول السادس الأمريكي (على عكس ما روجت له وسائل الإعلام) أنه جاء وقدم لازاحته وفرض خليفة له وليس لمناصرته، كما يؤكد على (ما ذكرته سابقاً) من أن اختيار فؤاد شهاب (الموالي لأمريكا) كرئيس مقبل هو أن السفير الأمريكي طرح أثناء المفاوضات التي أجراها (بما فيهم شمعون) اسم فؤاد شهاب. وبأن عبد الناصر وافق على ذلك فوراً. لذلك لم يكن اختياره مفاجئاً لشمعون لذلك وافق على الفور (في 31 تموز) المجلس النيابي على ذلك وانتخب (بالإجماع) فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية اللبنانية (كما يجري اليوم وكما جرى يومها وخلال انتخابات الرؤساء الذين تعاقبوا على لبنان حيث بعد أن يتم التوافق من قبل القوى الخارجية تتم موافقة الغالبية في مجلس نواب الشعب. 

وعلى الأغلب لم يكن ذلك مصادفة بل تكليل للنشاط الكبير الذي قامت به أمريكا (بناء على ما ذكره جورج انطونيوس في كتابه يقظة الأمة العربية) منذ عام 1860 حيث دعمت الفكر القومي العربي والساسة العرب. وهكذا بعد مائة سنة تمكنت من جني ثمار نشاطها الفكري والتنظيري والسياسي عام 1958 من خلال حكم فؤاد شهاب وطاقمه (الشهابية) من يومها وحتى اليوم. 

بدليل أن شهاب قام بإجراءات شبيهة بتلك التي قام بها عملاء أمريكا في مصر وسوريا (الإصلاح الزراعي والتأميم) حيث بدأ بتوسيع القطاع العام على حساب الخاص. وقام بزيادة عدد الموظفين (لامتصاص البطالة) وتضخيم جهاز الدولة وخاصة الأمني والعسكري على حساب القطاع المدني والخاص مما أزعج هذا القطاع بدعم من بريطانيا للضباط القدامى في الجيش (الصفحة 241) وشجعهم على القيام بانقلاب عسكري عام 1961 بالتزامن مع الانقلاب الذي حصل في سوريا وكانت نتيجته الانفصال عن مصر. لكن الانقلاب الحاصل في لبنان لإزاحة شهاب وطاقمه زاد من تدخل القوى الأمنية في الحياة العامة للبنان وزاد من تدخل قوات الأمن والعسكر في السياسة العامة ومن يومها تحول المكتب الثاني والإدارة العامة للمخابرات إلى أداة للقمع والتنكيل بالأحزاب والقوى الوطنية واليسارية وزيادة نهب وإفقار الطبقات العاملة من قبل الأوليغارشية التجارية والمالية، مما خلق الظروف المواتية لقيام ثورة شعبية عام 1974. 1975. انهاها التدخل العربي السعودي السوري وأعاد الهيمنة الأمريكية على لبنان. وهو ما أثبتته أحداث. 

 

 (المرحلة الخامسة) : الهيمنة الأمريكية عن طريق سوريا: 

قوات الردع العربية (التدخل السوري في لبنان) : 

تحويل ثورة عام 1975 إلى حرب أهلية. 

نعود لنذكر بما أكد عليه عدد من الكتاب اللبنانيين (فواز طرابلسي وعبد الرؤوف سنو ومهدي عامل وكريم مروة.. إلخ) أن مانجحت به أمريكا في حرب 1958 تكرر ثانية عام 1975 لأسباب وطريقة مختلفة. 

ولتوضيح ذلك نذكر بأن الخلل الذي نجم عن تحويل سنة وشيعة البقاع والهرمل وطرابلس والجنوب وبيروت إلى عمال ومزارعين لدى البرجوازية السنية والمسيحية منذ عام 1920. ومن ثم زيادة التهريب، أدى إلى إضراب عمال (التبغ والفواكه) ومزارعي والعمال المياومين في زراعة الفواكه وصيادي الأسماك عام 1974 حتى تحولت إضرابات العمال والفلاحين إلى ثورة شعبية وطنية شاملة ساهمت فيها الأحزاب اليسارية والوطنية، وهذا ما يعني أنها كما اليوم. لم تكن تلك ثورة عمالية فلاحية ذات جانب طبقي بقدر ما كانت أيضاً ثورة وطنية ذات طابع ديمقراطي، لأنها طرحت فكرة التحرر من التبعية لأمريكا ودعت إلى إقامة نظام مدني (لا طائفي) يؤمن الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية والمساواة بين البشر. ولهذا اختلط فيها العامل الطبقي مع العامل الديني والمناطقي (حيث كان أغلب الجياع والمقهورين والمظلومين من سنة الشمال وشيعة البقاع والجنوب) يمتلكون الدوافع السياسية الرامية للتحرر من الهيمنة الغربية خاصة الأمريكية. لذلك وجدت أمريكا أنها لن تتمكن من الانتصار على هذه القوى فيما لو تدخلت عسكرياً. لذلك وجدت (عن طريق أدواتها في الجيش والمخابرات ووسائل الإعلام) أنه من الأفضل لها تحويل تلك الثورة من ثورة طبقية ووطنية إلى حرب طائفية بما يتيح المجال لعملائها حرف الثورة وإجهاضها. ومن أن تجد في تصرفات المنظمات الفلسطينية المشبوهة في التعديات على اللبنانيين وخاصة في بيروت حجة لاستخدام القوة العسكرية المباشرة ضدها. وبالتالي ضد كل من يساندها من الأحزاب الوطنية واليسارية. ومن ثم انفردت بالقوى اليسارية والوطنية وزعماء الحركة العمالية. لكن بما أن المقاومة الفلسطينية كانت تمتلك القوة العسكرية الكافية التي تتفوق فيها على المليشيات المسيحية وعلى الجيش معا وهو ما كان يمنعهم من قمع الثورة اللبنانية التي بدأت تحرز انتصارات على الأرض. وجدت أمريكا أن إدخال القوة العسكرية للعرب عن طريق ما سميت قوات الردع العربية (القوات السورية بمشاركة رمزية من السعودية وبدعمها المالي والسياسي) بعد الحصول على موافقة داخلية من قبل أداتها “سليمان فرنجية” بصفته رئيساً للجمهورية، على دخول القوات السورية وسيلة مناسبة لإنقاذ النظام الطائفي البالي المتداخل مع نظام العمالة والتبعية والظلم والاضطهاد والسرقة من السقوط. 

 ومن المهم الإشارة هنا أن فرنسا (كما أمريكا وبريطانيا ومن خلفهما كل أوروبا وروسيا والصين) أغلقت عينيها وأذنيها وتركت للنظام السوري حرية العبث بلبنان. رغم أنها نددت بالكلام، ورفضت التدخل السوري ورعاية أمريكا له عام 1976، إضافة ل قوى وطنية وحركات يسارية وطنية وتقدمية وديمقراطية وقامت بمظاهرات وتحركات سياسية في سوريا ولبنان ومصر والشرق الأوسط وأوروبا والعالم، وأشارت إلى أن الغاية من رعاية أمريكا للتدخل السوري لم تكن لإيقاف الحرب الأهلية، بل لمنع تحرر لبنان من النظام الطائفي ومن هيمنة الطبقة البرجوازية (الأوليغارشية التابعة للرأسمال العالمي) ولكي ليبقيه أو يعيده وليجعل منه مرتعا للرأسمالية العالمية والهيمنة الأمريكية. وهذا ما حققته قوات الردع العربية. 

إعادة الهيمنة الأمريكية على لبنان بواسطة السعودية وسوريا: 

بما أنه كما تبين لنا، أن الحديث عن صراع بين محورين هاشمي عراقي أردني ومصري سعودي، لم يكن إلا للتغطية على صراع كانت تقف وراءه بريطانيا لمواجهة المحور الذي كانت ترعاه أمريكا لذلك فإن الحديث عن هيمنة المحور السعودي السوري على لبنان. يفترض ألا يخفى عنا أن التحالف السعودي السوري كان يرمي إلى إعادة هيمنة أمريكا على لبنان دون أن تظهر في الواجهة. وهو ما يسهل علينا الكشف عن كذب الهدف النبيل الذي زُعم فيه: أن قوات الردع العربية أرسلت إلى لبنان من أجل “إيقاف الحرب الأهلية”. 

فمن يعيد قراءة مجريات الأحداث بصورة موضوعية ويعود لكتابات كثير من المفكرين والصحفيين اللبنانيين اليساريين ( (. يكتشف أن أغلبهم تبينوا أن الدخول السوري إلى لبنان تم، أو لم يكن من الممكن له أن يتم دون موافقة أمريكية إسرائيلية. لتحقيق أو تنفيذ أهداف أو تنفيذ أجندات جديدة. ولم يكن ذلك الزعم (وقف الحرب الأهلية) إلا ذريعة. ونحن لا نقول هذا بناء على تحليلات غربية وسوفيتية وبريطانية ولبنانية ولكتاب كبار مثل مهدي عامل في مقالاته وكتبه بل لأن الوقائع أثبتت بعد ذلك وتثبت اليوم أن الحرب الأهلية كانت من جهة وسيلة للبرجوازية (الأوليغارشية) العميلة للغرب وأمريكا في لبنان لتحويل الصراع الوطني والقومي والطبقي إلى صراع طائفي لمنع تحرر لبنان من الهيمنة الأمريكية. وثانياً، أثبتت أن التدخل العربي السوري كان بهدف القضاء على المقاومة الفلسطينية وإخراجها من لبنان. وذلك ثالثاً، كمقدمة للقضاء على الحركة الوطنية واليسارية في لبنان. 

لذا نلفت النظر ونذكر أولاً. بما كانت تطالب به يومها – كل من إسرائيل والقوى الموالية لفرنسا وأمريكا. وتعمل له. لإخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان وتحديدا منذ عام 1975 (كون بقائها في لبنان أصبح لأسباب موضوعية بعد مؤتمر جنيف أحد الدوافع الرئيسة لنهوض الحركة الوطنية والثورية في لبنان وفي زيادة قوتها ومنعتها في مواجهة (اليمين اللبناني) وعملاء أمريكا وفرنسا وإسرائيل في لبنان. 

وبما أن الحركة الوطنية عرفت كيف تستفيد من السلاح الفلسطيني والتدريب الجيد والشجاعة التي تميز بها الفدائيين. لذلك وفرت للبنانيين الوطنيين والقوميين واليساريين فرصة جيدة للقضاء على النظام الطائفي المدعوم بجيش قوي. فكان لابد لتلك القوى الموالية للغرب (مع أدواتها في الدول العربية) من التوحد للقضاء على هذه المقاومة الفلسطينية وحليفتها الوطنية والثورية في لبنان بشكل رئيسي. كما تم القضاء على مثيلاتها في الأردن عام 1971. بعد أن تم القضاء على المقاومة الفلسطينية بعد مجازر عمان. وهذا ما كان من الممكن أن يتم دفعة واحدة بل على مراحل. بدأت بشعارات البيان الذي صدر في الرياض عام 1976 عن مهام قوات الردع العربية والوقائع الجارية على الأرض. 

ومن يراجع بنود الاتفاق الذي تم بموجبه إدخال القوات السورية إلى لبنان (بغطاء من قوات الردع العربية) يجد أن هناك بنداً رئيساً فيه. ينص على “أن تعمل تلك القوات على انسحاب فصائل المقاومة الفلسطينية عن الحدود مع “إسرائيل” مسافة 15 كم”. (بندا جرى تجاهله وعدم ذكره أو عدم التركيز عليه، أو المرور عليه مرور الكرام). ومما لا شك فيه أن هذا البند جاء لتلبية مطالب إسرائيل وأمنها ومستقبلها. 

أما البند الثاني فينص على ضرورة “تقوية الجيش اللبناني، بحيث لا يترك مجالاً لوجود قوات خارج إطار الدولة اللبنانية”. وهو ما يعني إبقاء الجيش اللبناني التابع للإدارة الأمريكية وحده مسيطراً من الناحية الشرعية والقانونية على لبنان ولإضعاف القوى الوطنية واليسارية. 

والملفت للنظر أن هذا الشرط كان يتطلب منع وجود قوات عسكرية أو مليشيات لأي طائفة في لبنان خارج إطار الجيش اللبناني. وبأن يخضع هذا الجيش لما تقرره الحكومة اللبنانية وخاصة رئيس جمهوريتها استناداً للدستور. (أي إعادة لبنان إلى الحضن الأمريكي). لكن ما يدفع للشك بذلك تمثل بسكوت كلاً من أمريكا وإسرائيل على استمرار بعض المليشيات مثل حركتي أمل وحزب الله محتفظة بأسلحتها. طالما أنها كانت تصر على سيطرة الجيش فقط؟ فلماذا سكتت على ذلك إن لم يكن يصب في مصلحتها ويحقق أهدافها. 

ولهذا نذكر أيضاً بأنه جرى تجاهل تنفيذ بند آخر (مرتبط بالسابق ويفسره) ينص على أن وجود هذه القوات (السورية) هو وجود مؤقت، ينتهي بانتهاء مبررات دخولها أي بعد توقف الحرب ونزع سلاح المليشيات. بمعنى أن سوريا كنت تعرف أنها كان يجب أن تنسحب بعد ذلك من لبنان خاصة بعد أن توصل اللبنانيين لاتفاق ينهي الحرب عام 1989 في الطائف. مما يعني أن بقائها والسكوت عليه بعد ذلك التاريخ تم بموافقة أمريكية لتنفيذ أهداف أخرى لم يتم التصريح عنها. وهو ما سوف نسعى للكشف عنها: 

1- بما أن مهمة نزع سلاح المقاومة الفلسطينية قد تم إنجازه عام 1982 بعد أن أخرجتها القوات الإسرائيلية تحت نظر وسمع قوات الردع العربية (السورية) والعالم كله. وبعد أن تم الاتفاق على إخراج فصائل منظمة التحرير من لبنان بصورة نهائية بعد حرب طرابلس والتي قام بها الجيش السوري ضد اتباع عرفات وأنصاره وضد الجبهة الإسلامية عام 1983. فهذا يعني أن مبرر وجود القوات السورية كان يفترض أن ينتهي بعيد إخراج القوات الفلسطينية خاصة التابعة لفتح عرفات، وكان يفترض بها أن تنسحب من لبنان لكن ذلك لم يحدث. ما يعني أن هناك أسباباً أخرى وقوى أخرى (فوق القيادات العربية والسورية واللبنانية كانت تقتضي بقاء هذه القوات. لخلق بديل مناسب عنها بما يجعل لبنان يسير أو يوضع على السكة التي تضمن لإسرائيل وأمريكا سير الأمور في الاتجاه الذي تسعيان إليه حتى اليوم. 

وهو ما تحقق على أرض الواقع بكسر شوكة المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية واليسارية والتقدمية والديمقراطية اللبنانية بعد تمكين الجيش السوري من إبعاد المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية شمالاً – كما تريد إسرائيل (مسافة 15 كم شمالا لما بعد نهر الليطاني) وهذا ما تحقق عام 1978 بترك سوريا للبنان وشعبه تحت رحمة إسرائيل. وجيش انطوان لحد. وهو ما مكن الطبقة المتحالفة مع أمريكا والغرب (ومن خلفهما إسرائيل) بالتنسيق مع جيش لبنان الجنوبي والقوات الإسرائيلية وعملاء أمريكا (مليشيا بشير الجميل وجعجع وخلال فترة رئاسة أمين الجميل وقيادة الجنرال عون للجيش من استعادة الهيمنة الأمريكية على لبنان مجدداً. وهو ما تحقق رسمياً صيف في اتفاق الطائف عام 1989. أي في.. 

 (المرحلة السادسة) 

2- بعد مشاركة القوات السورية في الحرب الأمريكية على العراق (عاصفة الصحراء) وذهابها إلى منطقة حفر الباطن في السعودية. بعد أن غزا صدام حسين العراق في عام 1990 تبين للجميع وهو ماكتبت عنه الصحافة التقدمية. أن تلك المشاركة تمت مقابل أن تعطي كل من أمريكا والسعودية للنظام السوري المجال للبقاء في لبنان والعمل على مزيد من نهبه وتدميره. على الرغم من التوصل لاتفاق الطائف الذي أنهى السبب الذي من أجله دخلت القوات السورية (إنهاء الحرب الأهلية) لذلك سكتت كلاً من أمريكا وإسرائيل على بقاء القوات السورية في لبنان بينما عارضته القوى الوطنية والثورية في العالم. وهذا ما أتاح للقوات السورية. 

3- الأمر الذي لم يخطر ببال أحد ولم يتم الحديث عنه هو ما اتضح لاحقاً وفعلياً على الأرض وما لم ينص عليه اتفاق إدخال القوات السورية. وهو ما تمثل بأولاً الاستمرار بعمليات تخريب ونهب وتدمير لبنان ونزع أخلاق السوريين خاصة الجنود وضباط الجيش والمخابرات. وثانياً تقوية النفوذ الشيعي (حركة أمل ومن خلالها حزب الله) في الوقت الذي تم فيه إضعاف القوى الوطنية والقومية واليسارية بالإضافة لعمليات تخريب النسيج الاجتماعي والفكري والروحي للبنان وشعبه وطوائفه من خلال التشجيع على قيام انشقاقات في أغلب الأحزاب الوطنية والطوائف. وهو ما يتطلب كتاباً خاصاً. 

 

 

 

الفصل السادس:
التاريخ المعتم لـِ لبنان

 

قد يبدو الغوص في هذا الموضوع نكأة للجراح المندملة – وإثارة وتحريضاً، لما قد يسببه للكثيرين من منغصات روحية،أرغب تجنبها وتجاهلها. لكن بما أن الحل الصحيح للمسألة اللبنانية لن يكون ممكنا بالقفز عن الأخطاء أو تجاهلها. بل يتطلب الإضاءة عليها لرؤيتها بوضوح لنضع لها الحلول. 

وهذا لن يتحقق دون وجود تصور نظري لما كانت وما تزال تعاني منه البشرية كلها من أمراض (ولبنان كجزء منها) والتعرف على طرق تعاطي الأطراف المختلفة،مع المشاكل والأزمات والأمراض الاجتماعية (بين العنف المباشر وبين المعالجة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية). 

حيث تعامل الكثير عبر التاريخ معها بطريقة غير إنسانية. وبالتالي لابد من أن نتعرف على الطريقة الخاطئة المتوارثة والبائسة التي تمت فيها معالجة تلك الأمراض المتجذرة في لبنان والمنطقة. ومن أن نبحث في أسبابها وجذورها الطبقية والاجتماعية والفكرية وطرق معالجتها وحلها مستقبلاً. على ضوء رؤية ترى. أن الحل الصحيح في لبنان والعالم مرتبط بالحل الديمقراطي العام على نطاق العالم كله. لذا لابد من الإطلاع على الشدة التي مر بها لبنان وعاشها شعبه من مآسي وأمور مؤسفة. 

 

التاريخ المسكوت عنه “الفصول المنسية”: 

بعد أن أُخرجت فصائل المقاومة الفلسطينية من الأردن بالقوة بعد المجازر والمعارك التي وقعت في عمان وجرش والسلط وعجلون وإربد توجه أغلب عناصرها بعد عام 1971 نحو سوريا ومن ثم تم توجيه جزء كبير منهم (ممن تفرغوا للنضال ولم يجدوا عملاً يعيشون عليه في سوريا) إلى لبنان حيث تم استقبالهم هناك، خاصة في جنوبه استقبال الأبطال. 

لا ينسى كبارالسن من  الفلسطينيين  كيف تم استقبال آبنائهم من قبل سكان الجنوب. بعد مجازر الأردن. وكيف فتحوا لهم بيوتهم وقلوبهم وكيف تحملوا أخطار القصف والموت والدمار والتهجير من أجل عيون فلسطين. لكن للأسف فإن قادة فصائل المقاومة انزلقوا وعادوا ليرتكبوا الأخطاء ذاتها التي ارتكبوها في الأردن. بل الأسوأ في لبنان. وهو ما أدى بدءا من عام 1980 إلى عام 1982 إلى تقبل كثير من اللبنانيين، خاصة في الجنوب وصيدا. طرد المقاومة الفلسطينية. والسكوت على حصارها في بيروت ومطالبتها بالرحيل وفقاً لمطالب إسرائيل وأمريكا عن طريق فيليب حبيب. وبالتالي للعمل مع كل من أمريكا وإسرائيل لإخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان. كما تم إخراجها عام 1971 من الأردن وسوريا وبالتالي لإنهائها. 

والأسوأ هو أن كثيرا من قادة المنظمات الفلسطينية الذين جاؤوا إلى لبنان بزعم تحرير فلسطين انطلاقاً من الجنوب تخلوا عن ذلك الشعار بسرعة ملفتة للنظر حتى قبل الهجوم الإسرائيليعليه عام 1982. مع أنه كان من الممكن لهم أن يصمدوا لو أن القادة الفلسطينيين قرروا الصمود في الجنوب كما صمدالمقاتلين الشرفاء في قلعة شقيف وفي كثيراً من المواقع المنفردة. وكان يفترض بهم أن يصمدوا ويواجهوا القوات التي غزت لبنان، وأن يدمروها بعد أن جاءت إليهم زاحفة. كان يفترض بهم أن يدمروا تلك القوات الغازية (التي جائتهم بقدميها بدلاً من أن يذهبوا لها بالطائرات الشراعية والانتحاريين) ويسحقوها ويلحقوا بإسرائيل أكبر هزيمة بسبب ما كانوا يمتلكونه من معدات ورجال. لا أن ينسحبوا من الجنوب بسرعة كبيرة فاقت سرعة نقدم الدبابات الإسرائيلية حيث وصل قسم كبير منهم في اليوم الأول من الهجوم الإسرائيلي، بقيادة اللواء “الحاج إسماعيل” إلى شتورة وتركوا الجنوب وشعبه لمصيره القاتم. 

ومن المؤسف أن نذكر أن من بقي منهم في لبنان وفي بيروت كان أعجز من أن يفك الحصار عن بيروت الذي استمر مدة ثمانية وثمانون يوماً، أو يمنع هو وسوريا وجيشها والجيش اللبناني عملية تدمير بيروت وتجويع سكانها مما أدى إلى إخراج أغلب مقاتلي المقاومة الفلسطينية من لبنان وإبعادهم إلى اليمن الجنوبي وتونس والجزائر كما تريد إسرائيل. ومن المؤسف أكثر ماتبع ذلك من مجازر ومآسي في تلك المرحلة – يندى لها جبين البشرية. حيث كملت كلاً من الكتائب والقوات اللبنانية وحركة أمل ما لم تتمكن إسرائيل وبمن تبقى من المقاتلين والمدنيين حتى حولوا مخيماتهم إلى ما يشبه المعازل الموبوءة. وهو أمر لامثيل له في العالم ولا يمكن تبريره أو تقبله كونه تجاوز الآثام التي ارتكبها قادة منظماتهم. باعتبار أنهم كلاجئين (كما بينا) لم يكن لهم أي دور لا في الخروج من وطنهم أو في اللجوء إلى لبنان ولا في عملهم وأسلوب خروجهم ولا في ارتكاب تلك الأخطاء. 

وهنا لابد للمرء من أن يتساءل، ما الذي تغير خلال اثنتي عشر عاماً (من 1970 إلى 1982) حتى يغير اللبنانيين موقفهم من المقاومة الفلسطينية؟ وطالما أن الناس في الطرفين هم ذاتهم لم يتغيروا؟ ولمن يفترض أن نحمل مسؤولية ما جرى؟ هل للطليان أم للروس؟ ومن يتحمل مسؤولية ما جرى خلال السنوات الأخيرة من تجاوز لفصائل المقاومة حدودهم وانشغالهم بالشأن العام اللبناني والبلطجة، أكثر من انشغالهم بقضيتهم وبمواجهة العدو الذي أعلنوا أنهم دخلوا إلى لبنان لمواجهته؟ من يتحمل مسؤولية التغير الحاصل والذي تفاقم اليوم حتى غدت أو اعتبرت أغلب المخيمات بؤراً للإرهاب وحوصرت. ومسؤولية منع الفلسطينيين حتى من حق العمل ليطعموا أطفالهم فقط؟ 

ونحن هنا في هذا الفصل إذ نعيد البحث في ماضِ مؤلم فلكي نفتح الأذهان والنفوس على تقبل الاعتراف بالحقيقة المؤسفة ,وتقبل النقد الذاتي بما يمكننا من إصلاح ذواتنا وتغيير نهجنا وقياداتنا ما قد يحول دون تكرار تلك والمآسي والموبقات التي ارتكبت باسم النضال (والتي للأسف: مازال البعض يتغنى بها باعتبارها انتصارات بينما لم تكن بعد التدقيق والمراجعة وفي الحقيقة انحرافات خطيرة ومؤذية). لذا سوف نلفت النظر للظروف السياسية التي سمحت للمقاومة الفلسطينية دخول لبنان والعمل فيه بحرية. 

أولاً: اتفاق القاهرة عام 1969: 

بعد الهزيمة المنكرة التي منيت بها الجيوش العربية عام 1967 جاء الانتصار الذي أحرزته فصائل المقاومة الفلسطينية على القوة العسكرية الاسرائيلية التي دخلت بلدة الكرامة في الأردن عام 1968. فامتصت بذلك النصر جزء كبير من النقمة على الجيوش والأنظمة العربية وهو ما مكن الحكام من تمجيد المقاومة الفلسطينية بالكلام، حتى باتت المقاومة الفلسطينية محبوبة الجماهير والحكومات العربية من المحيط إلى الخليج، وهذا ما أعطى منظمة (عصابة) فتح بقيادة “ياسر عرفات” نفوذاً كبيراً جعله يقيم معسكرات تدريب في جميع مخيمات اللاجئين الفلسطينيين (مع أن من انجز هذا النصر على القوة الإسرائيلية الباغية كانت قوات التحرير الشعبية والجيش الأردني) وهذا ما سبب عام 1969 اشتباكاً بين قوات الجيش اللبناني وحملة السلاح من اللاجئين الفلسطينيين. مما استدعى تدخل جامعة الدول العربية حيث أشرف الزعيم المحبوب “عبد الناصر” على إبرام اتفاق تم بين قائد الجيش اللبناني (إميل البستاني) وياسر عرفات في القاهرة ينص على حق المقاومة الفلسطينية القيام بعمليات فدائية من الأراضي اللبنانية (قيل إنه تم دون علم رئيس الجمهورية شارل الحلو ودون علم وموافقة البرلمان اللبناني ومع معارضة شديدة – خاصة من قبل الكتائب اللبنانية) لأن مثل هذا الأمر حسب زعمهم. لابد وأن يجعل إسرائيل ترد وهذا ما سوف يورط الجيش اللبناني (العاجز عن مواجهة الطيران الإسرائيلي) واللبنانيين وحكومتهم في معركة مع الجيش الإسرائيلي ليسوا بقدرة على مواجهتها. وهذا ما أوقع الحكومة اللبنانية في ورطة لأن الرد الإسرائيلي على الهجمات كان طوال تلك السنوات قاسياً ومدمراً وهو ما أعطى المبرر لبعض الأحزاب اللبنانية اليمينية لأن تطالب بوقف العمليات الفدائية وإخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان وهذا ما أدى إلى وقوع عدة اشتباكات بين المليشيات المسيحية والجيش مع فصائل المقاومة خاصة بعد قيام “يهود باراك “مع مجموعة من الضفادع البشرية عام 1973 باغتيال ثلاثة من قادة المقاومة في منطقة الفردان (كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار) بالقرب من ثكنة للجيش اللبناني مما أزعج الجماهير اللبنانية على جيشها وحكومتها. وهذا ما جعل رئيس الجمهورية “سليمان فرنجية” يعلن أن مهمة الجيش اللبناني ليست حماية المقاومة. مما فاقم الوضع أكثر وألب الشعب على حكومته ورئيسه. وهذا كان مبررا لحكومات دول عربية كي تقدم كافة أشكال المساعدات للمقاومة (عسكرية ومالية من العراق وليبيا ومالية من دول الخليج زعم أن السعودية قدمت يومها حوالي سبع مليار دولار) مما أعطى لهذه الفصائل مجالا لصرف الأموال وكسب الموالين ولفرض مزيد من التوسع والهيمنة في لبنان وبخاصة على وسط بيروت التجاري. ومن القيام بمزيد من العمليات الخلبية،لكسب مزيد من التأييد الشعبي والوطني واليساري وهذا ما جعل المقاومة (ربما بصورة عفوية وغالبا نتيجة تخطيط مسبق) تخرج عما نص عليه اتفاق القاهرة (القيام بعمليات ضد الاحتلال) مما جعلها تصبح لاعباً محلياً في الداخل اللبناني، وداعماً لمعارك القوى الوطنية واليسارية ضد اليمين الانعزالي. وهذا ما جعلها تنزلق أكثر فأكثر في الشأن اللبناني الداخلي حتى أصبحت تتدخل في كثير من المواقف الحكومية الصغيرة. وهذا ما جعل من حي الفاكهاني وسط بيروت الغربية يصبح بمثابة دولة ضمن دولة، إن لم نقل الحاكم الفعلي للبنان. 

ثانياً: حكومة الفاكهاني وفتح لاند: 

وهكذا تحولت بيروت مدينة التجارة والبنوك والاستيراد والتصدير واللهو. إلى مرتع خصب لفصائل المقاومة ومعاركها مع بعضها البعض للحصول على مزيد من المكاسب والمغانم. أو لكسب المؤيدين والأنصار. ومن ثم لنزع أخلاقهم وإفسادهم. وهذا ما كان ضد طبعي وأخلاقي وقيمي. ولهذا لم أعد قادراً على زيارة لبنان كيلا اشتبك مع كثير من قادة وأنصار الفصائل. 

من حق الفلسطينيين وفصائلهم المسلحة أن يُنغصوا على العدو الصهيوني حياته كونه احتل أرضهم وهجرهم منها. حتى يُرغموه على إعطاءهم حقوقهم المشروعة وفي مقدمتها العودة إلى مدنهم وقراهم التي هجروا منها بالقوة والترهيب. من خلال مواجهته على الحدود التي احتلها وتموضع خلفها سواء في الحدود من سوريا أو الاردن أو لبنان وخاصة في الجنوب وفي العرقوب. لكن ليس من حقهم أن يؤثر ذلك سلباً على حياة اللبنانيين الخاصة أو أن يتدخلوا في شؤونهم السياسية والأمنية والاقتصادية الداخلية. 

هذا التمادي جعل البعض يحول بيروت من مدينة للمال والتجارة واللهو إلى ما يشبه غابة من البنادق ومرتعاً للبلطجية والزعرنة، ولكل من هب ودب من شبيحة ومرتزقة الوطن العربي والعالم. لمجرد أن يزعم أنه مقاتل أو مؤيد للمقاومة أو محب لفلسطين. حيث يتعلم بعد فترة كيف يقوم بأخذ “الخوات” من اللبنانيين والتمتع بالليالي الملاح والسكر والعربدة في ملاهي وحانات وشوارع بيروت. فهذا أمر لا يمكن لأحد أن يقره أو يقبل به. وأنا كفلسطيني (وأمثالي كثر) كنا من المعارضين الأشداء لهذه السياسية والتصرفات، ليس لمخالفتها للهدف الذي أوجدت المقاومة من أجله فقط. بل لأننا كنا نعرف النتائج التي سوف تترتب عليها وما سوف تجره علينا وعلى قضيتنا من مصائب. 

نتيجة معايشتي تجارب مماثلة مرة عاشتها ما تسمى المقاومة الفلسطينية في الأردن. كنت كغيري أدرك أن تكرار تلك السياسة في لبنان ستؤدي أيضاً وحتماً إلى تأليب الشعب اللبناني (حتى الوطني) على المقاومة وإلى كره القضية وكره فلسطين بل وإلى التحالف مع العدو كما حصل في الأردن. وقد تقودها إلى معارك داخلية مع بعضها البعض بأسوأ مما حصل في الأردن. 

لكن على الرغم من التحذيرات التي كنت وغيري من الشرفاء في التنظيمات الفلسطينية واللبنانية نقدمها لقادة الفصائل إلا أن أطرافاً فلسطينية عديدة كانت تيصر على الاستمرار بهذه السياسة المدمرة. 

والطريف أن ما حذرت أنا وغيري من وقوعه في الأردن منذ عام 1969 بعد أن طرح زعيم الجبهة الديمقراطية (الماسوني نايف حواتمة) السلطة كل السلطة للمقاومة وإقامة مناطق محررة حمراء من ردات فعل قاسية من النظام والعشائر البدوية على الفدائيين . وهو ما تجسد عمليا ’عامي 1970 و1971 بمجازر قد تتكرر وتحدث في لبنان. ولأنني طالبت يومها وقف الانحرافات والتدخل في الشأن اللبناني اتهمت بالعمالة للغرب ولليمين اللبناني مع أن من خدم الغرب والصهيونية عمليا هم القيادات التي كانت تغذي تلك الممارسات القذرة. وتروج لتلك التنظيرات المشوهة والانحرافات الفكرية والسياسية الخطيرة. 

ومن المؤسف أن الأمور التي حذرت من وقوعها في الأردن. (ترك ساحة المواجهة مع العدو والتمركز في المدن والعاصمة عمان والتعدي على كرامات الناس). تكررت في لبنان بعد أن ترك أغلبهم الجنوب حيث العدو , وحيث يجب أن يكونوا ـ واستقروا في بيروت , في الحانات والبارات والأزقة. وكما تركت المقاومة عام 1969 الأغوار وجرش وعجلون وتجمعت في عمان لتصنع منها هانوي (حسب تنظيرات الأردني السبتي نايف حواتمة والعراقي الماسوني الجزار “قيس السامرائي” والمعروف بأبو ليلى بما يبرر للجيش الأردني ارتكاب أبشع الجرائم والمجازر التي ارتكبت عام 1970. 1971، وإخراج المقاومة من الاردن وهو ما قد يحصل، بل سيحصل حتماً في لبنان. لذلك توقفت عن زيارة لبنان.. 

وللأسف لم تمنع التحذيرات وقف التجاوزات والانحرافات فتكررت المجازر في لبنان بصورة أبشع وهو ماحصل في صيدا وصور وطرابلس وصبرا وشاتيلا بأبشع مما حدث في مخيمات عمان وإربد. ومن ثم زادت عليها ما تسمى الوفاء للمقاومة بحصار المخيمات حتى اليوم مما أنهى كل العمل الفدائي لكافة فصائل المقاومة الفلسطينية من الخارج. وللأسف وعلى الرغم من كل الأخطاء والموبقات والجرائم التي ارتكبت باسم فلسطين وبدعوى التحرير تبين أن تلك السياسة القذرة كانت ممنهجة ومرسومة كي تُخرج المقاومة من لبنان بطلب من اللبنانيين (ومن الوطني سليم الحص حرصا على بيروت وعلى المقاومة) وهم جعلها بعد الخروج عام 1982 من بيروت غير مهزومة وهو ما جعل عرفات يخرج وهو يرفع شارة النصر الذي للأسف مازال كثيرين حتى اليوم يتغنون به ويتغنون ببيروت وبما فعلوه فيها. ليجد في ذلك ما يبرر له الذهاب إلى القاهرة المطبعة مع إسرائيل كمقدمة لكي يذهب بعدها إلى مدريد، ومن ثم إلى أوسلو، كي يتنازل عن ما احتل من فلسطين عام 1948 (78% من فلسطين وليقبل بعد ذلك المساومة على ما يمكن أن تقدمه إسرائيل من غزة والضفة الغربية. الأمر الذي كان يفترض أن يطرح ألف سؤال وسؤال عن وجود حركة وطنية حقيقية أو حركة معارضة حقيقية أو فكر نقدي أو حتى وعي يجنبنا ما قد يتكرر سواء في فلسطين أو سوريا ولبنان.. إلخ. 

ثالثاً: تحالف وتعاون الجبهة اللبنانية مع إسرائيل: 

على الضد مما قامت به فصائل المقاومة في لبنان وبيروت زعم الموارنة المنتمين لأحزاب يمينية مثل الكتائب والوطنيين الأحرار والقوات اللبنانية والمردة بأن مصيرهم بات مهددا بالزوال لذلك كونوا جبهة متحدة (الجبهة اللبنانية) لمواجهة ما اعتبروه خطراً على وجودهم في لبنان وعلى الكيان اللبناني. فلم يجد منظريهم وقادتهم مانعا في التحالف مع إسرائيل وإقامة جيش من اللبنانيين شكله انطوان لحد يأتمر بأمرها في الجنوب. وبالتالي برر لقادتهم المعتدلين التلاقي علناً مع الاسرائيليين. وهذا ما أكده بقردوني في مقابلاته وكتبه (حيث التقى بيار الجميل وجورج عدوان وبشـــير الجميل مـــع بيغن في نتانيا) ومن ثم تمكن أمين الجميل من إبرام اتفاق 17 أيار بما يتيح لإسرائيل البقاء في جنوب لبنان وتقديم السلاح لهم. وهذا ما عمق الهوة بين اللبنانيين وزاد من الأحقاد والعداوات، حتى اختلطت المبادئ مع العصبيات فدخل لبنان في حرب دموية صار فيها القتل على الهوية مشرعا. وكان لابد من مخرج، لكن للأسف كان المخرج أسوا. حيث ذبح العنصريين المسيحيين المدنيين الفلسطينيين بعد أن أعطاهم شارون الضوء الأخضر ثم راحوا يحاصرونهم ويضيقون عليهم. 

رابعاً: انقياد وتبعية الحركة الوطنية اللبنانية لفتح: 

لابد من الاعتراف بأن القوى المعادية للشعوب وثوراتها على نطاق العالم بما فيه في وطننا العربي وتحديدا في لبنان وفلسطين كانت وما تزال أقوى. كونها نجحت في تدمير تلك الثورات أو في إجهاضها. وهذا طبعاً لا يعود لما تمتلكه من قوة مادية ووحدة فحسب، بل لقلة الوعي والالتزام بالمبادئ والقيم الثورية للقيادات الثورية مما جعلهم ينساقون وراء إما قوى مزايدة ومشبوهة. لذا كان لابد من تسميتها وتحديدها بلا مواربة أو خجل. كي لانترك لها المجال لتلعب لاحقاً بالثورة كما لعبت بها سابقاً. وكيلا يكرر الثوار الأخطاء ذاتها. 

ولهذا نراجع وننتقد ونكتب ويجب أن نستمر. وكما طرحنا أسئلة كثيرة على الفلسطينيين وقياداتهم سابقاً نطرح اليوم أسئلة مماثلة على اللبنانيين وقيادة ما تسمى الحركة الوطنية في لبنان؟ 

هل مازالوا على تلك الدرجة من الهزال والضعف والغباء الذي جعلهم ينساقوا بتلك الطريقة لما كان يخطط لهم من الخارج أو من الداخل ليعترفوا بحق إسرائيل في الوجود على أرضهم التاريخية وأن يتحولوا إلى أدوات لهم؟ 

لماذا انساقت الحركة الوطنية اللبنانية (في تلك المرحلة) وراء المنظمات الفلسطينية وتحديداً فتح والديمقراطية وجواسيسهما؟ كيف قبلت أو سكتت على تدخلاتهم في الصغيرة والكبيرة للبنانيين؟ لماذا سكتت على تجاوزاتها وأخطائها؟ لماذا سكتت على تجمعها في بيروت واتخاذها أسيرة بيد فصائل مشبوهة؟ لماذا سكتت على انسحابها أمام القوات الإسرائيلية من العرقوب والجنوب وقلعة شقيف ومن صيدا ومخيماتها وتركتها لإسرائيل خلال أقل من يوم واحد لتتجمع في بيروت مقدمة لحصارها وتدميرها؟ من يتحمل مسؤولية اتخاذ ألف قرار وقرار خاطئ؟ 

كيف نجنب القوى الوطنية اللبنانية الوقوع في الخطأ ذاته إن لم نقدم إجابات صحيحة على لماذا سكتت قياداتها على تلك الممارسات، وإن لم تقدم إجابات شفافة على مئات الأسئلة التي تطرح لتفسير الأخطاء التي ارتكبت؟ 

خامساً: موبقات النظام السوري في لبنان: 

1- ثمة مرحلة هامة لا بد من العروج عليها من حياة الشعب اللبناني كونه تم فيها تدمير لبنان امنياً وخلقياً ومالياً أكثر مما تم في أي مرحلة أخرى في تاريخ لبنان. وهو ما نتج بشكل رئيسي عن تواجد الجيش العربي السوري وقوات الأمن السورية في لبنان. وعن طريقة تعامله وحله للصراع الطائفي، حيث تمت أكبر عملية إفساد ممنهجة للبنانيين. بذات الوقت لإفساد وتخريب غالبية ضباط ومقاتلي الجيش السوري ورجال أمنه. 

ما لايعرفه كثيرون وتوصلت إليه هو أن أطرافا معينة داخل النظام السوري (وربما بدفع من خارجه) سعت إلى إدخال أغلب فرق الجيش السوري إلى لبنان بهدف إفسادها كلها ونزع أخلاقها، حيث كان يجري كل ثلاث سنوات عملية تسليم واستلام (ثلاث فرق تدخل وأخرى تخرج). وحيث كانت (حوالي ألف سيارة) سيارات المبيت (الزيل والجيب والفولكسفاجن) تخرج يومياً من لبنان محملة بكل أنواع المواد المهربة أو المسروقة من البيوت والأماكن التي تركها اللبنانيين خوفاً من الموت والقتال. وكثيراً ما كنت أشاهد سيارات الزيل وحتى الجيب وهي محملة بالثريات والفضيات والأواني الزجاجية والثياب والأغطية وحتى المغاسل والسراميك والشبابيك والأبواب. وحيث كنت أسمع من بعض الضباط والجنود الشرفاء عن عمليات سرقة نهب لبيوت وحانات ومستودعات ومحال تجارية كاملة، ومعامل صغيرة ومصانع كبيرة ومزارع تقدر بعشرات مليارات الدولارات. قضى الشعب اللبناني عشرات السنين في بنائها وخلقها وتطويرها وجمعها ودفع دم أبنائه المقيمين والمغتربين ثمنا لها. كان لابد من أن تنعكس سلباً على مستقبله حتى اليوم. لذلك لابد من التوقف عندها مطولا والتدقيق فيما أفرزته من دمار على المستويات كافة، الاقتصادية والسياسية والمعنوية والأخلاقية. 

هذا عدى عن أخذ خاوات من المارة على الحواجز (وإلا سيتم توقيفهم لساعات أو أيام) إضافة لعمليات أخرى كان يتم فيها إلحاق الظلم بالناس. ولهذا كنت أرى أن هذا يمكن أن يحول الجيش السوري إلى مرتزقة ونهيبة وشبيحة وينسيهم ما تعلموه عن استخدام السلاح في مواجهة العدو والدفاع عن الوطن. 

2- طريقة تعاطي النظام السوري مع اللبنانيين كانت برأيي انعكاساً وتطبيقاً لرؤية متخلفة وهمجية واستبداية لحل مشكلة الطائفية (أو الحرب الأهلية) ناجمة عن بنية عقلية فاشية قمعية لا يمكن أن تحل المشكلة بل تفاقمها. حيث توقفت مطولاً أمام طريقة تعاطي كثير من الجنود والضباط السوريين مع اللبنانيين على مختلف مستوياتهم بفوقية وغطرسة غير مقبولة. حيث كانوا يعاملونهم على الحواجز بكثير من الازدراء والإذلال. وهذا ماكنت أشاهده أثناء زياراتي المتكررة متخفياً إلى الأردن وهو ما جعلني أحذر كثيراً من القيادات الفلسطينية من انعكاساته السلبية على موقف المواطنين الأردنيين من المقاومة وبما قد يجعلهم يصطفون خلف الجيش الأردني وقيادتهم وملكهم (والذين يزعمون محاربتهم) في حال وقوع أزمة مع المقاومة. وهو ماحصل فعلاً وكان عاملاً مهماً في هزيمة المقاومة في الأردن وقتل آلاف الكوادر والعشرات ممن كنت أعرفهم. لذلك كنت كلما التقى مع الضباط السوريين احذرهم من مثل خطورة السكوت على هذه التصرفات. لكن بلا جدوى. حيث كنت أسمع كلاماً قاسياً مثل: “هؤلاء ما بيمشوا مزبوط إلا بالصرماية. ومن يقتلون بعضهم البعض على الهوية ما بيستاهلو الاحترام”. و”هدول ,, ما بتنفع معهم إلاً العين الحمرة. والدوس على رقابهم.. إلخ”. 

وهذا كان موضوعاً دائماً كنت أبحثه أو أتناقش فيه مع كثير من الضباط والمسؤولين. حيث كنت أعتقد (وهذا ما كان يوافقني عليه كثير من الضباط أذكر منهم ابراهيم بلول وأحمد يونس ومحمد فارس (من عين العروس قضاء جبلة) وسليم أبو قاسم ومحمد قاسم.. إلخ، سرح بعضهم وهو برتبة عقيد أو عميد أو لواء من أكثر من عشرين عاماً) أن أسلوب إذلال المواطنين العزل على الحواجز عدى عن كونه خطأ، فهو لا يمكن أن يخلق علاقة ودية مع سوريا التي تحتاج إلى حلفاء معها. فأجابني أحد ضباط الأمن السوري: “اللبناني كالراصور (النابض) عندما تدوس عليه يظل نائماً أما إذا رفعت قدمك عنه ينتفض ويصيبك بأذى. لذا لابد من أن تبقي قدمك على رأسه حفاظاً على نفسك”. وقال آخر من يقتل على الهوية يجب دوسه بالصرماية. وبناء على هذا الفهم كان يتم التعامل مع كبار ضباط الجيش اللبناني وحتى قائده، وهو ما يتفق مع ما سمعته من ضابط كان سائقاً للعميد السوري الذي نقل العماد عون من السفارة الفرنسية إلى المطار أن العميد قال له في الطريق أثناء توصيله “منفضحك إذا جبت اسم سوريا، ملفك عنا، ومنجيبك وين ما كنت إذا جبت إسم سوريا أو الأسد على لسانك. وليكن بعلمك أنه لا فرنسا تبعك ولا أمريكا معلمتك بتحميك”. ولعل هذا ماجعل عون يصمت طوال الخمسة عشر عاماً التي قضاها في فرنسا ولم يأتي فيها على ذكر سوريا أو الأسدين بسوء، ولعل هذا مايفسر الإنقلاب الذي حصل في موقفه وموقف حزبه وجمهوره من سوريا بعد أن عاد من باريس، كما يفسر تحالفه مع حزب الله ومع سوريا خوفاً من القتل أو من التهديد الذي سمعه وعرف جيداً أن لدى النظام السوري ما يمكنه من أن ينفذ تهديداته. وربما كان لهذا الخوف والرعب من القتل ما جعل الكثير من الضباط اللبنانيين الذين باتوا اليوم برتبة لواء، أو الذين باتوا اليوم يتمخترون و”يتفشخرون” سبباً في خنوعهم وقبولهم التحالف مع حزب الله خوفاً على رقابهم. حيث كنت أشاهد بعضهم عندما كانوا يطلون برؤوسهم أثناء دخولهم (بسيارات مفيمة) إلى مقر المخابرات السورية صاغرين. ولأنهم كانوا وباتوا يعرفون ذلك. من خلال عمليات الاغتيال التي طالت كثير من الشخصيات اللبنانية الكبيرة. كنت وما أزال أعتقد أن طريقة التعامل تلك لا يمكن أن تحول دون الحرب الطائفية ولايحل المشكلة اللبنانية بشكل صحيح طريقتان للحل، الطريقة الاستبدادية والطريقة الديمقراطية. 

كنت وما أزال أعتقد أن طريقة التفكير التي ترى، أن قطع يد السارق تشكل حلاً، وأن قمع الناس وسجنها وكم الأفواه عدا عن كونها موروثة من النظام العبودي الاستبدادي ليست حلاً. لا بل هي حل همجي وحشي لم ولن يوقف السرقة أو الفساد والقتل والدعارة. وأن الحل الصحيح يكمن في معرفة ومعالجة الأسباب التي أدت وتؤدي إلى السرقة والفساد والقتل، والقتل على الهوية. والعمل على إزالة كل ما يسبب التفاوت والفقر والتهميش والشذوذ. 

3- مع أنني لم أزر فيها مركز فرعي المخابرات السورية في “عنجر” وفي “جب جنين” (المعروف من كثير من اللبنانيين بالمسلخ) برفقة زملائي الضباط. إلا مرات معدودة للتوسط لفلان أو للرفق به أو لإخراج فلان أو علان من الاعتقال. أو للسؤال عن مكان أو مصير فلان وفلان. من معارف أقربائي الكثر في لبنان. إلا أنها كانت كافية لتشعرني بالرعب وتعرفني على البشاعة والقسوة بأبشع صورها. حيث كنت انتظر مطولا على الباب الخارجي حتى يسمح لي بالدخول، لهذا كنت أشاهد كثيراً من السيارات العسكرية وهي تدخل حاملة العشرات من المدنيين ورؤوسهم مغطاة بأكياس من الورق أو المعصبة جباههم أو المغلقة أعينهم “المطمشين” أو المدماة وجوههم. كما كنت اشاهد كيف كانت تفتح الأبواب بسرعة لضباط لبنانيين في سيارات (رانج روفر لبنانية مظلمة) مفيمة، كونهم كانوا معروفين من أرقام سياراتهم وهم من عرفت لاحقاً أنهم كانوا موثوقين لذلك تسلموا لاحقاً مراكز حساسة في الأمن العام اللبناني وحرس القصر الجمهوري اللبناني. وهكذا لم يكن من الممكن إلا أن أربط بين الدور القذر الذي كان هؤلاء الضباط اللبنانيين يمارسونه في اعتقال إخوانهم المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين أو إخفائهم أو تغييبها أو قتلها. 

عندما كنت ألتقي بأصدقاء لبنانيين أو فلسطينيين أصدقاء للشيوعيين أو قوميين أو ناصريين أو يساريين متطرفين، مثل حركة السادس من شباط وحزب العمل الشيوعي والتنظيم الناصري والحزب الديمقراطي الكردي و.. إلخ. كنت أعرف من خلالهم أن عشرات من قادة تلك الأحزاب والجماعات كانوا قد اعتقلوا أو اختفوا. وهو ما تأكد لي لاحقاً من خلال ما نشر فيما بعد في نشرات سرية لتلك الأحزاب اليسارية، أن أكثر من ستمائة قيادي حزبي من الناصريين ورابطة العمل الشيوعي واتحاد الشغيلة، منهم خمسون قيادياً في الحزب الشيوعي اللبناني تمت تصفيتهم جسدياً. كما سمعت من شيوعي لبناني أنه جرى اعتقال المئات منهم مما أدى إلى هرب المئات خارج لبنان خوفاً من الاعتقال أو الموت. ولا أنكر أن فرائصي كانت ترتعد عندما كنت أتوقف عند مدخل المبنى منتظراً السماح لي بالدخول. حيث كدت أتقيأ وأنا استمع عويل وصرخ الموقوفين والمطمشين على الأدراج والغرف المغلقة. وبدني يقشعر على سمع لسعات السياط والضربات التي كانت تقع على الأجساد العارية تحت المياه الباردة.لذلك لابد من التدقيق في معرفة من كان وراء والبحث في خلفيات وأبعاد طريقة العنف والسحل وكم الأفواه في لبنان وفي الوطن العربي كله، كما يجب أن ندقق ليس في طريقة التعامل فحسب بل في من كانت تتبع ضدهم، ولماذا ومن يقف ورائها ولمصلحة من كانت تتم؟ 

على الأغلب كان الوطنيين والثوريين واليساريين يمنعون من القول والعمل السياسي بحرية أو اعتقالهم أو سجنهم أو قتلهم أو تهجيرهم من بلدانهم. لا يمكن إلا أن تحصل أو تكون أو تصب أو تخدم سوى القوى المستغلة والمستبدة والناهبة في العالم. 

لهذا أوجه اليوم ل قادة تلك الأحزاب (الفطاحل)، لماذا لم تفضحوا تلك الأعمال البشعة، بعد أن خرجت القوات السورية؟ ولم تذكروا شيئاً عن تلك الجرائم ولم تشهروا بها بل سكتم عليها؟ هل خوفاً من الأمن السوري الذي بقي مهيمنا في لبنان من خلال القادة الذي خلفهم قبل أن يخرج. أم لأن السفيرة الأمريكية لا تريد ذلك أم نتيجة للخوف المعشعش في النفوس من تلك المرحلة؟ 

وربما لهذا وذاك كانوا ومازالوا يخافون من مجرد الإشارة لذلك الأمر. وربما لهذا تحولت تلك القوى المعلبة والهزيلة (والذليلة) وما تزال تدافع عن النظام السوري. كي تدافع عن نفسها وجبنها ولكي تغطي على ما كانت وما تزال تقوم به من أعمال مخزية مثل السرقة والنهب والتحكم برقاب العباد واستغلالهم. ولما سببته وتسببه من إفساد وتخريب للجيش السوري في لبنان وإضعافاً لروحه المعنوية والقتالية. 

من حسن الحظ أن كثيراً من الضباط السوريين الشرفاء كانوا من أصدقائي الذين كانوا مثلي (باتوا اليوم برتبة لواء أو عميد مسرح. ) يرفضون تلك الممارسات ويدينونها، وكانوا يرون أن طريقة تعاطي قادتهم أو المخابرات السورية ونظامهم مع اللبنانيين بتلك الطرق والأساليب ليست مرفوضة ومستنكرة بل ومدانة. لكنهم للأسف مثلي ومثل كثير من المسؤولين الشرفاء والأحرار كما بينت سابقاً لم يكونوا يملكون القرار. 

4- عمليات الاغتيال، من الضروري أن يقوم مختصين لبنانيين بالربط بين عمليات الاغتيال التي طالت كثير من رؤساء الجمهوريات أمثال بشير الجميل ومرشحين لها مثل طوني فرنجية وطوني شمعون وبيار الجميل الابن والقيادات اللبنانية الأخرى التي لا يتسع المجال لذكرها لكثرتها والتركيز على دورها الحاسم في التحولات السياسية الجارية في لبنان أكثر من أي منطقة أخرى في العالم والمنطقة. 

وقد لا يتذكر الكثير من المتابعين للشأن اللبناني أن اغتيال كلاً من المفكر والمناضل والأستاذ الجامعي مهدي عامل والفيلسوف النبيل ذو الثمانين عاماً ونيف حسين مروة مع حفيده الصغير، في تموز من عام 1987 ومن ثم اغتيال القامة الوطنية والثورية الكبيرة “كمال جنبلاط” ورشيد كرامي من قبل قوى ظلامية فاشية. جاء في سياق هجمة امبريالية على اليسار في المنطقة ولبنان مقدمة لمرحلة تهيمن فيها القوى الدينية على المنطقة. 

5- تواطئ زعامات الشيعة على تغييب موسى الصدر، من المؤكد أن المرحلة الراهنة تختلف عن المرحلة التي استخدم فيها السيد موسى الصدركمحرك ثوري. لذا كان لابد من تغييبه. وهو ما شكل (وترافق مع) بداية التحول الجذري في مسيرة لبنان السياسية لفرض أجندة بأسلوب (ثورجي !) من خلال شخصيات طائفية مثل نبيه بري وطلال ارسلان ووئام وهاب وإيميل رحمة. إلخ.أولتجنب الفراغ السياسي الناتج عن إخراج المقاومة الفلسطينية وإضعاف القوى الوطنية اللبنانية. حيث ظهرتبدلا منها أحزاب جديدة وقيادات جديدة مثل حزب الله (حيث بدأ نجمه يسطع بعد ذلك التاريخ) وحزب التوحيد وحزب كرامة والحزب الديمقراطي العربي. وهذا باعتقادي لا يمكن أن يمر دون علم، إن لم نقل دون موافقة السي آي إيه وبتنفيذ ورعاية المخابرات السورية التي كانت تعلم بكل كبيرة وصغيرة وتشرف على تنفيذها. كونها كانت مسؤولة رسمياً وعلناً عن الملف الأمني في لبنان. 

 

 

 

 

الفصل السابع:
مرحلة الهيمنة السورية-الإيرانية على لبنان

 

 (المرحلة السابعة) من عام 1990 إلى 2005:  

ما الذي يمكن أن يجمع أو أن تجتمع عليه دولتان مثل سوريا كدولة تتبنى القومية العربية والعلمانية، وبين إيران كدولة فارسية دينية إسلامية ظلامية في لبنان؟ غير العداء للعراق والعرب؟ وكيف يمكن لدولة تزعم أنها تتبنى الفكر القومي وتنتمي لذات الحزب (حزب البعث) أن تتحالف مع دولة يحكمها الفرس المتعصبين و معادين للعرب والقومية العربية خاصة في لبنان؟ خاصة بعد عام 1980. أي بعد عام من مؤتمر الصمود والتصدي الذي عقد في بغداد عام 1979 والذي باركته سوريا وحضره رئيسها. حيث جعل بعدها زيارة العراق محرمة على السوريين كما زيارة إسرائيل. 

لاشك أن مثل هذا الحظر يشير إلى وجود جانب مظلم يؤكد على وجود تحالف خفي أقوى من العداء للعروبة والقومية لايمكن لأي طرف الإضاءة عليه. الأمر الذي يستدعي من الباحثين عن الحقيقة التدقيق فيه وفي أمور أبعد مما يقال في وسائل الإعلام عن عداء مزعوم لإسرائيل وأمريكا. 

يكفي أن نتذكر بأن من وقف مع سوريا في حرب 1973 كان العراق. وكان أول من أدان اتفاق كامب ديفيد وأول من قصف إسرائيل بالصواريخ. كي نبحث عن سر العداء بين نظامين قوميين وتحالف أحدهما مع نظام سمته الأساسية معادات العرب، الأمر الذي ترتب عليه انقسام الساحة العربية لتيارين متصارعين. كانت إسرائيل المستفيد الأساسي منه. 

فكرة صراع الحضارات والأديان: 

تؤكد الوقائع التاريخية غير المدونة حتى اليوم. أن جميع القوى الغازية عبر التاريخ كانت تلجأ لتدمير خصومها من خلال ارسال الجواسيس للتعرف على التناقضات الداخلية لدى الخصم ومن ثم اتباع سياسة “فرق تسد” باستغلال الخلافات الداخلية القائمة بينها. أو بتغذيتها من الخارج. وهي السياسة التي اتقنها الاستعمار البريطاني واستفاد منها وخبرها تلميذه الاستعمار الأمريكي. ونحن هنا لا نتحدث عن مؤامرة متخيلة تحدث في الخفاء بل عن حقيقة واضحة، وعن واقع معروف منذ القدم، واقع محسوس وملموس جرى ويجري على الأرض يومياً. 

حيث نفذت أمريكا -وما تزال تنفذ- تلك السياسة عملياً على أرض الواقع منذ بداية الحرب العراقية الإيرانية الأولى (1980 إلى 1988) وحتى اليوم بعد أن أسقطت نظام صدام حسين المنافس لنظام الأسد. وحتى بعد أن جاءت بإيران لتحكم العراق. 

يومها طرح ونفذ “هنري كيسنجر” () وزير الخارجية الأمريكي ورئيس مجلس الأمن القومي ورئيس المخابرات الأمريكية، سياسة 

“الاحتواء المزدوج” لكل من الطرفين المتحاربين (إيران والعراق) من خلال تقديم الأسلحة والمعلومات للطرفين، أو الدعم السياسي تارة لهذا الطرف وتارة للطرف الآخر بما يجعل الطرفان يتقاتلان حتى يدمران بعضهما (وهي تتفرج وتجني الأرباح الهائلة وتتجاوز أزماتها). واستمرت هذه السياسة حتى عام 1988 حتى أُنهك البلدان ودمرا بعضهما. 

 ومن التوافقات الغريبة أن غورباتشوف بعد أن أعلن عن البريستوريكا في ذلك العام وأخرج قواته من أفغانستان. بدأت بعدها عملية إسقاط الاتحاد السوفيتي ومن خلفه المنظومة الإشتراكية ومنظومة عدم الإنحياز وحركة التحرر القومي والوطني العربية. بما يعني أن التغير الاستراتيجي الدولي كان له الدور الحاسم في التغيرات التي حصلت لاحقاً في الساحة العربية ومنها لبنان. 

وبما أن سياسة احتواء السوفييت التي اتبعها روزفلت نجحت في محاصرة وهزيمة الاشتراكية. وبما أن سياسة الاحتواء المزدوج نجحت في تدمير كلاً من العراق وإيران لذلك “وجد هنري كيسنجر. كرئيس لمجلس الأمن القومي أن على أمريكا أن توسع دائرة الاحتواء المزدوج. ليشمل العالمين العربي والإسلامي (حوالي 55 دولة تضم مليار ونصف مليار إنسان). من خلال العمل على تغذية وتوسيع دائرة الحرب بين دولها بما يجعل البلدان العربية والإسلامية تقاتل بعضها البعض استناداً للمذاهب المختلفة حتى تدمر نفسها من الداخل، بينما تقف هي تتفرج وتكسب وتتوسع من خلال لعب دور الوسيط في الحرب بين الدول وبين السنة والشيعة. حيث تؤكد التحليلات والوقائع التاريخية الكثيرة أن الإمبريالية الأمريكية بعد سقوط المنظومة الاشتراكية (عدو الإمبريالية الأمريكية الأقوى) ولبقاء الصناعات العسكرية الأمريكية تعمل كما كانت تعمل سابقاً أيام الحرب الباردة، وبما يبقى العصب الإمبريالي في العالم مشدوداً في مواجهة ثورات الشعوب بعد أن غاب من الساحة الدولية الداعم الرئيسي لها (النظام الاشتراكي). ولكي تستمر الصناعات الحربية التي كانت فعالة في الفترة السابقة كان لابد من افتعال حروب بين هذه الدول لبيع السلاح لها، وبهذه الطريقة تنهب خيرات شعوب هذه البلدان وتفرض أنظمة دينية مذهبية متخلفة واستبدادية تتصارع إلى الأبد وهي تتفرج. 

وهكذا كان لابد من إقناع شعوب الدول الغربية وغير الغربية بأن الإسلام بات العدو الجديد لها. وكان زعماء المسلمين (خاصة العولاء منهم) جاهزين ومهيئين لتقبل وتلبس هذه التهمة. فتنامت الحركات الإسلامية بسرعة وتفشخرت وتمادت حتى باتت شعوبها مقتنعة بأنها عدوة فعلية لكل من البوذية والمسيحية الشرقية والغربية والهندوسية. وهو ما التقطه وصاغه عام 1992 “صموئيل هنتنجتون” في كتابه “صراع الحضارات” أي الصراع بين الأديان (المسيحية الغربية والشرقية وبينها وبين البوذية والإسلام، بدلاً من الصراع ضد الشيوعية). 

وبما أن القوى الإمبريالية كانت من قبل تعطي لأغلب القوى والأحزاب والتيارات الدينية (السنية والشيعية والمسيحية والبوذية والسيخية.. إلخ) دوراً حاسماً في مواجهة القوى الوطنية والقومية واليسارية في بلادها. وبالتالي في تدمير وتخلف وتخليف شعوبها خاصة في الوطن العربي. وبما أنه ثبت لدى ساستها نجاح استخدام الدين الإسلامي في محاربة الأنظمة الوطنية والقومية واليسارية على النطاق الإقليمي والدولي وحتى سقوط المعسكر الاشتراكي وعدم الانحياز. فكان لابد من استثمار الإسلام وقادة المسلمين المعروفين لديها والذين كانت تستضيفهم في بلادها (خاصة باريس ولندن وبرلين) في صراع جديد بين بعضهم البعض. وهكذا تم تعميق الصراع بين السنة والشيعة (حسب نظرية هنتنجتون في صراع الحضارات والأديان) وهكذا أصبح المسلمين والإسلام أصبح عدواً جديداً للعالم كله وعدواً لنفسه. ومن ثم جعل الإرهاب الإسلامي أو الخوف من الإسلام سلاحاً جديداً لإرهاب الجميع بما فيهم المسلمين وهكذا انتشرت فوبيا الخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا). وعلى ضوء ذلك نشأ صراع بين المسيحية الارثذكسية في روسيا والبلقان ضد المسلمين. تجلت في نهاية التسعينات بتمزيق يوغسلافيا وحرب البوسنة والهرسك والحرب ضد ألبانيا وضد المسلمين في آسيا الوسطى ضد الشيشان، وما بين البوذيين والمسلمين في جنوب آسيا من تنظيم القاعدة وابن لادن، ومن ثم من الروهينغا والايغور. ومن ثم بداعش. وكل من يتبع للإسلام السني في الشرق والغرب وخاصة في أوروبا الغربية. 

وهكذا استخدم الغرب قادة الإسلام والمسلمين -خاصة الأكثر عداءً للشيوعية مرة ثانية (بعد أن استخدموا الإسلام واستخدموهم سابقاً) لاحتواء وضرب المد الثوري ولجمه. في بلدانهم بذريعة نشر الدين الحنيف. ومن ثم نهبها وهكذا كانت كل من إيران الولي الفقيه وقاعدة بن لادن في أفغانستان جاهزتين. في حين راحت أمريكا تدير الصراع عن بعد، ومن التحكم بالجميع ولم يكن ينقصها سوى تغيير أساليبها الدعائية ودعم منظرين جدد. تغير شعاراتها وبرامجها القديمة وأدواتها وأساليب عملها. 

هامش: {لتفسير لماذا تم التركيز على الإسلام أكثر من البوذية وعلى السنة أكثر من الشيعة فهذا يعود في تقديري لسببين موضوعيين مهمين. 

أولهما، أن أغلب البلدان والشعوب المضطهدة والمنهوبة تدين بالإسلام (يزيد عن مليار ونصف مليار إنسان ينتشرون على بقعة جغرافية واسعة، تمتد من إندونيسيا شرقاً إلى موريتانيا غرباً، حيث يوجد في الوسط أكبر خزان للنفط والغاز في العالم يشكل موقع استراتيجي أن تحرر يستطيع أن يتحكم بالقوى العالمية الكبرى فيزيل إسرائيل. لذلك لابد من تدميره من الداخل بدعم إيران وشيعتها ضد السنة. 

ثانيهما، أن الإمبريالية كانت قد أوجدت في هذه الدول خلال المرحلة السابقة. تنظيمات وحشود من المجاهدين من أجل نشر الإسلام لمواجهة التيارات القومية واليسارية. تعرفهم جيداً وبالاسم. فوجدوا فيهم أدوات جيدة وطيعة قابلة للاستخدام بسرعة ضد الأنظمة الوطنية وضد بعضها. وضد الشعوب الثائرة على أنظمتها التابعة للغرب ولمنع توحدهم. لم يكن ينقص الغرب سوى مدهم بالسلاح وخلق قيادات جديدة تدعوا لنشر الإسلام بدءاً من إيران مروراً بالعراق وسوريا ولبنان. وهكذا برزت في إيران قيادة تبنت فكرة الولي الفقيه واعتبارها تمثل الإسلام الصحيح. ولكي تكسب جماهير حولها طرحت شعار تحرير القدس وإزالة إسرائيل واسقاط الأنظمة العربية العميلة لتبرير حربها الدينية. 

ومن هنا بدأ الخطر على جميع الأنظمة خاصة الخليجية. التي كان لابد لها من الدفاع عن نفسها. من حمل السلاح وشراءه من الغرب وتخزينه (قدرت صفقات التسلح لدول الخليج بعد عام 2003 بـ 500 مليار دولار). }

سلاح نظرية ولاية الفقيه: 

لم تكن تنقص منظري الغرب وأمريكا المعرفة الدقيقة بنقاط الخلاف الموجودة منذ القدم بين التيارات الإسلامية. فلم يكونوا بحاجة إلا من ينفخ فيها ويقويها. بينما يقومون هم بتغذية حكوماتها ومدها بالسلاح ودعمها سياسياً بالكلام. وهكذا وجد منظروهم الاستراتيجيين (برنار لويس ) أن من الممكن بل يجب تمكين الإيرانيين والشيعة الموالين لإيران من التفكير بإمكانية استعادة السلطة التي أخذت منهم عنوة قبل 1400 عام والنفخ فيهم بما يجعلهم يستعيدوا الحكم الذي سرقه منهم العرب السنة. ولم يكن ينقصهم إلا إبداع (العثور على منظر يبدع) نظرية تعطي للفرس الحق في حكم المسلمين جميعاً. وهكذا تم العثور على، ومن ثم ضخمت نظرية ولاية الفقيه على يد الخميني ونفذت من خلال شعار تصدير الثورة. مما أيقظ السعار النائم لدى الفرس للثأر من العرب وهكذا تسعر الخلاف القديم بين السنة والشيعة وراح لهيبة يطال الجميع. 

وبما أن حركة القاعدة السنية وحركة طالبان الجهادية كانتا جاهزتين لمواجهة الفرس والمجوس والشيعة فلم يكن ينقصهم سوى أن تقوم المخابرات الأمريكية بإعطائهم توقيت التحرك (كما كانت تحركها سابقاً ضد الشيوعية واليسار) ومساندتهما ومن ثم لتحكم سيطرتها عليهما وتدمرهما معاً. وهكذا راحت تسكت وتعمل على تصدير الثورة الخمينية إلى العراق بذريعة إسقاط الأنظمة العميلة. ثم وجدت أن تدمير العراق وتسليمه لإيران وأدواتها سيقوي إيران وشيعتها، بما يمكنهم من الاستفادة من قوة العراق الاقتصادية والبشرية والعقائدية ومن النزعة الثأرية والانتقامية للمرضى من شيعة العراق، وبما يوقظ الشعور بالغبن لدى الشيعة العرب وخاصة في لبنان،والواقع عليهم من السنة العثمانيين والوهابيين. وهكذا وجد عملاء الصهيونية والإمبريالية الجديدة في روسيا الجديدة في إيران الساعية للتوسع والهيمنة مجالا مناسبا لتصدير السلاح لها فراحوا يدعمون إيران تكنولوجياً وعسكرياً. وهو ماجعل من إيران قوة إقليمية وبما أنها ذات طابع مذهبي قوي فلقد أصبحت قادرة على مواجهة القوى السنية الأكبر والأوسع انتشارا في المنطقة. وهكذا كان شيعة لبنان والعراق وسوريا واليمن الفقراء جاهزين (كونهم كانوا معبئين ومحقونين بحقد طبقي ومذهبي دفين) للتحالف مع إيران وتشكيل حلف جديد يمتد من طهران إلى بيروت ظنا منهم أنهم إذا انتصروا على العرب وأخضعوهم لحكمهم يقبرون الفقر والتهميش فتم رفع شعارات مثل “هيهات منا الذلة” و”يالثارات الحسين” فهيجت الشيعة المغبونين تاريخياً وأمدتهم بقوة معنوية هائلة للانتقام من السنة (بدلاً من محاربة من أفقروهم فعلاً) فأصبحوا بذلك منفذين للسياسة الأمريكية على النطاق الإقليمي والدولي. 

وهكذا راحت إيران وأدواتها تهدد السعودية ودول الخليج وقطر والكويت من حوثيي اليمن ومن ثم من الشيعة في سوريا والعراق ولبنان. بما يجعل تلك الدول السنية تلجأ للغرب وأمريكا لحمايتهم، وبذلك تتمكن من ابتزازهم مالياً وسياسياً ومعنوياً وتسرق فائض أموالهم من خلال بيعهم السلاح القديم للدفاع عن أنفسهم، وحتى بما قد يجعلهم يلجئون إلى طلب حماية إسرائيل لهم أو بما يدفعهم للتطبيع معها خوفاً من التمدد الإيراني الذي بدأ يكتسح أربع دول عربية. 

استخدام أدوات قديمة في معارك وأهداف جديدة: 

أما الوضع في لبنان فكان جاهزاً أكثر باعتبار أن المرجعية الشيعية في قم (إيران الشاه) كانت قد أرسلت إلى لبنان السيد موسى الصدر (عدو الشيوعية اللدود) في فترة الصراع مع الشيوعية (كما أرسلت بن لادن السعودي ومحمود عزام الفلسطيني إلى أفغانستان لمحاربة الشيوعية لحرف اتجاه النضال الوطني الديمقراطي). وذلك لسحب البساط من تحت أقدام الأحزاب الوطنية واليسارية والحزب الشيوعي اللبناني. وهذا موثق في (الصفحة 314 في كتاب الطرابلسي) حيث أعلن الصدر صراحة أمام السفير الأمريكي عام 1974؛ أن شاغله الأساسي هو مواجهة النفوذ الشيوعي بين شباب الشيعة “بعد أن كان قد نجح في تشكيل ما سميت حركة المحرومين (كما قال فؤاد عجمي في ذات الصفحة “تجميع المهمشين اللبنانيين في الطوائف الأخرى ضمن بوتقة المحرومين الشيعة”. فسحب كثير من أنصار الأحزاب القومية واليسارية (الشيعة والفقراء والمهمشين والمحرومين) من الولاء لتلك الأحزاب وجعل ولائها تحت إمرة حركة أمل الشيعية. وهكذا وجدت أمريكا فيما تحقق على يده في السنوات السابقة تربة صالحة لتغذية روح الانتقام الكامنة في نفوس الشيعة من الظلم الذي لحق بهم على يد السنة والمسيحيين والمساهمة وفي تحويل الصراع في لبنان من حرب وطنية طبقية إلى حرب طائفية. وهو ما أنتج لاحقاً “حركة أمل” كحركة مسلحة مدعومة من سوريا وإيران. وهكذا وجدت المخابرات الأمريكية (استناداً لما قاله رئيس جمهورية إيران “الحسن بني الصدر” بعد تسلم أنصار الخميني حكم إيران عام 1981) في ميل الشعب الإيراني وشيعة العراق ولبنان للانتقام مما حل بهم على يد السنة العرب عبر التاريخ. جيشاً جاهزاً ومعبئاً للانتقام – خاصة وأن جروح التي ألحقها بهم جيش صدام في حرب الخليج الأولى طازجة لم تندمل بعد. 

وبعد أن قام موسى الصدر بالدور المطلوب منه عام 1974- 1978. كان لابد من إخفاءه هو وحركة المحرومين ليظهر بدلاً منه ومنها حركة طائفية وعنصرية (حركة أمل بزعامة نبيه بري) كقوة ضاربة وفتاكة ضد اليساريين والشيوعيين بعد أن أثبتت تلك الحركة جدواها في حرب المخيمات ومن ثم في حزب الله المعادي للشيوعية ما يسهل استخدامها هي وحلفاء أمريكا والسعودية في لبنان لمواجهة كل من يعادي أمريكا في لبنان والمنطقة. وهذا ما كان سبباً في انشقاق مجموعة كبيرة من شيعة البقاع بزعامة “حسين الموسوي” عن حركة أمل وتشكيل ما سميت “حركة أمل الإسلامية” الرافضة لتلك الساسة لذلك اصطدمت عسكرياً مع حركة أمل نبيه بري. كونه كما قال الموسوي تعاون مع الاحتلال الإسرائيلي. وهي الحركة التي برز من بين صفوفها لاحقاً ما بات يعرف براغب حرب ثم عباس الموسوي ثم حسن نصر الله لقيادة ما عرف بحزب الله. 

مخرجات الطائف: 

من يراجع بنود اتفاق الطائف الذي رعته السعودية عام 1989. في الطائف. يجد أن أهم مخرجاته تمثلت بضرورة وضع حد للهيمنة المسيحية على لبنان (الشعب والدولة) من خلال تقليص عدد نوابهم في المجلس النيابي (الذي صار مناصفة بين المسلمين والمسيحيين 5/5 بعد أن كانت النسبة 5/6). ومن ثم في تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية المسيحي، (والمثبتة في ميثاق المتصرفية منذ عام 1861) وهو ما يشكل انقلاباً جذرياً. ومقابل ذلك تم إعطاء هذه الصلاحيات لرئيس الوزراء السني. حيث مهد ذلك التوافق، للهيمنة السعودية غير المباشرة على لبنان من خلال دعمها بالمال لرئيس وزراء سني (رفيق الحريري) حتى دون موافقة فعلية لسوريا. وكون سوريا التي كانت تقيم تحالفا مع السعودية من جهة وتحالفاً ضمنياً غير مكتوب مع إيران لم تكن راضية عن ذلك التحول كونه سيصب في مصلحة السنة والسعودية. 

لهذا لم ينفذ النظام السوري من اتفاق الطائف، القاضي بوقف الحرب الأهلية بنزع سلاح المليشيات كلها، إلا نزع سلاح القوى الوطنية واليسارية. بينما أبقي على سلاح الشيعة، بما يجعل الكفة تميل لصالح حركة أمل وحزب الله. وهو ما يؤدي لتقوية نفوذ إيران في لبنان بدلاً من نفوذ السعودية التي كسبت السنة والمسيحيين. ويغذي الصراع السني الشيعي في المنطقة حسب رؤية بول ولفويتز. وبذلك تكون سوريا دون أن تدري قد نسفت من الناحية العملية مقررات الطائف. وتحد بالتالي من نفوذ السعودية عن طريق الحد من نفوذ ممثلها السيد رفيق الحريري. وهذا ما تجلى في دفعه للاستقالة عام 2004. وتقوية النفوذ الشيعي لكل من أمل وحزب الله. 

أما البند الثاني للطائف والذي تمثل بتشكيل هيئة لإلغاء الطائفية. وكما جرى على أرض الواقع فنجد (من يومها وحتى اليوم) أن لا سوريا ولا أمريكا ولا فرنسا ولا النظام اللبناني الطائفي عملوا أو قاموا بخطوة واحدة لإلغاء الطائفية بل على العكس عمقوها وثبتوها أكثر من خلال الاستفادة من الدعم الإيراني للشيعة. وهكذا استبدلت أمريكا وإسرائيل الهيمة العربية السعودية السورية بهيمنة فارسية شيعية من خلال التعاون بين كل من إيران وسوريا. 

 

الدور الجديد والخطير لإيران في لبنان:  

أولاً: بيَّنا في الفصل الثالث أن كل دولة أوروبية اتخذت من ذريعة حماية طائفة معينة من الطوائف الموجودة في لبنان للتواجد وبسط نفوذها في المنطقة وهذا ما تحقق لها فعلاً. وبما أن الطائفة الشيعية لم تجد في ذلك الوقت من يتقدم لحمايتها (الطائفة السنية كانت هي الحاكمة والمهيمنة في ظل الحكم العثماني) لذلك ظلت الطائفة المستضعفة وظل هذا الأمر سائداً حتى قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وهكذا وجدت إيران الطريق معبداً لتقبل الشيعة العرب حمايتها لهم. خاصة بعد تسلم الخمينيين الحكم عام 1982 وهكذا اعتبرت إيران نفسها قائدة للعالم الإسلامي كله ضد الغرب وأمريكا وإسرائيل من ناحية ومن ناحية أخرى حامية للمستضعفين بما فيهم الشيعة تغير الوضع جذرياً بالنسبة للشيعة اللبنانيين الذين عانوا الاضطهاد أكثر من غيرهم، والذين شعروا لأول مرة في التاريخ أن لهم (ظهرا يحميهم ويستندون عليه) دولة قوية باتت تحميهم وتدافع عنهم مما أعطاهم ثقة بالنفس والعمل على انتزاع حقوق لم يكونوا يحوزون عليها سابقاً وهذا ما رفع من معنوياتهم وجعلهم يرتبطون بإيران روحياً وعضوياً ويًجٍلونها فكرياً وسياسياً كما أجل الموارنة فرنسا والشيوعيين روسيا. 

ثانياً: وهكذا كانت الظروف السياسية مواتية تماما لإيران. خاصة بعد أن أبرمت مصر، كأهم دولة عربية ورائدة للقومية العربية. “اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل عام 1978 والتي تم على إثرها تراجع المد القومي والوطني العربي واليساري والصراع العربي الصهيوني، وبدأت إيران تطرح نفسها كقوة إقليمية معادية للغرب وإسرائيل والإمبريالية والصهيونية، مما جعلها تكسب كثير من القوميين والثوريين العرب وأحزابهم بما في ذلك الشيوعيين. وهذا ما مكنها بالتالي من الولوج إلى المنطقة بسلاسة وبخاصة في لبنان الواقع جنوبه تحت الاحتلال. 

ثالثاً: بما أنها زعمت أنها ستحرر فلسطين والقدس التي أقامت لها جيشا باسمها ويوماً في السنة للمطالبة بها فلقد كسبت كل المسلمين والعرب والفلسطينيين. اللعبة ذاتها التي لعبتها سابقاً الأحزاب القومية وخاصة حزبي البعث والقوميين السوريين والناصريين والفتحاويين. فرفعت شعار “المقاومة” كبديل عن محور الصمود والتصدي والتاريخي العربي الذي قاده صدام حسين وفشل، بسبب معارضة كلاً من حافظ الأسد والقذافي له. وهذا ما سهل على إيران كسب أغلب العراقيين والسوريين واللبنانيين والفلسطينيين الثوريين، (محور المقاومة) وهو ما يتناغم مع الشعار الذي رفعه القوميين السوريين (الهلال الخصيب + إيران) وهكذا أصبح محور المقاومة يتطابق مع الدعوة التي رفعها عملاء بريطانيا في الأربعينيات لإقامة هلال شيعي. 

وهو ما مكنها فقط بالكلام والشعارات دون أي فعل حقيقي على أرض الواقع، من أن تكون القوة المهيمنة في المنطقة بدلاً من مصر السادات. وبخاصة للهيمنة على سوريا ولبنان ومن ثم العراق بعد إسقاط صدام من قبل أمريكا، وتقديمه العراق لها على طبق من فضة. وهكذا دخلت وتمددت وهيمنت على هذا الهلال مستفيدة مما امتلكته من قواعد شعبية معادية للحكام العرب وحركة شيعية ناقمة على أو ضاعها. تدعمها إيديولوجية دينية تدافع عن المظلومين. ومن أن ترسي قواعد شعبية بين الشيعة والسنة والمسيحيين الفقراء وذوي التوجهات العلمانية واليسارية. مع أن جميع القوميين واليساريين يعرفون جيداً أن إيران الشيعية المؤمنة بالولي الفقيه هي أكثر ظلامية وتخلفاً من الحركة الوهابية التي كادت تنتهي في السعودية. 

رابعاً: بما أن أمريكا (استناداً لنظرية هنتنجتون) روجت لفكرة أن الإسلام والثورة الإسلامية الشيعية في إيران هي عدو جديد للإمبريالية، لأنها رفعت شعار الموت لأمريكا والموت لإسرائيل والنصر للإسلام، بدا للعالم خاصة الغربي كما لو أن الشيعة الموالين لها هم الأعداء الرئيسين لأمريكا والغرب وإسرائيل في العالم (كما كان يُنظر للشيوعيين سابقاً)، بينما ظهر السنة والعرب – خاصة حلفاء السعودية فعادوا (كما كانوا تاريخياً) مجرد عملاء لبريطانيا وأدوات وحلفاء لأمريكا وللصهيونية. وهكذا زاد رفع شعار العداء لأمريكا وإسرائيل من التفاف ليس الشيعة فحسب، بل جميع المعادين لأمريكا في المنطقة من قوميين ووطنيين (بما فيهم بقايا الشيوعيين) فاصطفوا حول وخلف إيران وأدواتها. متناسين أن إيران وتوابعها والسعودية وتوابعهما، كلهم سواسية في التبعية للإمبريالية (بزعامة لأمريكا). وهذا ما ساهم في زيادة ولاء وتعلق شيعة لبنان بإيران أكثر لدرجة التقديس والاستعداد للموت دفاعا عنها، تعلقاً بات يصعب إجراء فكاك منه لدرجة باتت قابلية انفصال الشيعة اللبنانيين عن الأمة العربية وعن لبنان أقوى من الانفصال عن إيران. وبات الولاء الديني الشيعي مرتبطا بالفرس وبإيران أكثر من الولاء للمذهب الجعفري والولاء لله. 

خامساً: بما أن الولاء الديني للطوائف والمذاهب الإسلامية أو المسيحية العربية لم يكن مرتبطا بدولة واحدة تتزعم السنة. على عكس ما هو قائم لدى غالبية الشيعة العرب تجاه إيران الشيعية التي اعتبرت وفرضت نفسها كزعيمة ومتحدثة باسم الشيعة في العالم كله. لذلك كان وسيظل الارتباط المذهبي والروحي والسياسي بها قوياً، وقد يصعب التحرر منه، وقد يستمر لفترة طويلة (حتى لو سقط نظام الولي الفقيه) ما قد يمكنها من أن تظل تنخر في كل المنطقة العربية وبخاصة في العراق ولبنان مستخدمة المظلمة التي وقعت على الحسين وذريته، والسمعة الجيدة لحزب الله والتضحيات التي قدمتها جماهيره في مواجهة الاحتلال الصهيوني للبنان. لذلك ستظل ترفع شعارات مثيرة مثل: “هيهات منا الذلة ويا لثارات الحسين” كي تقوم بعمليات قتل وذبح وإبادة وتهجير وتركيع للعرب. 

وهذا ما يجب اعتباره خطراً جديداً، يفترض أن ننتبه له باعتباره عامل خارجي جديد دخل إلى المنطقة ولبنان بموافقة أمريكية صهيونية أوروبية. وهذا ما يصعب الخروج منه. لهذا نلفت نظر المؤمنين فعلاً بولاية الفقيه إلى: 

أ- إلى أن إيران سوف تستغلهم لتمرير مصالحها القومية كما فعلت فرنسا العلمانية لتمرير مصالحها الاستعمارية. والتي كما نعلم. مع أنها تحررت من هيمنة الكنيسة ورجال الدين منذ مئتي سنة، وكان يفترض بها أن تحرر لبنان منهما لكنها عملياً أبقت عليهما وكرسته ودعمته في لبنان لتمرير مصالحها الجيوسياسية. الأمر ذاته فعلته وسوف تستمر إيران الفارسية في فعله في لبنان. حيث وضعت وستضع مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية فوق وعلى عكس ما تقتضيه الأيديولوجيا والمذهب. 

من هنا يفترض أن يكون مفهوماً أن التحرر من تأثيرات النفوذ الفكري والسياسي الموالي لإيران خاصة في لبنان ليست مسألة سهلة بل تحتاج لنضال فكري وسياسي طويل. فما تم خلال أربعين سنة لا يمكن إزالته أو إزالة آثاره بسهولة خاصة بسبب غياب طرف عربي ثوري ونظيف. 

ب- إعطاء دور جديد للمجلس النيابي وللشيعة ونبيه بري، من تابع ما جرى في لبنان منذ عام 1992 حتى اليوم يجد أنه قد تتابع على لبنان خمسة رؤساء جمهورية وسبعة رؤساء وزارات في حين ظل نبيه بري رئيساً لمجلس النواب. ومن خلال متابعة القانونيين اللبنانيين لنظام الانتخابات البرلمانية اكتشفوا أن قانون الانتخاب هو السبب في بقاء بري كل هذه المدة في رئاسة المجلس (لخدمة المصالح الأمريكية والإسرائيلية والسورية والإيرانية). وأنه كان أحد الأسباب للإبقاء على الطائفية وتعميقها وأحد الأسباب في تعطيل دور كلاً من رئيسي الجمهورية والوزراء. 

كما تبين أن ذلك يعود لطريقة توزيع الدوائر الانتخابية بين مناطق اللبنانية. بما يمكنه أن يوصل للمجلس من يحصل على ألف صوت في دائرة معينة، بينما يسقط من حاز على مئة ألف صوت في دائرة أخرى. وهذا ما عرفه نبيه بري كمحامي ضليع وبعد أن عرف خبايا الدستور والقانون الانتخابي ونقاط قوته وضعفه راح يلعب عليها ويُلًعب جميع القوى اللبنانية على أصابعه. 

وبما أن الشيعة باتوا يشكلون في لبنان حوالي 40 من عدد السكان فلم يعد أمام بري سوى أن يمرر قانون انتخابي يسمح للنواب الشيعة بأن يشكلوا ليس فقط أكثرية في حصة المسلمين (النصف) فحسب. بل ليقرروا من خلال “بري” وأن يفرضوا من يشاؤون من النواب المسيحين والدروز والأرمن والأرثوذكس والمستقلين وحتى سنة في المناطق التي توجد فيها أغلبية شيعية. وبالتالي تمكن من إقامة تحالفات مسبقة معهم (من خلال فرض تبعية له شخصيا. أو لقاء ثمن ما قد يكون غالباً مالي وكاش) في مختلف المناطق، توصل من يرغب بهم الفوز في الانتخابات. بشرطين الأول الموالاة والتحالف مع نواب الشيعة وبخاصة نواب نبيه بري (حركة أمل شكلاً). والثاني الموالاة لسوريا وإيران. والثالث كسب بقايا اليساريين للتحالف مع الثنائي الشيعي وعلى الهامش. 

ومن المؤسف أن نقول إن أغلب اليساريين الذين ظلوا موالين لروسيا (السوفيتية سابقاً) على الرغم من أنها تحولت إلى روسيا قيصرية إمبريالية متوحشة، قد تحولوا إلى مؤيدين لروسيا وسوريا بشكل مباشر ولنبيه بري وإيران بشكل غير مباشر. وهو ما فعله آل كرامي في طرابلس حيث ظلوا موالين لسوريا الأسد كما كانوا موالين لسوريا الكتلة الوطنية وخالد العظم. وكذلك الأمر بالنسبة لآل فرنجية متجاهلين التغيرات الحاصلة في العالم وفي سوريا. وبهذه الطريقة بات بري يضمن الأغلبية المطلقة النصف زائد واحد إن لم نقل الثلثين. وبما أن المجلس النيابي حسب الدستور هو الذي يقرر أولاً اسم رئيس الجمهورية لذلك لم يكن أمام بري سوى أن يتوافق مع ما يراه النظام السوري (المقرر الرسمي المحتل العربي الشقيق) ومن ثم ليقرر هو مع الرئيس السوري اسم الرئيس اللبناني. وبما أن اسم رئيس الوزراء يتم بالتوافق بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الجمهورية الذي يفرضه بري من خلال الاستشارات النيابية المزعومة لذلك بات من يومها هو (نبيه بري) من يقرر اسم الرئيسين وبالتالي الوزراء ويقرر متى يسقطهم ويسقط الوزارة، وهكذا بدأ يبرز وزراء جدد خارج القيد الطائفي السائد سواء المسيحي (الكتائبي والقواتي) وخارج القيد الطائفي السني (تيار المستقبل) والدرزي (لوليد جنبلاط) وهكذا ظهرت شخصيات جديدة مثل وئام وهاب ونجيب ميقاتي وميشيل فرزلي و.. إلخ، ومدراء وكتاب وصحفيين وأجراء في كل مناطق ودوائر لبنان موالين لسوريا وإيران. ويتبعون لحركة أمل ويأتمرون بأوامر نبيه بري. وبعد أن تمكن بالتعاون مع المخابرات السورية من تعيين من رباه غازي كنعان جيداً. “عباس ابراهيم” مديراً للأمن العام اللبناني (الذي تأتيه تقارير يومية عن كل شاردة وواردة في لبنان وما يحيط به) بات “نبيه بري” أعرف الناس بلبنان وبما يحيط به وبما يرتب له وبكل ما يدور في لبنان من كبيرة وصغيرة حتى داخل الأحزاب المناهضة. وهذا ما أتاح له القدرة على اتخاذ القرارات المناسبة والاستباقية وفي اللحظة المناسبة والتصرف بسرعة والحسم ليقرر ما يشاء. ولم يكن ينقصه عام ألفين سوى انتصار حزب الله على العدوان الإسرائيلي ليصبح بالتعاون معه القوتان الرئيسيتان اللتان تحكمان وتتحكمان بلبنان مليشياوياً ومخابراتياً وعقائدياً ونضالياً. وهذا ما أسس لجعل إيران لاحقاً لاعباً رئيساً في لبنان مع أمريكا والسعودية (عن طريق تيار المستقبل). وبعد أن بات حزب الله لا يخرج عن طاعته كما رئيسي الوزراء والجمهورية (خلافاً لما يعتقد كثير من اللبنانيين). استعان به وسمعته وبقوة سلاحه النظيفة ليهدد به خصومة من اللبنانيين الشرفاء. أصبح من الممكن القول أن نبيه بري بات لذلك أقرب إلى زعيم عصابة يهدد بها عند اللزوم خصومه. بدليل أنه أنزال (زعرانه وبلطجيته) ومن يسمون جماهير الثنائي الشيعي (البريئ منهم) المسلحين بالعصي والسكاكين لمداهمة المتظاهرين وحرق خيامهم.. 

ج- دور المخابرات السورية في الحفاظ على النظام الطائفي، مع أن اتفاق الطائف الذي وقع عليه النظام السوري وأقطاب المعارضة اللبنانية كان يرمي إلى وقف الحرب الأهلية من خلال القضاء على أهم أسس قيامها والمتمثلة بالنظام الطائفي. لكن من يدقق فيما فعله النظام السوري يجد أنه عمل على العكس تماما حيث حال دون تشكيل اللجنة الوطنية العليا لإلغاء الطائفية التي أقرها الاتفاق. بل عمل. على تكريس الطائفية، وعمقها أكثر حيث بدعمه للشيعة وحزب الله وحركة أمل يكون قد قوى النزعة الطائفية لدى الشيعة كما لدى جميع الطوائف الأخرى كرد فعل على ذلك. 

حيث قام عملياً على الأرض (وهذا ما سنبيّنه لاحقاً) بقمع ومنع وخنق فقط القوى الوطنية واليسارية والعلمانية والديمقراطية اللبنانية فقط. وحال دون قيامها بأي دور حاسم في تقرير مصير لبنان، وقام بمحاصرتها وراح يعمل على تقوية وتدعيم نفوذ إيران، وحزب الله وحركة أمل ومن يلف لفهما من قوى يسارية وقومية. إن لم نقل إن سعيها لتثبيت هذا الهدف هو ما جعلها تصر على إبقاء القوات السورية في لبنان خلافاً للطائف وللقرار 1559 كي توطد أركان نظام طائفي (الثنائي الشيعي) بديل عن الثنائي الماروني وأقدر منهما على القيام بالمهمة ذاتها التي دخلت عملياً لتحقيقها في لبنان وليس لإزالتها. وهذا ما فتح الباب لإيران للدخول إلى لبنان براحة. 

وهذا ما خلق أساساً موضوعياً للطغمة الطائفية الحاكمة في لبنان لتحويل توجهات القوى الثورية في لبنان من توجهات ذات طابع طبقي ديمقراطي وطني إلى صراع بين الطوائف وعلى اقتسام المغانم. 

و بعد حوالي خمسة عشر عاماً (من عام 1975 حتى 1989) من الاقتتال الداخلي على الهوية راح ضحيته حوالي مائة وخمسون ألفا من البشر ودمار نصف مدن وبلدات لبنان وسرقة ونهب أغلب محتويات بيوتها والأموال المودعة في البيوت والبنوك وجد الجميع أنه لابد لهم لإيقاف الحرب الأهلية من الجلوس على طاولة المفاوضات برعاية سعودية سورية (وموافقة أمريكية) في مدينة الطائف والتوصل لاتفاق حل وسط (لاغالب ولامغلوب) سمي باتفاق الطائف نص في أهم بنوده على إقامة هيئة وطنية لإلغاء الطائفية وإقامة مجلس شيوخ من زعماء الطوائف يعمل على جنب مجلس نواب خارج القيد الطائفي. ومع أهمية ما نجم عن الاتفاق من لجم للقوى الطائفية المتطرفة والمتنمرة (مثل جعجع وحبيقة وبشير الجميل وطوني فرنجية) لكنه أبقى على جوهر النظام الطائفي ونظام المحاصصة والنهب والتبعية للغرب. ما يعني أن جذر المشكلة لم يحل وبقي كما هو إن لم نقل تصاعد أكثر من خلال عمليات الفساد والإفقار والتعسف. وهذا ما أدخل لبنان عن طريق تقاسم وتبادل الأدوار بين سوريا ومخابراتها وأدواتها وحلفائها وبين كلاً من السعودية وفرنسا أدواتها وحلفائها ممثلين برفيق الحريري في هذه المرحلة على تنفيذ أهداف أخرى جديدة تختلف في أدواتها وأهدافها عما تم إنجازه في المرحلة السابقة. خاصة بعد أن اختلف العدو الرئيسي على النطاق العالمي وبالتالي الإقليمي والمحلي. وبالتالي كان لابد أن تختلف الأهداف الرئيسية وشعاراتها. خاصة بعد جريمة اغتيال الحريري وإخراج القوات السورية من لبنان عام 2005. والتي شكلت برأيي وكما سيتضح. منعطفاً حاسماً في تاريخ لبنان بما يجعلها تشكل بداية لمرحلة جديدة.  

 

 

 

الفصل الثامن:
الهيمنة الأمريكية الإيرانية على لبنان

 

 (المرحلة الثامنة) من 2005 إلى الآن: 

بما أن سمعة أمريكا كانت تنحدر لتصبح في الوحل لو سكتت أو دافعت عن إبقاء القوات السورية في لبنان بعد أن أدخلتها عام 1976 ونفذت لها ماتريد كان لابد من إخراجها -خاصة بعد عمليات التعفيش التي قامت بها قواتها والتي أتينا على ذكرها سابقاً. وهو ما حصل تحديداً بعد جريمة اغتيال الحريري عام 2005. مع أن البعض يرون (وهو أمر لا يمكن نكرانه) أن نقطة التحول الرسمية لصالح إيران، في لبنان بدأت في شباط عام 2006 بعد اللقاء الذي تم في كنيسة مار مخايل بين كلاً من عون وحسن نصر الله والتي أدت إلى قيام تحالف بين المسيحيين الطائفيين وبين الثنائي الشيعي رمى إلى تغييب دور السنة في لبنان بعد تغييب رفيق الحريري. لكنني أعتقد أن جريمة اغتيال رفيق الحريري هي التي شكلت النقطة الفاصلة في تاريخ لبنان السياسي والتي أتاحت المجال لإيران من يومها الهيمنة على لبنان لذلك اعتبرها نقطة فاصلة بين مرحلتين وتشكل نقطة سوداء في تاريخ لبنان المظلم. 

 لذلك سنفرد لها بحثاً خاصاً في نهاية هذا الفصل. 

وبما أن أمريكا لا يمكن أن تخسر أو أن تستغني عن حلفائها اللبنانيين، وفي ذات الوقت أن تترك لبنان للقوى الوطنية والتقدمية بعد إخراج سوريا منه. فكان لابد لها من البحث عن بديل يملأ الفراغ الذي سيخلفه خروج القوات السورية. فكانت إيران (كما بينا وكما سنبين) جاهزة من قبل للعب هذا الدور. 

وبما أن كثيرا من العرب واللبنانيين لا يمكن أن يصدقوا مثل هذا الأمر بسبب الحملات الإعلامية (الكلامية) التي يقوم بها الطرفان وأدواتهما في لبنان وغيره ضد بعضهما. وهو على العكس تماما مما يجري على أرض الواقع. لذلك لابد من توسيع دائرة الرؤية لنتمكن من تفسر ما يجري في لبنان على الأرض على ضوء التحولات التي تمت على النطاقين الإقليمي والدولي في هذه المرحلة. التي تم فيها هذا التغيير الأساسي من الحماية السورية إلى الحماية الإيرانية والتي ما تزال سائدة حتى اليوم. 

 لذا لابد من لفت النظر إلى الاختلاف الجذري الذي ألم بالهدف الاستراتيجي العام للإمبريالية في مرحلة الصراع مع المنظومة الاشتراكية وحركات التحرر وبين الهدف الاستراتيجي الذي تم بعد سقوطها. وهي مرحلة جعلت فيها الإمبريالية العالمية من الإسلام (أو أصبح الحليف القديم) عدواً جديداًبدلا من الشيوعية. لذلك اقتضت السياسة الهجومية الجديدة عام 2001 أن تتخذ مما حصل في 11 أيلول (بغض النظر عن الفاعل الحقيقي لتفجير برجي المال ومبنى البنتاجون) حجة لتدمير وغزو أفغانستان ومن ثم العراق ولأن يصبح الارهاب الاسلامي من ذلك التاريخ العدو الجديد للبشرية بزعامة أمريكا. 

وهو ما يجعل وجعل من جميع الحركات الثورية التي كانت وما تزال تستخدم الوطنية أو القومية أو الدين لمواجهة الإمبريالية وعملائها للمطالبة بحقوقها في دائرة المنظمات الإرهابية. وكان لابد من تتحول وتصبح وتسمى إرهاباً يتطلب توحد الجميع لمواجهته، وهكذا أصبح الإسلام السني ممثلاً بالقاعدة وسنة أفغانستان والسعودية وبلاد العرب العدو الخطير في حين يتم التغاضي عن الإسلام الشيعي ومن يمثلوه في إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن. بما يسهل على الدول الأخرى خاصة الغربي التعامل معه واتخاذه حليفا للدول الغربية والصين وروسيا والهند لمواجهة سنة القاعدة وطالبان وكل من يقف معهم من ثوريي العالم. 

وهذا ما اتضح عملياً عام 2003 في العدوان على العراق وتدمير الدولة العراقية مع أنه لم يكن إسلامياً لكنه اعتبر إرهابياً (لم يكن الهدف نظام صدام كما توهم أعداءه فقط. بل العراق كله. حيث دمر العراق وجيشه وكل مؤسسات الدولة العراقية وبخاصة العلمية والصناعية والزراعية والثقافية) ومن ثم تم تسليم العراق ذو الغالبية السنية (العرب والأكراد) لإيران من خلال أدواتها في العراق. (وبخاصة الطائفيين الحاقدين على السنة في العراق ولبنان والعالم العربي خاصة في حزب الدعوة). وهذا كان بمثابة الخطوة الأولى التي جعلت فيها أمريكا من إيران تتمكن من الهيمنة على -ومن ثم التمدد في- العراق ومن ثم في سوريا ومن ثم في لبنان. وهكذا كان لابد من إدخال لبنان في هذا المحور. وهو ما تحقق في شباط من عام 2006. 

وهكذا أصبحت إيران ضمن هذه الاستراتيجية الجديدة حليفاً استراتيجياً لأمريكا وبعض دول اوروبا لمواجهة مطالب السعودية والسنة والأخوان المسلمين حتى المعتدلين منهم على نطاق العالم واتهامهم بالإرهاب. وكان لابد من أن يسمح لها بأن تصبح قوة إقليمية مدمرة بالنيابة عن أمريكا. وبأكثر مما كانت عليه في عهد الشاه. بما يفهم منه أنه لو لم تقم أمريكا بجعل الإرهاب (ممثلاً بالاسلام السني والقاعدة وأخواتها) عدواً جديداً للعالم ما كان من الممكن لها تدمير أفغانستان ومن ثم تدمير العراق وتسليمه لعملاء إيران على طبق من فضة، ولما تمكنت إيران من التمدد في هذه الدول ولا أن تصبح بالتالي قوة إقليمية ودولية. ولما تمكنت من أن تصبح قوة مؤثرة في لبنان الذي لم يكن يقيم أي اعتبار لها. 

وتشير كثير من الوقائع إلى أن أمريكا (في ظل استراتيجية صراع الأديان) وجدت في تأجيج الخلافات المذهبية، وسيلة تمكنها من الإمساك بالطرفين. لذلك كان لابد لها من أن تعطي لإيران وتوابعها مصداقية من خلال ترك المجال لزعمائهم (وزعماء السنة ممثلين بالقاعدة وبن لادن) في إيران وخامنئييها وشيعتها وملاليهم في كل مكان لمهاجمة أمريكا بما يجعلها تكتسب مصداقية وجماهير تائهة، ويجعل من إيران تبدوا كما لو أنها عدو حقيقي وفعلي لأمريكا والغرب. وبما يجعلها تكسب أنصاراً جدداً يمكنها من تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية الجديدة الرامية لتدمير العرب من الداخل استناداً لسياسة افتعال (الحرب الدينية (صراع الحضارات) على النطاق العالمي، وبين أصحاب الديانات والمذاهب على النطاق الإقليمي والمحلي لإبقاء الشرق الأوسط مفتت ومدمر). وهذا ما جعل كثير من الوطنيين والقوميين واليساريين والشرفاء العرب واللبنانيين ومنهم أنصار حزب الله وكثير من المنظرين والساسة الشرفاء ينساقون أو يساقون كالأغنام لتنفيذ ماتريده ايران وتمرير ما تقوله هي والحزب ويتحالفون معهم ويدافعون عنها وعنهم، على اعتبار أنهم البديل الجديد عن السوفييت والشيوعيين والثوريين لمحاربة الإمبريالية. بل وراحوا يخضعون لسياساتها بل ويتباهون بذلك ويهاجمون العرب. (استمرار لمعاداتها القديمة والعميقة للعروبة والعرب) وهذا طبعاً لم يكن يزعج أمريكا طالما أن ذلك يصب في -أو لا يتعارض مع- أهدافها الاستراتيجية في تدمير بعضهم وهي تتفرج. وهكذا جرى تضييع القوى المحلية الثورية في صراعات بعيدة عن الصراع الرئيس ضد الإمبريالية. وبالتالي تمكنت إيران والحزب (ضمن السياسة الأمريكية الجديدة والعامة والتي شرحناها كثيراً) من إعادة الهيمنة على أغلب القوى الفاعلة في لبنان. مسلمين سنة وشيعة ومسيحيين. 

 

تحكم إيران بلبنان بالوكالة: 

من المفارقات أن يقدم الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني ذو الغالبية الشيعية في سياق هذه السياسة الإمبريالية أفضل خدمة لإيران. حيث مكنها من اتخاذ شيعة الجنوب كدريئة كونهم لابد من أن يتصدوا لإسرائيل. فراحت تقدم الدعم المادي والمعنوي والسياسي لحزب الله والشيعة فقط وليس للقوى الوطنية لمحاربة الاحتلال. في حين كفت هي وسوريا يدها عن تقديم أي دعم لغير الشيعة.ومن المؤسف أن زعماء لبنان الآخرين لم يمتلكوا الشجاعة الأدبية ليعترفوا ويقولوا ما قاله السيد حسن نصر الله، (كل أكلاتنا وشرباتنا ومصرياتنا وما نتلقاه من دعم هو من إيران) { مع أن هذه الأموال كانت وما تزال إيران تنهبها من أفواه وخيرات الشعب العراقي) وأن تكون لديهم الصراحة والشجاعة الأدبية ليقولوا من دعمهم ومن يقدم لهم الدعم المادي والمعنوي والسياسي حالياً. فربما ريحونا وريحوا أنصارهم وأتباعهم، وريحوا لبنان وريحونا معهم. 

مع ذلك أجد أن من المفيد تذكير من يزعمون أنهم ثوريين (يساريين وقوميين عرب وسوريين وحزب الله وخاصة السيد حسن) بأن السيد نبيه بري الذي تحالفوا ويتحالفون اليوم معه ويعتبرونه جزءاً من حلف المقاومة (الوفاء للمقاومة) كان معروفاً -من قبل أنه كان- عدواً لعيناً وحاقدا على القوى الوطنية واليسارية والقومية (وهو ما تجلى في الحرب على المقاومة الفلسطينية وحرب المخيمات وحصارها وتجويعها وفي ضرب القوى الوطنية واليسارية في الثمانينات. وهو ما يتجسد اليوم في الاعتداء على الثوار حول المجلس النيابي) ما يعني أن بري وحركته كما كانا. مازالا موالين لأمريكا والغرب. بدليل أنه يضع أغلب امواله الثابتة والمنقولة فيها، وليس في لبنان. والجميع يعرفون أنه كان من أتباع شيعة إيران المؤمنين بالمهدي المنتظر في عهد الشاه (بعد أن أعادته أمريكا لحكم إيران عام 1953 بعد أن قضت على ثورة محمد مصدق). ومازال كذلك. وكثيرون يعرفون أنه وحركته يتبعان نظرياً للعقيدة الاثني عشرية التي كان الشاه يتبناها. وبأنهم إذ تمسحوا بعقيدة الولي الفقيه لاحقاً واليوم، ولم يخالفوها كما فعل كثير من كبار المنظرين الإيرانيين والعراقيين فذلك كنوع من الفهلوية السياسة البراغماتية (الانتهازية) كي يستوعبوا مناصريهم الشيعة الذين تبنوا فكرة ولاية فقيه (كبديل عن المهدي المنتظر والذي طال غيابه والذي على مايبدو لن يظهر لذا كان لابد من اختلاق بديل عنه) عليهم. بينما هم في الجوهر دنيويين وليبراليين أكثر من الأمريكان. 

ونلفت النظر إلى أنه لا يوجد في تاريخ حركة أمل وبري أو حزب التغيير والإصلاح ما يشير إلى أنهما كانا يوماً جزءاً من المقاومة التي قاتلت الاحتلال الإسرائيلي. أو إلى أنهما اتخذتا في كل تاريخهما أي موقف جذري معادي للإمبريالية على النطاق الإقليمي أو المحلي أو الاقتصادي أو السياسي. 

وهنا نسأل السيد حسن كيف يتحالف مع تيارين يقودهما شخصان مثل بري وعون؟ باعتبارهما كما كانا ما يزالان طرفين في الحلف الإمبريالي القديم الجديد ضد الشعوب العربية ولا يكنان أي عداء حقيقي لإسرائيل؟ 

التفسير المنطقي (وليس الوحيد) نجده في الرؤية الأعم في سعي حكام إيران الشيعة (ضمن الإطار العام للسياسة العامة الاستراتيجية للإمبريالية الأمريكية في صراع المذاهب والملل) لأن تظل إيران قوة إقليمة دائمة مثل إسرائيل معادية للعرب السنة في المنطقة ممثلين بتركيا ودول الخليج العربي والسعودية. ضمن الصراع الرئيسي (صراع الأديان) على النطاق العالمي. 

مع أن هذا التحالف غير المبدئي مفضوح بيٍن (مسيحي متعصب يؤمن بأن من حق المسيحيين حكم لبنان والتحكم به، مع مسلم شيعي متشدد يؤمن بأن الشيعة يجب أن يحكموا العالم الإسلامي). لكن بما أن السيد حسن يعرف أنه من الناحية العملية قد يتمكن من خلال هذا التحالف أن يصبح قادراً على التحكم بلبنان لذلك تحالف معه كما تحالف سابقاً مع نبيه بري المعروف بالفساد والإفساد والقرصنة أكثر من أي شخص آخر في لبنان وسكت عنه وعن المتسلقين الصغار من العلمانيين الملتفين حوله. 

وهكذا يكون بشكل غير مباشر قد وافق على تحول الحزب المناضل إلى أداة للتغطية على الفساد والمفسدين والعملاء. 

والكل يعرف أن حزب الله الشيعي منذ أن وضع عون المسيحي المتعصب الطامح لسدة الرئاسة، (كان يعرف أن منعه من الوصول لها عام 1989 شكل له عقدة نفسية) فعمل على حلها بعد لقائه معه في كنيسة مار مخايل. حيث وعده بها وبذلك وضعه تحت إبطه اليساري وبري تحت إبطه اليميني وهكذا استطاع استيعاب الشخصيات الأخرى الملحقين بهم والشخصيات الأخرى المعروفة بالعمالة لسوريا، أو بالعمل كمخبرين للأسد، أو الطامحين في أن يكون لهم دور ما في سياسة خارج كتلهم الكبيرة الرافضة لهم وللوجود السوري. وهكذا أصبحوا كلهم يعملون بوعي أو بدونه في خدمة المشروع الإيراني والذي هو بالأساس جزء من المشروع الإمبريالي (صراع الأديان). 

وهكذا يكون حزب الله عن دراية ودهاء قد تمكن من استيعاب غالبية صغار لبنان الطامحين للزعامة أو للظهور. وبالتالي مكن إيران لأن تصبح اللاعب الرئيس في لبنان والمنطقة (العراق وسوريا واليمن وغزة) وباتت تتحكم به وبهما ومن خلاله وخلالهم بأهم مفاصل الحكم في لبنان. 

ولابد من أن نلفت نظر من يعولون كثيرا على إيران. بأنها -كما لم تكن يوماً ولا اليوم قوة عالمية أو حتى مركزية كما فرنسا أو ألمانيا (السبعة الكبار الذين يقررون السياسة العالمية) وليست حتى على مستوى مصر والسعودية المشمولين ضمن العشرين (G20) – لم ولن تكون قوة معتبرة لتقرر سياستها الذاتية وبالتالي سياسة غيرها بل لن تكون سوى أداة لتنفيذ سياسة دولية مثلها مثل روسيا والصين وتركيا بل وأقل منهم. وستظل تلعب الدور الأخطر على دول الخليج والسعودية حتى تجعلهم يتحالفون ويقبلون التطبيع مع إسرائيل. 

ولهذا نذكر من يتوهمون أنها كدولة وقوة اقتصادية وعسكرية مهما امتلكت من قوات ستظل أصغر من هذه الدول العشرين وبالتالي فهي ليست ولا تشكل إلا محيطاً تابعاً لواحد من القوى السبع الكبرى (5+1 ثم 5+2) أو أكثر. لذلك فهي مهما لعبت لن تلعب سوى دوراً تابعا ومحتوى سلفاً ضمن الاستراتيجية العامة التي رسمها لها هنتجتون وكيسنجر من قبل، وهو الدور الذي لعبته أيام الشاه وما تزال تلعبه بواجهة وشعرات مختلفة لملئ الفراغات الجديدة الناشئة عن غياب الاشتراكية وغياب طرف عربي قوي. 

وهذا ما يدفعنا لنسأل لمصلحة من إذن تعمل إيران؟ خاصة عندما تخوف عرب الخليج وتصنع الأسلحة والبوارج الحربية والصواريخ البالستية وتمد بها الحوثيين لضرب السعودية؟ لماذا تقدم تلك الأسلحة المتطورة لضرب السعودية؟ ولا تقدمها لحزب الله أو لسوريا؟ ولماذا تهاجم السفن في الخليج العربي؟ 

هل لدفع عرب الخليج والسعودية لتقبل الوجود الغربي في الخليج ودفعهم لشراء السلاح من الغرب وبيع النفط لهم بأسعار بخسة وحتى للقبول بالتحالف مع إسرائيل لتجنب خطر إيران. (في القدم كانت الأمهات تخيف الأطفال بالبعبع) وعلينا طبعا أن لاننسى أن إيران كما كانت بعبعا في عهد الشاه (ثاني دولة تخضع للنفوذ الأمريكي بعد السعودية، في المنطقة بعد إجهاض ثورة محمد مصدق منذ عام 1953 وظلت كذلك رسمياً حتى عام 1979) لذلك فهي كما كانت في عهد الشاه عادت لتصبح القوة الضاربة الثانية للإمبريالية العالمية في الشرق الأوسط بعد إسرائيل. والثالثة من حيث القوة الاقتصادية بعد السعودية ومصر والرابعة سياسياً بعد إسرائيل وتركيا ومصر والسعودية. 

كما نذكر بأن بريطانيا كما أعطت يومها لكل من تركيا وإيران والعراق والسعودية حرية التحرك بدلاً منها في الشرق الأوسط كذلك اليوم تعطي أمريكا لحلفائها (روسيا وتركيا وإيران) ذات الدور القديم لتملأ الفراغات التي لاتقدر أو لا تسعى أمريكا أو لا ترغب بملئها طالما أنها تمتلك القوة العسكرية والمالية التي تحتوي بها جميع تلك الدول. 

وقد يكون من المفيد لحكام إيران وأتباعهم ومؤيديهم أن يعرفوا أن لا الصين وروسيا مع أنهما دولتان كبيرتان وأقوى من إيران بعشرات المرات ومنافسات لأمريكا (حتى لو أضفنا لهما كوبا وفنزويلا) لم تطرح أي منهم أية فكرة أو أي مشروع لمواجهة أمريكا أو لهزيمتها لأنهم يعرفون أن ذلك مستحيل طالما أنهما تعملان وفق النظام الليبرالي الجديد الذي تبنوه وفرضته أمريكا على العالم بعد عام 1991. 

لذلك يكون من الأجدى لحكام إيران وتوابعهم في العراق ولبنان واليمن وسوريا. إذا كانوا حريصون على حياة شعوبهم ومستقبل آمن وسليم ومزدهر. أن يكفوا عن رفع هذه الشعارات التي توصل شعوبها للسير في تلك السياسات المدمرة لبلدانهم لمصلحة إسرائيل. وأن يلتفتوا إلى مشاكلهم الداخلية ويعملوا على النهوض باقتصاديات وثقافة وتعليم أبناء شعوبهم كما فعلت ماليزيا. 

 

جريمة اغتيال رفيق الحريري ورفاقه: 

إذا كنا نعيد التذكير بهذه الجريمة. أو لنقل فتح الصندوق الأسود، أو فتح الغرفة المغلقة أو لنضيئ على الجانب المظلم من الحياة في لبنان) فلأننا نعتقد أن هذه الإضاءة على هذه الجريمة (وسواها) تعتبر شرط لعدم تكرارها، ولأن تفاعلات هذه الجريمة التي وقعت قبل خمسة عشر عاماً ما تزال سارية حتى اليوم. حيث لا يزال يُطلب منهم دفع خمسين مليون دولار للمحكمة الدولية. وهو ما قد يحول دون دفعها عبثا ولأنها كانت نقطة بداية مرحلة جديدة في تاريخ لبنان. لذا لابد من استيعاب أغلب التطورات التي انتهت إليها التحقيقات الدولية. 

وإذا كان الهدف الأساسي لإسرائيل من وراء الجريمة (حسبما أعتقد) كان يرمي إلى إخراج القوات السورية من لبنان ليبنى عليها أمور جديدة. لكن بما أنه كان لأمريكا رؤية أخرى تنطلق من أنه لابد أولاً من إيجاد بديل آخر عنها. وهذا ما شكل تحدياً جديداً لإسرائيل. وهو ما يشير إلى أن الأهداف المأمولة لإسرائيل غالبا لا تأتي على هواها تماما. وهو ما يعطي لإعادة البحث في هذه الجريمة مشروعية نظرية. 

أولاً: لأنها ستوفر على اللبنانيين مبالغ مالية طائلة. لا طائل من ورائها. سيطلب منهم دفعها لاحقاً إذا ما طالبوا إصدار حكم نهائي. وكيلا يضطروا لدفعها في المرحلة القادمة خاصة بسبب ما يمرون به اليوم من ظروف عصيبة. ستضاف لما دفعوه سابقاً لقاء عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والبالغة أربعين مليون دولار سنويا. زيادة عن المبلغ الذي دفعوه السنة الماضية والبالغ (620 مليون دولار) كانوا هم أحوج بهم من القضاة والمحامين والمحققين الأجانب ومعاونيهم. 

ثانياً: لأن إعادة البحث العام قد توفر على المهتمين قراءة آلاف الصفحات التي كتبت حول هذه الجريمة مؤخرا وقد تغنيهم عن قراءتها. لأن ما توصلت له هذه المحكمة لم تخرج عن النتيجة التي توصلت إليها في كتاب نشر عام 2005 بعنوان “من يجرؤ على قول الحقيقة”. (طبع ثلاث طبعات وساهم في تكوين رأي عام عربي ولبناني) حيث ثبت فعلاً أن لا المحكمة الدولية ولا سواها ستجرؤ على قول الحقيقة. وهو ما اتضح في قرار المحكمة الأخير. ولأن فهم ما جرى في ذلك اليوم لا يفسر فقط التحول الجذري الذي حصل في لبنان بعدها فحسب. بل لأن الربط بينها وبين ما جرى في المرحلة السابقة قد يساعدنا في فهم ما يجري حالياً بما قد يمكننا من التحكم بمستقبلنا في لبنان أكثر. 

 

اليوم الفاصل ()

مما لا شك فيه أن يوم 14 شباط من عام 2005 يوم التفجير الذي وقع في بيروت وأدى إلى اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق “رفيق الحريري” ورفاقه كان يوماً فاصلاً في تاريخ لبنان الراهن لأنه برأيي: 

أولاً: وضع حداً للوجود العسكري والأمني السوري في لبنان، والذي دام قرابة ثلاثين عاماً بما فهم منه الكثيرين أن الاغتيال بتلك الطريقة جاء مرتبا بهدف لإثارة بلبلة وضجة كبيرة تؤدي أو تكون نتيجتها إحداث ضجة كبيرة ومدوية تؤدي إلى إنهاء الوجود العسكري السوري في لبنان وهو ما بات يزعج إسرائيل أكثر من أمريكا. والذي ما كان من الممكن أن ينتهي حسب تقديرها دون ضجة كبيرة. 

لكن بما أن ذلك التفجير أدى إلى تغييب شخصية سنية رئيسية وبارزة في لبنان والمنطقة والعالم. شخصية أتت بعد حرب أهلية مدمرة كي يصلح لبنان ويخرجه من الحفرة التي وقع فيها. وكونه أعطى للسنة بعد اتفاق الطائف دوراً حاسماً في تغيير مسار لبنان. وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني. 

وكون تلك الشخصية الفذة، اكتسبت، بعد اتفاق الطائف أهمية استثنائية لأنها كانت مدعومة من السعودية ومن فرنسا (ومن خلفهما أمريكا) ما قد يفهم منه أن المستهدف أيضاً من وراء تغييبها كان تغييب النفوذ السعودي الفرنسي، أيضا، بما قد يفهم منه أيضاً (وهو مافهمه البعض وروجوا له) أن اغتيال شخصية فذة وقوية سيصب في مصلحة سوريا وحلفائها وبخاصة حزب الله. وهذا ما جعل كثير من المحللين السياسيين والمواطنين العرب واللبنانيين يوجهون الاتهام فوراً لسوريا وحزب الله أكثر مما وجهوه لإسرائيل. كونهما تناقضا معه حول كثير من السياسات. وهذا ما خلق بلبلة فكرية أعطت للمحللين السياسيين في الطرفين الحجج المناسبة لاتهام الطرف الآخر بارتكاب الجريمة. 

وهو ما جعل منها حتى اليوم مسألة إشكالية لم تحسم وربما لن يحسم الخلاف حولها لفترة طويلة قادمة. على الرغم من تشكيل لجنة دولية خاصة بلبنان استناداً للقرار 1757. استناداً للفصل السابع الذي قد يجيز استخدام القوة ضد من تثبت صلته بالجريمة لاحقاً لذا أجد أنه لابد من.. 

 

مراجعة سريعة: 

أكد كثير من الباحثين والمحللين السياسيين ومنهم فواز طرابلسي (في كتابه المذكور، ص 340) بقوله “إن حافظ الأسد حصل على موافقة الطرف المسيحي ممثلاً بسليمان فرنجية وبيار الجميل، قبل الدخول إلى لبنان لكنه رفض الحصول على موافقة كمال جنبلاط مع أنه كان ممثلاً لطرف رئيسي (الدروز) قام عليه الميثاق اللبناني. لأنه يعرف أنه كان سيقف ضد ذلك الدخول إلا إذا كان يهدف إلى القضاء على النظام الطائفي. وهذا مثبت في مقابلة مدونة مع كمال جنبلاط جرت عام 1976 اشترط فيها جنبلاط على الأسد قبل دخول الجيش السوري إلى لبنان أن تعمل القيادة السورية على إلغاء الطائفية (أساس المشكلة والحرب الطائفية في لبنان) وهو ما يتضمن تلقائياً العمل على إلغاء هيمنة المسيحيين، وهو ما وضعه جنبلاط كشرط مسبق لدخول سوريا إلى لبنان كي يتجنب الاصطدام معها ومع كثير من الوطنيين اللبنانيين وخاصة الدروز. لكن الأسد رفض طلب جنبلاط وهدد باستخدام القوة ضده وضد كل من يسعى لتغيير الوثيقة الدستورية المتفق عليها والتي قام عليها لبنان منذ عام 1943”. وقد يكون هذا سبب اغتياله واغتيال رفيق الحريري ورفاقه. وهذا ما يتوافق مع الرغبة الأمريكية ومن خلفها الإسرائيلية في الإبقاء على الهيمنة المسيحية والبنية الطائفية في لبنان. 

وهذا ما أكد عليه طرابلسي في ذات الصفحة حيث قال “بدءاً من ذلك اليوم من عام 1976 راحت الصحافة الأمريكية تهلل وترحب بالتدخل السوري لحماية المسيحيين” ما يعني أن أمريكا كانت قد أعطت الضوء الأخضر لحافظ الأسد ليدخل جيشه للحفاظ على تلك البنية والهيمنة المسيحية متجاهلة بقية اللبنانيين والطوائف الأخرى وحقوقها ومطالبها. ولولا تلك الموافقة الأمريكية التي تمت خلف الجدران المغلقة لما سمح للجيش السوري دخول لبنان. 

وهو ما تجلى برفض القوى الوطنية والديمقراطية واليسارية اللبنانية لدخول الجيش السوري، والتي لذلك أبدت بسالة نادرة وقدمت تضحيات كبيرة. فأرغمت القوى اليمنية المسيحية وحافظ الأسد ومن خلفه أمريكا على القبول بدور جديد للقوى الوطنية ذات الغالبية السنية. لكن بما أنهم لم يوافقوا على إلغاء الطائفية بشكل جذري ونهائي، لذلك توافق الجميع على حل وسط تمت فيه المحافظة على البنية الطائفية الرئيسية القائمة مع تعديلات طفيفة في النسب والمواقع (التي فرضها الواقع والتغيرات في نسبة عدد السكان. لكن مع ذلك راح الطرفان بعد ذلك يعملان وكل على طريقته على الانقلاب على ما تم التوقيع عليه في اتفاق الطائف. 

وكان هذا هو سبب وبقاء المشكلة الطائفية قائمة في لبنان كما كانت قبل الحرب الأهلية التي قامت لإلغائها. وهو ما يفسر لنا لماذا رفضت كل من سوريا واليمين المسيحي (عون وجعجع وفرنجية) لاحقاً ولماذا مازالوا حتى اليوم يرفضون تنفيذ مخرجات الطائف خاصة الداعية لإلغاء الطائفية. من خلال مناكفة ومعاندة رفيق الحريري وتياره (رغم كل ما أنفقه هو شخصياً والسعودية من جهود وأموال، أو من خلال شركة “أوجيه” من أموال طائلة لاسترضاء الأسد وبناء قصرين له وقصر ثالث للمؤتمرات) وإعاقة كل دعواته لتشكيل هيئة لإلغاء الطائفية حسب ما ورد في اتفاق الطائف. وبما أن سوريا عملت على تقوية النفوذ الشيعي على حساب النفوذ المسيحي والسني، الأمر الذي دفع الحريري للمطالبة باستقلال القرار السياسي للبنان وكسب المسيحيين إلى جانبه. للمطالبة بإخراج القوات السورية من بيروت والمدن الأخرى (حسب ما ورد في الطائف “إعادة الانتشار”). وهذا يفسر سبب حقد بشار الأسد عليه واستدعائه لدمشق أكثر من مرة، وفي أخرها زَعم الحريري أن الأسد هدده بالكلمات بالقتل. لذا بدا أن الاغتيال كان تنفيذا لذلك التهديد الذي قام به بشار. وبأنه يستهدف السنة والحريرية السياسية وبالتالي فإن سوريا ومخابراتها وأدواتها كان لابد أن تكون وراء الجريمة لذلك راح الكثير من السنة والعرب يحملون سوريا وأداتها حزب الله مسؤولية تلك الجريمة بما يؤدي إلى إخراجها من لبنان ولإضعاف ومحاصرة أدواتها فيه. 

وهكذا تشكلت كل الشروط المناسبة لهبة شعبية في لبنان كله تطالب بإخراج القوات السورية من لبنان. وهنا طرح اللبنانيين الكارهين لسوريا ضرورة محكمة دولية للتحقيق في الجريمة كونهم لا يثقون في الحكومة اللبنانية (حكومة كرامي) والقضاء اللبناني الذين شكلتهما المخابرات السورية على هواها. ولهذا جاءت لجنة تحقيق دولية أولى فشلت ثم ثانية أفشلت ثم ثالثة. 

سأختصر لأقول في صفحتين أهم ما جرى وما قيل وكتب في آلاف الصفحات في آلاف المقالات والتحليلات والساعات التلفزيونية. وبما قد يحرر اللبنانيين من دفع خمسين مليون دولار للمحكمة الدولية (هم احوج لها) كونها كما ذكرت لن توصلهم لنتيجة ولا لمعرفة المجرم. 

لقد سعى الموالين لسوريا خلال تلك المرحلة لإبعاد التهمة عنهم وعن سوريا الحامية لهم، إلى توجيه التهمة إلى التنظيمات التكفيرية الإسلامية وإلى الزعم أن المسؤول عن التفجير هي منظمة تكفيرية جهادية صغيرة شغلت (شخص فلسطيني اسمه “أحمد أبو العدس “وهو شخص معتر وفقير صار ضحية فقط. لأنه كان يرتاد مسجداً). وذلك لإبعاد التهمة عن سوريا وعن الفاعل الحقيقي حيث شاركت قناة الجزيرة الفضائية (ذات المصداقية) بنشر خبر يشير إلى وجود فيديو موجود في شجرة (فيديو مرتب مسبقاً من قبل جهة يعترف فيه الفلسطيني أحمد أبو العدس بارتكاب الجريمة). ولما تبين للجنة التحقيق الدولية أن كل ذلك كان مفبركا لإبعاد النظر عن معرفة ورؤية المجرم الحقيقي. وهو ما اتضح وأثبتته لجنة التحقيق الثانية بإشارتها إلى تغيير تم في معالم موضع الجريمة واستبعدت أن يكون أبو العدس مسؤولا (عبثا لم يعثر على أي دليل يثبت تورط شخص مثله بجريمة كبيرة ولا لتنظيم إسلامي كون الجريمة كانت مرتبطة بصراعات سياسية لبنانية رئيسية وبين طرفين لا علاقة للإسلاميين بها أو لم يكن للمنظمات الإسلامية أو الجهادية أي دور فيها. لهذا توجهت الأنظار ومن ثم التحقيقات باتجاه حفرة زعم أنها حفرت تحت الأرض ومن ثم حفرة فوق الأرض لاتهام بعض اللبنانيين الخاضعين لأوامر سوريا، ومن ثم من خلال “ديتلف ميليس” بالتعاون مع أمن الحريري جرى تلفيق شهود الزور “محمد زهير الصديق” “الشاهد الملك” التهمة للضباط الأربعة. (الذين نفيت التهمة عنهم في كتابي وهو ما نفته لجنة التحقيق بعد سجنهم أربع سنوات وهو ما جعل المحكمة تطالب بالاعتذار منهم وتقديم تعويضات لهم). 

لكن بعد مراجعة ما أظهرته الأقمار الصناعية تبين أن التفجير حصل فوق الأرض من خلال سيارة كانت متوقفة على الطريق الذي سيمر منه رفيق الحريري ورفاقه. وبما أن بعض الأجهزة الأمنية غيرت أو لعبت بمكان التفجير. فلقد أدخلت اللجنة في دوامة من التحقيقات الفاشلة. توصلت نتيجتها إلى وجود مجموعة من الأشخاص كانوا يمتلكون هواتف نقالة خاصة استخدموها لمراقبة تحركات الحريري، وللتواصل بين بعضهم من خلال مدير واحد و.. إلخ. 

لم تكن المسألة تحتاج إلى كثير من الذكاء لمعرفة حقيقة أن ما جرى من اتهامات ومن عبث. وكل المحاولات لإبعاد التهمة عن كل من سوريا وحزب الله والضباط الأربعة الموالين لسوريا منها كانت صحيحة لأنهم فعلاً لم يرتكبوا تلك الجريمة. ولأنه يستحيل فبركة أدلة مادية ضدهم هكذا. لذلك نفيت بسرعة وثبت أن لا علاقة لهم بالجريمة فعلاً. لأن ماحصل فعلاً كان على الشكل التالي: 

أولاً: بما أن الأخبار الأولى التي بثتها الجزيرة لحظة الحدث. تؤكد على ماشاهده وسمعه كثير من الناس حول سماعها قبل التفجير بثوان، صوت طائرة غير مرئية تحلق في الجو (أي على ارتفاع شاهق جداً) رافق ذلك تشويش راداري (لا تقدر عليه الأجهزة السورية).. ثم سمعوا صوت انفجار أول مع أزيز ثم انفجار ثاني رهيب. ما يعني أن الانفجار الأول والتشويش الراداري قامت به طائرة. والثاني قامت به قوة أخرى على الأرض بما يعني ارتباط الجريمة بجهة خارجية تمتلك إمكانات لا تمتلكها سوريا ولبنان. 

ثانياً: يشير حجم التفجير وعمقه وهوله، أنه كان يهدف إلى إثارة هلع وخوف ورعب وبلبلة (ليس بمقدرة سوريا أو حزب الله أو أي طرف لبناني معادي للحريري فعله) ولو كان الحزب أو النظام السوري يريدان قتله لما اضطرا لمثل هذه الهولة والضجة أو لكل هؤلاء الأشخاص والأدوات لإحداث هذه الصدمة الكبيرة. بل قاموا بها بتكليف شخص واحد فقط بمسدس كاتم ضد رفيق الحريري فقط (من الممكن أن يقوم بها قناص سوري أو لبناني كما حصل مع شخصيات كثيرة اغتيلت سابقاً) إذا كان المستهدف شخصا بعينه لكن بما أن المستهدف لم يكن الحريري ورفاقه فقط بل إثارة ضجة تُحًمل الوجود السوري مسؤولية الجريمة البشعة كي تكون ذريعة قوية لإخراجه من لبنان. ما يفهم منه أن هناك طرف آخر كان يرتب لتوجه الأمور بهذا الاتجاه. 

ثالثاً: بعد أن تبين أن “الفان” المستخدم في نقل المتفجرات خاص جداً مصنوع في اليابان ركبت على أبوابه في قبرص مجسات وأجهزة حساسة للإرسال والاستقبال (استقبال موجات مرور سيارة الحريري) ما يعني أن هذا الأمر لا يمكن أن يكون من فعل النظام السوري أو حزب الله، لأنه بإمكانهم تحقيق هذا الأمر باستخدام أية سيارة دون لوحات أو أرقام متوفرة لديهم بكثرة في لبنان. ما يؤكد على أن من أدخل السيارة كانت جهة داخلية مرتبطة بالخارج. 

رابعاً: بما أن القمر الصناعي الأمريكي كان يصور المكان ونشر صورتين لمكان الانفجار قبل وبعد فقط دون نشر ما بينهما (ثم تم حذف الصورتين من النت لاحقاً لكنني ثبتهما في كتابي) فهذا معناه أنه كان للقمر دور في العملية أو على علم بها، أو أنه وهو الأهم: أن مَن صور مكان الانفجار قبل وبعد حدوثه لديه صور عن لحظة التفجير وكان باستطاعة أي خبير في تحليل صور الاستشعار عن بعد) أن يعرف كيف تم التفجير ومن قام به. وعرف المجرم وما كنا بحاجة لكل هذه اللجان والتحقيقات. 

خامساً: من يدقق في وجود عدة عناصر لا علاقة لكل منهما بالآخر (تهريب فإن وتخزينه. نقل متفجرات قبل التفجير بساعة دون علم السائق بها. ثلاث مستويات من المراقبين يحمل كل طرف منهم هواتف تتصل ببعضها فقط من خلال هاتف واحد. إعطاء أوامر التحرك والمتابعة والمراقبة والرصد، وتوقيف الفان والخروج منه، وتوقيت التفجير. وإطلاق صاروخ مجهول المصدر لتفجير الفان في لحظة مرور موكب الحريري، وبما أن كل هذه الأمور ليست بمقدور المخابرات السورية أو اللبنانية القيام بها، خاصة في عملية التنسيق بين مستويات وأطراف عديدة، والتي تحتاج إلى منظم ومدير على مستوى عال جداً من المعرفة والخبرة العلمية والفنية والدقة لا تتوفر لدى أي طرف في سوريا أو لبنان أو حزب الله أو لدى المخابرات اللبنانية (حتى ولا لدى الأمن العام). لهذا وجدت أن الأقدر على ذلك إما أن تكون للموساد، أو الـ السي آي إيه كونها تمتلك تلك القدرات. 

ونحن اليوم عندما نقدم إجابة كي تكون صحيحة لابد، بل ويجب أن ندخل في تحليل سياسي وجنائي دقيق ومعمق للإجابة على تساؤلات كثيرة. بعضها مرتبط بالأحداث السياسية، التي جرت قبل التفجير -خاصة بما جرى بعد صدور القرار 1959 عام 2004 والقاضي بسحب القوات السورية. وبالتالي كان لابد من ربط الجريمة بعملية الإخراج. وهو ما تحقق بعد الانفجار فوراً. وثالثاً، بما حصل بعدها من تحالفات سياسية جديدة ما يزال بعضها مستمراً حتى اليوم بين عون ونصر الله وبين الثنائي الشيعي. مع تراجع لدور السنة بعد تغييب الزعيم البارز والجمع لهم ولكثير من اللبنانيين. 

كل هذه الأمور التي استغرقت كتابتها ستة آلاف صفحة، وتسع سنوات وعشرات القضاة والمحامين والمحققين بتكلفة زادت عن نصف مليار يورو. تم عرضها في الكتاب الذي تحدثت عنه في مئتي صفحة ونيف لمن يبحث عن الحقيقة. لكن على ما يبدو – ولأن زمار الحي لا يطرب. لم يتم الاكتراث كثيراً بالكتاب. مع أن القرار النهائي للمحكمة أكد عليها. 

 

القرار النهائي للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان: 

حيث حمل التقرير سوريا مسؤولية تدهور الأوضاع وخلق الظروف الموضوعية التي تبرر ارتكاب هذه الجريمة (بما يعني مشاركتها في وضع الخلفية السياسية لها). وهذا ما صدم كثير من المعارضين والمؤيدين للقرار الصادر عن المحكمة الدولية يوم 18 نيسان 2020 كونه برء أربعة ممن قدم الاتهام ضدهم. وحصر الاتهام بسليم عياش فقط. (والذي صدر يوم 11/ 12/2020 قرارا بخمس مؤبدات بحقه. مع أن واحدة تكفي؟ ؟ ). وبما أن عاقلا في العالم لايمكن أن يصدق أن شخصاً واحداً فقط يمكن أن يدير تلك العمليات المعقدة. وهو ما جعل الكثيرين يهمسون “تمخض الجمل فولد فأراً”. 

في حين فرح أنصار حزب الله وسوريا للقرار كونه برأهم من التورط المباشر بالجريمة. مع أنهم كانوا يعتبرون المحكمة (قبل إصدار الحكم) بأنها مسيسة وصهيونية وإمبريالية ومشبوهة. وبأنهم كانوا يرفضون كل ما يصدر عنها ويعتبروه مسيسا. في حين على العكس راحت الأطراف التي كانت تؤيد المحكمة تشكك بالقرار والمحكمة، وتعتبرها مسيسة. وبعضها أكد على أن القرار كان نتيجة لصفقة تمت في الخفاء بين كل من سعد الحريري والنظام السوري والحزب. تتم فيها تبرئتهم مقابل موافقتهم على تسلمه رئاسة وزراء لبنان. لكن بما أن اعتبار سليم عياش وحده مذنبا ومسؤولاً عن جريمة سياسية وكبيرة وبهذا الحجم. أمر لا يمكن أن يدخل في عقل. لذا كان لابد من أن يدفع كل عاقل للشك بالمحكمة وبكل من كان وراء تشكيلها. وبالجريمة وبكل ما حصل قبلها وبعدها. من حيث إرسال لجان تحقيق دولية ومن ثم تحويلها لمحكمة خاصة بلبنان ومن ثم تحويلها منذ عام 2009 إلى محكمة جنائية. وليس سياسية لكنها كانت بالفعل والحقيقة مسيسة ومخصصة لتبرئة الجناة الفعليين (وهي بالتأكيد جهة سياسية). لذلك لم تستطيع التقرير النهائي تجاهل التسييس (حيث جاء في التقرير) “لا يمكن إلا أن يكون وراء ذلك إلا دولا وقوى سياسية”. (يشير بشكل واضح لعدة دول وعدة قوى كانت شريكة في الجريمة وعلى علم بها). 

وبما أن المحكمة الخاصة بلبنان لم تكن ولم تتشكل منذ البداية لمحاكمة دول أو أحزاب فهذا معناه أن القصد من وراء تشكيلها -منذ البداية- كان يهدف إلى تبرئة تلك الأنظمة والقوى وبشكل خاص النظام السوري وحزب الله وطرف آخر (إسرائيل) لم يرد ذكره (إلا بصورة عابرة ومرة واحدة من خلال القول بأن بعض الناس وشهود عيان شاهدوا وسمعوا.. إلخ). 

بما أن هذا الهدف (قبول النظام السوري أو إرغامه على الخروج) قد تحقق إذن لم هناك حاجة لاتهامها هي وحلفائها بالجريمة. وبما أنهما قاموا بعملية التفاف من خلال اتفاق نصر الله عون إعادة الهيمنة على لبنان بالشراكة مع إيران لتنفيذ المهمة الموكلة إليهما من قبل أمريكا وإسرائيل (تثبيت النظام الطائفي). هو ما يجعلني حالياً أميل إلى بناء تصور جديد. يفسر لنا سبب عدم التزام النظام السوري لا بالطائف ولا بغيره من القرارات، ولماذا لم ينفذ أي من شروط القرار لأنه يعرف أنه مدعوم من أمريكا منذ البداية. ولذلك ظل وسيظل يعمل ماتعجز عنه أمريكا لكن من خلال تثبيت وتدعيم قوى طائفية جديدة (شيعية حسب الاستراتيجية الأمريكية العامة والجديدة) لتحل محل المسيحية. وهذا مايفسر لنا ضغط القوى المسيحية (اللوبي المسيحي في أمريكا وفي لبنان) على الإدارة الأمريكية التي لم تجد لإخراج سوريا من لبنان سوى إسرائيل فقامت بذلك العمل الضخم بما يجبر النظام السوري على إخراج قواته من لبنان. وهذا ما حصل وزاد النظام على ذلك عام 2008 اعترافه بلبنان كدولة مستقلة وهو بتقديري ما ساهم وسيساهم في الإبقاء على النظام الطائفي. والتغطية على جريمة كهذه وجرائم مماثلة حصلت لن يتم الكشف عن فاعليها. 

 

خلاصة عامة: 

من يدقق في عديد الأطراف ذات العلاقة بجرائم فاقعة مثل جريمة اغتيال الحريري أو جريمة اغتيال بشير الجميل أو.. إلخ. يجد نفسه أمام شبكة معقدة من الأجهزة والأفراد المرتبطين بأحزاب ومؤسسات يتبع بعضها للدولة اللبنانية لها علاقة بعدة دول وأطراف داخلية وخارجية مجهولة تؤكد الأدلة أنها على معرفة دقيقة بكل التفاصيل الجارية ومعرفة بطرق تغيرها والوسائل اللازمة للقيام بأي جريمة مع التأكيد على عدم ترك أي أثر يدل عليها. وهذا ما يدفعنا للتساؤل: 

من رتب وخطط وتابع ونفذ ومازال متخفياً؟ هل تنظيم الروتاري العالمي أم الموساد؟ أم مركز المعلومات الأمريكي أم السي آي إيه؟ أم قوة خفية مبثوثة في جميع مؤسسات الدولة العميقة؟ إن لم نقدم إجابة دقيقة على هذه التساؤلات سيظل لبنان عرضة لجرائم أخرى. وكما ضاع المجرم الحقيقي في هذه الجريمة كما ضاع غيره، وسيضيع لاحقاً مجرمين آخرين وكثر. وسنعود للدوران ونضيع مجدداً. إن لم يأتي ويضئ على الجانب المظلم للبنان. وهو ما تمثل بـ.. 

 

 

 

الفصل التاسع:
جريمة تفجير (اغتيال) مرفأ بيروت

 

خلفيات وأبعاد الجريمة: 

بداية قد يكون من المفيد تذكير اللبنانيين والعرب والعجم، أولاً بأن كل من حاول أو سيحاول الكشف عن خباياها هذه الجريمة يعني أنه يقترب من المحظور (أي فتح الصندوق الأسود الذي يحظر فتحه لمعرفة ما بداخله). 

وثانياً، إذا علمنا أن ميناء بيروت كان منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام ومازال من أهم موانئ البحر الأبيض الأوسط. وبأنه بدأ نشاطه التجاري كمرفق دولي منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام في عهد الفينيقيين بين مشرق البحر المتوسط وبين غربه بل وما هو أبعد. وعرفنا أن أهميته زادت في فترة سيطرة الإغريق والرومان والحروب الصليبية على دول حوض المتوسط. خاصة بعد فقدان فرنسا حقوقها في ميناء حيفا. وأكثر في المرحلة الراهنة (مرحلة العولمة). 

ولهذا فإن جريمة تدميره ليست مسألة محلية بل دولية دون تجاهل أن الميناء كان ومازال. عاملاً رئيسياً في ظهور ونشوء مدينة بيروت التي لعبت دوراً مهماً في نشأة لبنان الاقتصادية وحصول لبنان على تلك الأهمية والاهتمام الذي يحظى به سواء لدول الشرق الأوسط أو للدول الأوروبية. كصلة وصل بين الشرق الأوسط وبين أوروبا. ولهذا فإن عملية تدميره ترمي إلى ماهو أبعد من لبنان واقتصاده الذي كان وما زال يعتمد بشكل رئيسي على بقاء وعمل هذا المرفأ وما يتصل به من أعمال تجارة وترانزيت ومصارف وبنوك وأمور أخرى تطال مرافق أخرى في لبنان والعالم مثل الفنادق والمطاعم والملاهي والمكاتب التجارية والتخليص الجمركي و.. إلخ. من هنا فإن تفجيره يفترض أن يعتبر تدميراً للبنان ولشعبه ومصادرة لمستقبله. سوف يترتب عليه. افقار للبنان وإضعافه اقتصادياً وسياسياً لسنوات طويلة. وهو ما سيجعله معتمداً على المساعدات الخارجية أكثر. وهو ما يدفعنا لأن نذكر المسؤولين اللبنانيين أنهم إن لم (ولن) يستوعبوا أبعاد وأخطار عملية تفجيره على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وعلى المستوى الإقليمي والعالمي. ولم يغيروا من نهجهم في التعامل مع هذه الجريمة وسواها، ومن الاستمرار في التغطية على المجرمين المحليين والدوليين كما غطوا على جرائم مماثلة. فإن نتائج التدمير المستقبلية ستكون كارثية على الشعب اللبناني كله وعلى التجارة الخارجية معه وبالتالي على التجارة العالمية. 

وهو ما كان أحد أسباب الاهتمام الدولي بما حل به وقد يحل بالشعب اللبناني أكثر من اهتمام المسؤولين اللبنانيين به. وسبباً لاهتمام فرنسا وأمريكا بتفجيره أكثر من اهتمامها بتفجيرات أخرى أكبر وأخطر جرت في العالم وهذا ما قد يجعل من الجريمة جريمة دولية ومن مفاعليها موضع بحث لفترة طويلة قادمة لاشتراك عدة رؤساء دول ومخابراتها وبنوكها وعملائها في تلك الجريمة. لذلك استبق الأمور وأقول أن كل من يريد أو يسعى لمنع تحقيق دولي محايد في الجريمة هليس متآمرا على لبنان فحسب، بل ويعمل أيضاً دون أن يدري لمصلحة قوى خارجية كان لها دور كبير في تدمير الميناء. 

أما إذا أضفنا لذلك الظروف العامة التي يمر بها لبنان والإقليم على المستوى المالي والاقتصادي والصحي والاجتماعي والسياسي والأخلاقي. وفي هذا الوقت الحرج الذي تمر به المنطقة بأسرها. لابد أن يدرك أن العملية مهما كانت الأسباب والدوافع الكامنة وراءها، وسواء كانت ناتجة عن الإهمال والتقصير أو عن عمل مدروس ومقصود ومرتب تعتبر جريمة كبيرة جداً. يجب أن توضع في السياق التاريخي العام الهادف لتدمير كل من لبنان وسوريا والعراق والمنطقة العربية. لذلك فالجريمة. هي جريمة مركبة ومعقدة. وأعتقد أنني وغيري لن نتمكن من الإحاطة بكل أسرارها واكتشاف جميع أبعادها. لذلك أرى أن الإحاطة شبه الشاملة بالجريمة يتطلب تقسيم الجريمة إلى خمس أقسام. 

1- قسم يتعلق بالأطراف الخارجية (واعتبارهم مجرمين أو شركاء في الجريمة) بما فيهم الأطراف التي قامت بكل مايتطلب تسهيل عملية نقل الشحنة المتفجرة من ميناء باتومي من جورجيا إلى ميناء بيروت. 

2- قسم يتعلق بالأطراف اللبنانية التي قامت بتنزيل واستقبال أو حجز السفينة الناقلة وعملية تفريغها وخزنها والإبقاء عليها. 

3- قسم يتعلق بالطرف أو الأطراف التي استخدمت الشحنة سواء في سوريا أو لبنان. 

4- قسم يتعلق بالطرف الذي قام بتفجير ما تبقى من الشحنة. 

5- قسم يتعلق بالأطراف التي غطت وما تزال تغطي (وستغطي) على هؤلاء المجرمين بما في ذلك التقليل من شأن ما حدث. 

 

1- ما يتعلق بالأطراف الخارجية: 

يفترض المنطق والتحليل العقلي والتحقيق الجنائي أن يبدأ التحقيق من معرفة مُصًنع المادة المنفجرة ونقطة انطلاق ومكان تصنيعها (كبداية صحيحة في أي تحقيق جدي وعلمي). أي يفترض أن يبدأ التحقيق بمعرفة المصنع الذي صنع تلك المواد المتفجرة. هل هو مصنع عسكري متخصص أم مدني للمتفجرات المستخدمة في الصناعات المدنية أم للزراعة، ومعرفة لمن تعود ملكيته؟ هل هي ملكية عامة أم خاصة أم حكومية لتصنيع السلاح أم تابعة أو مرتبطة بدولة ما أم بمافيا عالمية لصناعة وترويج المتفجرات؟ (وهو ما قام به لاحقاً الصحفي فراس حاطوم). 

فإذا كانت المادة المتفجرة تابعة لوزارة الدفاع الجورجية أو الروسية، أو لأغراض حربية عندها نعرف أنه لا يجوز نقلها على متن سفن تجارية مدنية (حسب قوانين التجارة الدولية والبحرية)، بل عبر بواخر تابعة لأساطيل حربية تتم من دولة لدولة ومن جيش لجيش. أما عندما يتم نقل مواد حربية عبر سفينة مدنية تجارية فهذا بذاته عمل مخالف لقوانين البحار، ولقوانين التجارة العالمية يفترض أن يجعل من الدولة المستخدمة لتلك السفينة موضع اتهام ومعاقبة ومحاسبة وعزل. (من البداية كان مجرد نقل الشحنة على متن سفينة تجارية يفترض أن تصبح موضع شك ومدعاة للشبهات والظنون). 

لذا لابد من الإحاطة بالظروف التي أحاطت بنقل واستخدام الشحنة. ونحن بهذا لانعطي للجريمة أبعاداً أكبر عندما نربط بين تلك الجريمة وبين جرائم مماثلة سبقتها أو أقل خطورة منها. أو عندما نربط بين تلك الجريمة مع ما كان يجري في سوريا والعراق من عمليات تدمير ممنهج ومتفق عليه لسوريا ولبنان والعراق وشعوبهم وعلى عملية تهجيرهم وإفقارهم بالتوافق بين كلاً من إسرائيل وأمريكا وروسيا والنظام السوري وإيران ومليشياتهم. ولا نخطئ عندما نضع الأمور في سياقها التاريخي والسياسي والمنطقي. 

لايستطيع الباحث الجدي إلا أن يربط بين تاريخ وصول الشحنة لميناء بيروت في 22 تشرين الثاني من عام 2013 (بعد خروجها من جورجيا يوم 21 تشرين) وبين الاتفاق الذي أبرمته روسيا مع الولايات المتحدة في السادس من أيلول من ذات العام (قبل أكثر من شهر) والقاضي بنزع وتدمير الأسلحة الكيميائية لسوريا والتي كان لروسيا دور أساسي في تصنعيها في سوريا في مرحلة الشيوعية كي تستخدم لردع إسرائيل وكان لابد أن يكون لإسرائيل دور في عملية نزعها. ولابد له من أن يجد في ذلك الاتفاق جواباً على الجريمة. 

أ- بما أن الجميع يعرفون أن الرئيس الأمريكي أوباما كان قد وضع عام 2012 خطاً أحمراً يحول دون استخدام القيادة (العصابة الحاكمة) السورية للأسلحة الكيميائية فقط. وبما أن كل ما هو دون ذلك كان مسموحاً لها به (أي أنه كان هناك خط أخضر لاستخدام كل شيء بما فيه المتفجرات الحارقة والبراميل المتفجرة والنابالم وحرق البشر والحجر.. إلخ). وبما أن الفئة (العصابة) الحاكمة في سوريا كي تبقى في الحكم استخدمت الأسلحة الكيميائية في الغوطة وقتلت حوالي 2500 إنسان في ليلة ظلماء وهو ما جعل الرأي العالمي كله يستنكر ويهلع ويضوج. وهو ما جعل الكونغرس يتمرد على سكوت حكومته على الجريمة. ويعطي بالتالي الضوء الأخضر لأوباما كي يوجه ضربة للنظام لأنه تجاوز الخط الأحمر الذي وضعه. 

وبما أن إسرائيل لم تكن منذ البداية -ولاتريد حتى اليوم- توجيه أي ضربة قاسمة قد تقضي على النظام لذلك دفعت عملائها (في المافيا الروسية اليهودية) في روسيا (بوتين ولافروف) للتدخل كي تنقد النظام فاقترح لافروف نزع الأسلحة الكيمائية لسوريا. وكان هذا لمصلحة لروسيا لأنه يجنب حليفها ضربة قاصمة من جهة ومن جهة أخرى. كان لابد منها كي ترضي حلفائها في سوريا. من خلال تقديم بديل فتاك يغني عن استخدام الأسلحة الكيميائية وقد يكون أخطر منها وهو ماتمثل باستخدام البراميل المتفجرة على نطاق واسع لسحق الثورة. وكان بالتالي لابد لروسيا بوتين ولافروف من أن تقدم للنظام المواد البدلة. التي تملئ بها البراميل التي عندما تنفجر تعطي نتائج مدمرة أكثر من الأسلحة الكيميائية وبذلك تتجنب ردود الفعل الدولية والضربة الأمريكية المحتملة. وهكذا على الفور وافقت القيادة السورية على الاقتراح. 

وبناء على ذلك أمرت روسيا أدواتها في جورجيا بإرسال المواد المتفجرة التي تصنعها شركات تابعة للمافيا العالمية (الروسية اليهودية) إلى سوريا. لكن بما أن النقل المباشر من جورجيا إلى سوريا سيكون مفضوحاً وسوف يشكل فضيحة معنوية وسياسية وجنائية على النظام وروسيا وجورجيا لذلك وقع الاختيار على أن تتم العملية في السر من خلال نقل الشحنة من باتومي إلى ميناء بيروت في السر، ويكون المكان الذي تخزن فيه تلك المواد المتفجرة آمنا كي تتمكن سوريا من أن تستجر تدريجياً المتفجرات كي تملأ بها البراميل المتفجرة. وكي لايكشف الأمر (الجريمة المبيتة) كان لابد من التعمية على الجهة المرسلة إليها وهكذا وقع الاختيار على موزامبيق كنوع من التمويه. 

ب- يخطئ من يعتقد أن المخابرات الأمريكية والروسية والمافيا الروسية الأوكرانية البريطانية القبرصية السورية اليهودية والموساد. لم تكن على علم بكل ما جرى بدءاً من نقل النترات إلى الجهة المرسلة لها ونوع السفينة الحاملة لها وقصة التحويلات المالية المزعومة. لأن همها الرئيس كان يتركز على عدم تجاوز الخط الأحمر للرئيس الأمريكي. أي أن يعمل كلاً من النظام وروسيا كل شيئ باستثناء الأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً. 

ج- وبما أنه كان من مصلحة إسرائيل تدمير المخزون الكيميائي لسوريا قبل أي دولة في العالم. (كي ينكشف ظهر سوريا وتصبح تحت رحمة إسرائيل دون أي خوف من ردة فعل مزعجة على أي عمل يمكن أن تقوم به ضدها). وكان من مصلحتها أن يستخدم النظام أي شيء بما في ذلك المواد المتفجرة طالما أن ذلك سيدمر البلدات والمدن السورية والبنية التحتية لسوريا ولا يتمانع في تهجير أهلها وسحق المعارضة وبقاء النظام المألوف والمعلوف. 

 

2- الأطراف الدولية المشاركة في الجريمة:  

أولاً: للرد على من قال أو سيقول: على فرض أن الدولة المصنعة للمادة هي جورجيا الخاضعة لروسيا الداعمة لنظام الأسد هي التي أرادت أن ترسل تلك الشحنة لسوريا فكان باستطاعتها نقلها على متن سفينة حربية روسية، ولن تحتاج لسفينة مدنية بل ترسلها عن طريق سفينة حربية مباشرة لطرطوس دون الحاجة لتمريرها أو إنزالها في بيروت. أقول: 

أن كلاً من روسيا والنظام يعرفان أن الشحنة لو أنزلت في ميناء طرطوس أو اللاذقية فإن خطر تفجيرها من قبل العصابات الإرهابية أو من قبل إسرائيل سيكون وارداً جداً وسهل جداً. وبالتالي سيؤدي لتدمير المدينتين والنظام وسكانهما بما فيهم الجنود والضباط الروس. لذلك كان يجب إبعادها سلفاً عن مينائي طرطوس واللاذقية ووضعها في مكان آخر آمن. 

وبما أن الحكومتين الروسية والسورية تخشيان انكشاف عملية نقل تلك المواد المتفجرة إذا ما انفجرت بعد أن أدانت الأمم المتحدة استخدام كل من سوريا ومن خلفها طبعاً روسيا في تصنيع واستخدام المواد الكيميائية في قتل السوريين ومخالفتهما للاتفاق الذي تم على أساسه التوقف عن توجيه ضربة أمريكية لسوريا كونها تجاوزت الخط الأحمر. ولكي تتجنبا مستقبلاً اتهامات وعقوبات فيما إذا ثبت أنها نقلت تلك المواد على متن بواخر عسكرية، سيؤدي إلى اتهام كلاً من الحكومتين الروسية والجورجية بنقلها مواد مؤذية ومحظورة ستستخدم (وثبت أنها استخدمت) لقتل المدنيين سوف ستعاقب عليها. لذلك لجأت الحكومتين الروسية والجورجية إلى سفينة تجارية مدنية كي لا تتحملا أية مسؤولية عما إذا تم الكشف مستقبلاً عن الجهة المستخدمة لتلك المواد في قتل المدنيين السوريين. لذلك كان لابد من إخفاء الأمر والبحث عن طريقة أخرى لنقل تلك المادة المتفجرة بعد أن تبين نجاعة استخدامها في صناعة البراميل المتفجرة والقائها على المدنيين في سوريا وبالتالي في إجبارهم على ترك بيوتهم وهذا أفضل من استخدام الغازات السامة. 

ثانياً:  من هنا أصبحت عملية النقل عن طريق سفينة تجارية مدنية أمراً مطلوباً. وهو بذاته فقط يفترض أن يعتبر جريمة كونه يشكل مخالفة قانونية لطريقة نقل تلك المواد الخطرة على متن سفينة تجارية مدنية. ما يعني أن الهدف الجرمي كان متوفرا منذ بداية نقل المادة المتفجرة على متن سفينة تجارية. جريمة أراد المصنع والبلد المصدر (بلد المنشأ) التغطية عليه كمُصًدر كيلا يتحمل أية مسؤولية عنها. وكان بالتالي كان لابد من إبعاد أي دلالة تشير إلى أن المادة مرسلة إلى سوريا وبالتالي وجدوا في موزامبيق مكاناً مناسباً لإبعاد الشكوك عن النظام السوري. 

ثالثاً: لذا كان لابد للتحقيق الشامل وانظيف (ثانياً) أن ينطلق من البداية كي يعرف اسم الشاري في موزامبيق أو غيرها لتلك الشحنة الكبيرة جداً. (ما حاجته 2850 طن من نترات الأمونيوم نسبة الأزوت فيه 7، 34 %) غير مخصصة للزراعة بل للتفجير. وهي شحنة تكفي لتدمير مدينة بأكملها. لا يجوز لأي تاجر في العالم شرائها أو المتاجرة بها. أو نقلها إلا من خلال تصاريح رسمية من حكومة لحكومة تخضع لمراقبة دولية. لذلك كان إخفاء اسم المشتري جزءاً أساسياً في الجريمة. وهو ما تم التلاعب عليه من خلال إخفاء اسم المشتري فهذا دليل أن عملية الشراء منذ البداية كانت مشبوهة ومخالفة للقانون الدولي. لذلك تم إخفاء أسماء كل من الشاري الحقيقي وشركة التأمين الراعية والناقلة وإلخ. ولكن بما أن الصحفي الفذ فراس حاطوم كشف من خلال متابعته الدقيقة أن من دفع ثمن الشحنة هما سوريان، جورج حسواني، وعماد خوري وشقيقه مدلل. وشريكهم اللبناني تقلا، وأن الثلاثة من المعروفين بالتعاون مع المافيا الروسية والسورية ومع التنظيمات الإرهابية ويقومون بعمليات تبييض وسرقة أموال (وأثبت أن 500 مليون دولار منها 213 مسجلة في بنك سويسري تابع لبنك بريطاني موجود في جزر البهاما وقبرص. باسم جورج حسواني وشركة وهمية). وبما أن الشركة الخاصة المتلقية (والتي بين حاطوم أنها شركة وهمية) زعمت أن الشاري هو شركة موزمبيقية. تتبع لشخص مهمش ومنسي ولا يخضع للمساءلة. لذلك فإن الزعم بنقلها لشاري في موزمبيق هو بذاته موضع شبهة. يثير الشك بوجود نية بعمل جرمي مسبق على عكس ما ظن المروجين. وللتمويه على ذلك لم تتوجه السفينة مباشرة لموزمبيق. بل توجهت لبيروت للتعمية على الحقيقة الجرمية. 

لذا أعتقد أن معرفة الشخص الذي زعم أنه اشترى الشحنة، إضافة لمالك السفينة، هو أمر أساسي في عملية الكشف عن المجرم، مع أنه أمر يكاد يكون مستحيلا. (بينت التحقيقات اللاحقة أن مالك السفينة هو رجل أعمال قبرصي اسمه “مالوني ” شريك في بنك لبناني كان يستخدمه حزب الله في نقل وغسيل الأموال المهربة من أنصار الحزب في أمريكا وأوروبا إلى بنك أف بي جي). ولأنه لا يمكن لأي شخص أو شركة أو دولة يتبع لها أن تورط نفسها في جريمة كهذه (مواد خطرة دون موافقات ووثائق ودون معرفة الجهة المرسلة لها ومعرفة طريقة استخدامها). مع الإشارة إلى أن الشاري المزعوم استخدم ثغرة موجودة في النقل، تُمكن أي شركة (موهومة) أو أي شخص (باسم مزور) أن يدفع شيكا من بعيد ثمنا لأي مادة يريد شرائها دون أن يكون هو من دفع الثمن فعلاً بل جهة أخرى لا تريد الكشف عن نفسها. لكن بما أن مثل هذا الأمر يفترض ألا يمر هكذا (مرور الكرام) على المخلصين الجمركيين الموجودين في ميناء بيروت. وأنا شخصيا لهذا السبب لا أستبعد ألا يكون أي شخص معنوي قد دفع أي فلس ثمنا للشحنة، أو للشركة الجورجية التابعة غالباً للمافيا الروسية (وربما لم يدفع فلسا في عملية نقل بضاعة مستغلا عملية يطلق عليها في الجمارك “ضد الدفع” (أي لا يدفع الثمن إلا بعد استلام البضاعة من الشاري. الموزمبيقي الغير معروف) الذي إذا اختفى (تخفى) أو تنصل من عملية الشراء تكون أركان إخفاء الجريمة قد اكتملت. وهو ما يشير

رابعاً: بما أنه تم شراء الشحنة من قبل حكومة دولة لا تريد ولا يمكن أن تكشف عن نفسها لأنه في حال إذا كشفت التحقيقات أنها اشترتها أو أن لها أي دور لها في عملية النقل والاستخدام ستطالها عقوبات وإساءة معنوية بالغة. لذلك استخدمت أشخاص (لا يحملون جنسياتها في عملية الشراء الموهومة) لكنهم فعلياً مرتبطين بها ثم قامت بالتغطية عليهم. لكن على الرغم من هذه البراعة الفائقة تمكن الصحفي فراس حاطوم من كشف أسماء أغلبهم (وتبين له أنهم مرتبطين بالمافيا الروسية اليهودية المتعاونة مع الموساد وإسرائيل ونتنياهو كما كانوا معروفين من قبل بوتين) ولما تم الكشف عن العلاقة بين هؤلاء المجرمين وبين البراميل المتفجرة التي استخدمها النظام في سوريا من قبل الصحفي لقمان سليم بعد أن ربط بين زمن وصول المتفجرات وبدء تصنيع البراميل المتفجرة في سوريا تم اغتياله فوراً. هو ما كشفت عنه وأثبتته الصحفية “ديما صادق” لتفسير إزاحة القاضي فادي صوان لأنه استدعى هؤلاء التجار السوريين للشهادة. كونهم من المالكين لشركة “سفارو” التي زُعم أنها اشترت الشحنة لموزامبيق (ولكونهم مرتبطين بالمافيا الروسية اليهودية المرتبطة بالموساد، وبما أنهم يعرفون أنهم لم ولن يمثلوا أمام القضاء كونهم مرتبطين بالمافيا الروسية والعالمية. وبأنهم لن يكشفوا ولأن الحقيقة ستضيع كما سوف تضيع المسؤولية عن الجهة المشترية والمستفيدة من الشحنة من خلال توريط عدد كبير من الأشخاص في الجريمة. 

أعتقد أنه لا يمكن لأي شركة فعلية ولا شخص اعتباري (حتى لو كان مليونيرا مثل مالوني). أن يتلبس تلك المخالفة لشراء أو نقل أو استخدام تلك المواد وبتلك الكمية الكبيرة. وهو ما يؤكد عليه تخليه عن السفينة كما تخلي الشاري عن تلك الشحنة التي زعم أنه دفع ثمنها (تجار مجهولين تبين أنهم سوريان ولبناني. وأنا شخصيا لا أصدق أن أي تاجر مهما كان ثرياً يمكن أن يتخلى عن تلك المادة حتى لو كانت متفجرة إذا كان قد دفع ثمنها فعلاً وبتلك البساطة التي تمت بها إلا لأنه يعرف أن ذلك جريمة). لذلك للتغطية على عملية التنازل عن الشحنة تذرعوا بعدم القدرة على دفع مخالفة سابقة على مالك السفينة المرتبط بباسيل عن طريق وزارة الطاقة (مبلغ تافه طالبت به شركة تأمين لبنانية وثلاث شركات مشكوك في أمر ادعاءاتها حول وجود ديون لها على السفينة. (مبالغ تافهة مقارنة بسعر الشحنة وسعر السفينة). حيث كلفت ابن الوزير غازي زعيتر ليقوم بعملية تنزيل الشحنة مقابل التخلي عن مطالبة مالك السفينة بدفع الديون)، لذا فإن ذلك الادعاء لم يكن في حقيقة الأمر إلا ذريعة للتضليل لحجز الشحنة وليس السفينة بهدف إبقاء السفينة في بيروت بكي يتم بعدها إنزال الشحنة. كما هو مقرر مسبقا. وبأن كل ماتم ذكره من دعاوى لم يكن إلا للتضليل فالشحنة من الأساس كانت متوجهة من ميناء باتومي بعلم بوتين إلى ميناء بيروت لصالح النظام السوري. 

خامساً: بما أن الشحنة محظورة وممنوع نقلها على سفن تجارية، سيتم حجزها لذلك يجب أن تكون قليلة الثمن. لذلك جرى البحث عن سفينة قابلة للتدمير أو للتلف والاستغناء عنها. وأن يكون سعرها قليلاً. إذا تم احتجازها. (وأنا أعتقد أنه لا يمكن لأي شخص مهما كان ثرياً مثل مالوني أن يتخلى عن سفينة مهما كان ثمنها تافها إلا إذا كان قد قبض ثمنها سلفاً، لذلك أميل للاعتقاد أنه قبض ضعف سعرها الحقيقي كونه عضو في المافيا في مكان آخر). 

وهذا ما اتضح من خلال التكاذب في معرفة مالك السفينة وإخفاء شخصيته. وبما أن شخصيته قد أخفيت فهذا معناه أن لا أحد يمكن أن يتحمل مسؤولية حتى نقل هذه الشحنة الخطرة والمحرمة. 

لذا فإن عدم الكشف عن اسم الناقل الحقيقي خوفاً من استجوابه، أو التحقيق معه، والذي سيكون كاشفاً لأهم أسرار العملية.. 

وهو ما بينته الاتصالات والبحث مع مالك السفينة (الروسي المزعوم المقيم في قبرص) والتحقيق معه حول ملكية الشحنة. فلا يمكن أن يكون جاهلا بمن اتصل به لنقلها ولأي جهة. كما تفسر لماذا تخلى عن السفينة في بيروت بتلك البساطة. وهو أمر غير ممكن إلا إذا كان مجرماً وجزءاً من مافيا الحكومة الروسية، لذلك لن يكشف عن اسمه أو عن شخصيته. كونه وشركته المزعومة مرتبطة بمافيا السلاح والحكومة الروسية التي باتت أكبر مصدر لمافيا السلاح في العالم. لذلك كان لابد من إخفاء اسمه ليضيع المسؤول عن الجريمة. كون نسبة الآزوت في تلك الشحنة 34، 7 وهي النسبة المطلوبة لاستخدام المادة في التفجير وليس في الزراعة. هذا عدى عن أن التحقيقات الأولية أظهرت لاحقاً أن الشحنة كانت تحتوي على مواد أخرى إضافية خطرة، وقابلة للاشتعال بسرعة أي كي تستخدم كصاعق ذاتي للشحنة أثناء إلقائها على المدنيين في سوريا. مما كان سيجعل من الشحنة موضعا للشك في أنها كانت مجهزة كي تستخدم أساساً في عمل جرمي (قد تكون مادة التي إن تي. أو أخطر منها، وهو ما لن تكشفه إلا حكومات أو شركات أو أجهزة دولية تمتلك أجهزة عالية الدقة، تكشف تلك المواد في مخلفات التفجير التي قد يتم إتلافها. على الأغلب للتغطية على الجريمة) بما يفهم منه ويجب أن يكون معروفاً للجميع أن الشحنة كانت معروفة لكل من كان على معرفة بها وصمت وكل من كان على علاقة بها، وبأنها مواد تستخدم. أو قابلة. للتفجير أو للانفجار بسرعة وفي لحظة واحدة وفي لبنان أو سوريا أو أي مكان في العالم (حيث من المستحيل أن تنفجر كل تلك المادة المتفجرة بتلك السرعة التي تمت فيها إلا إذا كانت تحتوي من الأساس على المادة الصاعقة المتفجرة وفي هذا يكمن السر وراء انسحاب البحارة الذين كانوا على متن السفينة في أحد الموانئ التركية كونهم كشفوا أو اكتشفوا أنهم يحملون قنبلة موقوتة أو مواد قابلة للانفجار بهم في أية لحظة وتودي بحياتهم التي هي أغلى من أي مبلغ يمكن أن يحصلوا عليه جراء نقلها لذلك رفضوا الاستمرار في قيادتها. وهذا هو السر الذي جعل مالك السفينة الروسي أو من كان يستأجرها والمعروف بـ “بوريس غريتشكو تشيف” يدفع مليون دولار للقبطان الروسي المغامر “بروكوشيف”. وهو مبلغ كبير جداً يدفع كأجر، لقاء قيادة سفينة لهذه المسافة القصيرة. وهذا بحد ذاته موضع شك وتساؤل لن يكشف عنه بروكوشيف (ولن يعرفه أحد) مع أنه تظاهر بأنه يقول الحقيقة في إجاباته على تساؤلات صحفي في قناة إل بي سي. بينما كان في الحقيقة يكذب. حيث تؤكد الوقائع أنه لم يقبل قيادة السفينة بذلك المبلغ الكبير إلا لأنه كان يعرف خطورة الشحنة الموجودة على سطح السفينة لأنه كان يعرف أنه سينقلها فقط مسافة قصيرة من تركيا لبيروت المستباحة وهناك سوف يتركها ولذلك دفع مبالغ طائلة للمحامي كونه أبن وزير (غازي زعيتر) كي يفك أسره (وهذا أمر غريب ومثير للشك) ولأنه كان يعرف أن مصيره سيكون التوقيف والمحاكمة دولياً كونه يقود سفينة تحمل تلك القنبلة الموقوتة المتفجرة والممنوعة نقلها دولياً إلا بسفن متخصصة بذلك مع حصولها على موافقة رسمية من الجهات وحكومات الدول المرسلة والمستوردة لها وهو ما لم يكن متحققا. ولهذا لم يقودها إلا بعد تسلمه ذلك المبلغ الكبير لأنه يعرف خطورة ذلك العمل وما قد يترتب عليه لاحقاً من مساءلة قانونية. وهو ما حصل معه فعلاً، حيث ظل محتجزا على ظهر السفينة في بيروت (بعد إنزال حمولتها) قرابة سنة. حيث كذب ثانية وزعم أنه حُجز لوجود ديون على مالك السفينة مع العلم أنه كقبطان يفترض ألا يتحمل أي مسؤولية عن المبالغ المترتبة على السفينة أو على مالكها أو مستأجرها، بل لأنه يتحمل مسؤولية جزائية كونه قاد سفينة تحمل وتنقل (قنبلة موقوتة) أو شحنة يعرف أنها متفجرة وخطرة دون موافقات رسمية. بدليل أنه كما قال في مقابلة مع مذيع إل بي سي. أنه بعد أن تقدم بطلب لبوتين لفك أسره قد تم رفض طلبه فوراً لأن مستشاري بوتين يعرفون أن ذلك التدخل سيدينه ويدين روسيا، لذلك تخلى عنه كيلا يدان ويتهم بأنه دافع عن شخص خالف قوانين البحار ولشحنه شحنة مشبوهة. وهو ما جعل القبطان يكلف مكتب محاماة لبناني (ابن غازي زعيتر وزير تابع لحركة أمل وموالي لسوريا) كي يستفيد من علاقات والده بما يمكنه من الإفراج عنه. وهو ما لم يتحقق إلا بعد أشهر وبعد دفعه مبالغ كبيرة ذهب قسماً كبيراً منها كرشوات لمسؤولي أمن الميناء ولبعض القضاة.. 

اذن على الأرجح -كما قال بعض المحللين القانونيين والسياسيين اللبنانيين أن الشحنة لم تكن مدفوعة الثمن من قبل أي شخص حقيقي أو معروف تهربا من المسؤولية. وهو ما يفيد بأن هناك طرفا محترفا أو جهة خبيرة (أو خبير في الجمارك والمخابرات وجزء من المافيا العالمية) قاد العملية أو أشرف عليها لن يتم الكشف عنه كونه أدارها عن بعد، ولن يعرف عن نفسه ولن يعرفه أحد. لأنه يعرف أنها أساساً مادة ممنوعة وكانت مرسلة لسوريا لقتل المدنيين السوريين (الارهابيين) وان بيروت لم تكن سوى محطة. لذا لابد من لفت النظر أن زعم الشاري عدم قدرته أو عدم قدرة مالك السفينة دفع رسوم الجمارك التي سوف تترتب على مرورها في قناة السويس (بضعة آلاف) أو حول ما زعم من أنها أرغمت على التوقف في بيروت لحمل بضائع إضافية تمكن المالك من الحصول على مبلغ إضافي يمكنه من دفع الرسوم. أو الزعم بمطالبة شركات معينة بديون مستحقة، أو لمطالبة مسؤولين في ميناء بيروت بدفع رسوم على التوقف أو مطالبة البعض بديون مستحقة على المالك. ليس إلا كلاماً لذر الرماد في العيون وللتغطية على الحقيقة. حقيقة أن الشحنة أساساً كانت مرسلة إلى سوريا وبأنه لابد من ذريعة أو عدة ذرائع لإنزال شحنتها في ميناء بيروت باعتبار أن لبنان كله بات أشبه بمزرعة سائبة. 

 

3- الأطراف اللبنانية المتورطة بالجريمة:  

يخطئ من يعتقد أن أي طرف في لبنان يستطيع أن يعارض إدخال تلك المواد لبيروت أو لأي مكان في لبنان إذا كان النظام السوري أو حزب الله يريد ذلك دون أن يتوقع عواقب أو فضائح. وكان من المعروف في لبنان لكل من قد يقف ضد عملية الإنزال، أو سيحول دونه أنه سوف يقتل وهو ما حصل مع العميد جوزيف سكاف وكذلك لتخويف وإرهاب كل من سيقف ضد ذلك. وسيتم قتل كل من سيفضح الأمر وسيتم اغتياله كما حصل مع الصحفي لقمان سليم. لذلك لم يكن أحداً في لبنان يجرؤ سواء من الأمن العام اللبناني أو الجيش أو ورئيس الجمهورية والنواب حتى عناصر حزب الله الاعتراض ولا يمكنه ولا يجرؤ على التصريح بالحقيقة ولا حتى القول إنه استوردها ليحشو بها النظام السوري (بصمت من أمريكا وإسرائيل) أو حزب الله الصواريخ التي سيطلقها على إسرائيل للدفاع عن لبنان فيما إذا تعرض لاعتداء إسرائيلي. (مع العلم أن الصواريخ تأتيه علناً وجاهزة من إيران عبر سوريا والعراق). 

وعلى فرض أنه لم يكن هناك جهة أو كيان أو شخص في لبنان يريد استلام هذه الشحنة وتحمل مسؤولية ما سوف ينجم عن تلك الجريمة من قتل للسوريين وعلى ما سوف يترتب عليها من فضائح. بدليل أن السفينة بقيت حوالي سنة غير قادرة على إنزال الشحنة (من 22/11/2013 إلى 13/11/2014). وهو ما يؤكد على أمرين أولهما أن هناك أطرافا في لبنان والميناء كانت تعرف بالأمر وخطورته كما يدل على وجود شرفاء رفضوا وعارضوا إنزال الشحنة. 

وثانيها أن تلك الأطراف سكتت أو أسكتت وإما هددت وإما أنها كانت تحتاج إلى غطاء قانوني لتقبل عملية الإنزال كي تتهرب – أو كي تعفي نفسها من المسؤولية. وهو ما أدى إلى تدخل عدة جهات بما فيها القضاء والأمن العام والرئيس اللبناني وبعض الوزراء للتغطية على أدواتهم في الميناء ليمرروا عملية الإنزال. وعلى كل من يمكن أن تطاله تهمة التقصير أو الإهمال. وهذا ما يؤكد على الأغلب أن جميع مسؤولي الميناء والحكومة كانوا على علم بخطورة الشحنة وعدم قانونيتها. 

 

4- الجهة المستخدمة للشحنة: 

للرد على سؤال البعض. إذا كانت الشحنة لسوريا فلماذا لم تنزلها في ميناء طرطوس مثلاً؟ 

أقول أن النظام السوري كان يومها وظل حتى عام 2018. غير قادر على حماية تلك الكمية من المتفجرات شديدة الخطورة على أراضيه حيث لم يكن يسيطر إلا على 30%من مساحة سوريا. كما أنه لم يكن يمتلك القدرة على تأمين الحماية لها، حيث كان من الممكن لأي فصيل مسلح (أو إسرائيل) أن يقوم بتفجيرها عن بعد بصاروخ أو بقذائف هاون أو بالراجمات. لذلك كان لابد من أن توضع في مكان بعيد عن أعين الإرهابيين! بحيث لا تطاله صواريخهم. كما يجب أن تكون محمية وطي الكتمان. وهكذا وجدوا أن ميناء بيروت المحمي من حزب الله هو المكان المناسب. لذلك راح (على الأغلب بناء على تحركات كشفها رياض قبيسي) يعمل من خلال عملائه في لبنان من خلال “عباس ابراهيم” على إقناع أو تروض المسؤولين اللبنانيين الرافضين لعملية الإنزال في بلدهم. بالزعم أن ذلك للضرورة والمصلحة العامة والمشتركة للبلدين في محاربة الإرهاب. حيث تأكد أن عباس إبراهيم من خلال مراسلاته واتصالاته الكثيرة 16 رسالة -كما بين رياض قبيسي- يسعى إلى إقناع المسؤولين اللبنانيين بتقبل ذلك وبعدم خطورة الشحنة وعدم خطورة إنزالها وتخزينها أو خفف من تلك الخطورة، أو أفهم المسؤولين في الميناء أنه سيتم إنزالها في بيروت مؤقتاً كي تقوم سوريا بنقلها لاحقاً إلى سوريا لقتل الارهابيين والدواعش. 

دون تجاهل احتمال أن تكون مخابرات النظام السوري بعد أن وصلت الشحنة إلى بيروت، بعد أن عملت أن لا أحد في لبنان يجرؤ على إنزالها في الميناء أو على شرائها، (خوفاً على سمعته أو نفسه) أو عرفت أن إعادة تصديرها إلى بلد المنشأ أو أي بلد آخر باتت مستحيلة، أو أن استقبالها أو إنزالها في أي بلد في العالم غير لبنان (المستباح) باتت مستحيلة. تدخلت وأبدت استعدادها (لإنقاذ لبنان من هذه الورطة) بشرائها على أن يتم نقلها لاحقاً وبسرعة إلى سوريا. وهكذا تم إسكات واستيعاب جميع المعارضين شرفاء وفاسدين. 

الأمر ذاته حصل قبل ذلك وبعد 4 آب حيث تم الكشف عن وجود حوالي ألف طن من المواد الكيميائية الخطرة (قابلة للانفجار كونها تحوي مركبات الصوديوم المتفجرة وحمض الكلوريك والكبريتيك)، والمحرمة دولياً كونها قابلة للاستخدام في صناعة وحشو الأسلحة الكيمائية. وهو ما تبين أن تلك المواد موضوعة منذ عشر سنوات في أكثر من 52 حاوية في مكان مهمل من ميناء بيروت مع العلم أنه لا يمكن أن يوجد مكان فارغ في ميناء بيروت مهما كان صغيرا، أو يمكن أن يكون مهملا أو غير مرئي. وبما أن أحداً في لبنان أو سوريا سواء كان فرداً أو شركة يمكن أن يترك كل تلك المواد التي يقدر ثمنها بملايين الدولارات على أرض الميناء إلا إذا كان يعرف أنها ستنقل إلى سوريا لاحقاً. ولا يمكن أن ينساها. 

وهذا ما يؤكد على أن سوريا أرغمت الحكومة اللبنانية تقبل وجود تلك المواد الخطرة على أراضيها كأمانة أو لحمايتها أو للتهرب من العقوبات. ومن المحتمل أن يكون النظام قد هرب تلك المواد خوفاً من تدمير اللجان الدولية تدميرها بعد أن وافق النظام على تدميرها بعد أن ثبت استخدامه لها. وقد تكون هذه هي الكمية المتبقية من الكمية الأكبر التي هربها إلى لبنان أو التي استطاع تهريبها بعد أن ابدى استعداده لتدميرها بعد أن أعلن عن تخلصه منها. بينما الحقيقة هي أن عملاء النظام في لبنان (حزب الله وغيره) أبقوا عليها في الميناء كي يتهرب النظام السوري من أي مسؤولية تترتب عن عدم تدمير كل تلك المواد السامة. 

– استخدام تلك الشحنة في حشو البراميل المتفجرة: 

للرد على من زعموا أن تلك الشحنة لا علاقة لها بالبراميل المتفجرة كون النظام كان يستخدم البراميل المتفجرة على نطاق واسع قبل أن تنزل الشحنة في بيروت يوم 24 /10/2014. 

نذكر بما أثبته فراس حاطوم أن الصور التي جمعت بينت وجود سفينة أخرى صغيرة. (خلال تلك الفترة (من تاريخ وصول روسوس في 22/12/2013 إلى تاريخ الإنزال بعد حوالي سنة) كانت ترافق السفينة روس تبين أنها كانت تطفئ مكان موقعها كي تقوم بنقل تلك المواد إلى طرابلس (حيث تم اكتشاف حوالي ألف طن من تلك المادة المتفجرة في ميناء طرابلس). حيث كانت تخلط مع فوسفات الأمونيوم وتنقل إلى سوريا على اعتبار أنها سماد. وللرد على من قال أن الشحنة كانت مرسلة لداعش كي تستخدمها في عمليات تفجير في لبنان أو سورية والعراق. نقول أن مثل تلك الكمية المكشوفة والكبيرة هي وأكبر من أن تستطيع داعش أو النصرة استجرارها من ميناء تعرف أن قوات الأمن اللبنانية الموالية لسوريا وعملاء النظام وحزب الله يسيطرون على الميناء وعلى الحدود بين البلدين. 

لذلك فالاحتمال المرجح هو أنها قد استوردت منذ البداية خصيصا للنظام السوري كي تستخدم في حشو البراميل المتفجرة لإرهاب الناس وتهجيرهم، بعد أن بدأت تعطي منذ بداية عام 2013 فعالية كبيرة في عملية تدمير المدن والبلدات والقرى السورية وتهجير سكانها وقتلهم. 

لذا من المحتمل أن كثير من الشرفاء في الميناء وافقوا على إنزال هذه الشحنة المدمرة، لأنهم اقتنعوا بأن هذه الشحنة سوف تنزل لفترة مؤقتة، وسوف تستخدم بعدها في سوريا ضد تنظيم داعش والنصرة الإرهابيين. 

وبما أن الجميع كانوا يومها في كل لبنان والعالم يوافقون على ضرورة القضاء على تنظيم داعش الإرهابي لما كان يرتكبه من مجازر في سوريا ولبنان والعراق. وبما أنهم كانوا مقتنعين بأن سوريا وشعبها يتعرضون لمؤامرة كونية شيطانية داعشية صهيو أمريكية تكفيرية. لذلك وافقوا على استقبالها وخزنها. 

وللرد على من زعموا أن النظام كان يستخدم البراميل المتفجرة قبل أن تنزل الشحنة في بيروت يوم 24 /10/2014. نقول لهم لقد أثبت فراس حاطوم (خلال تلك الفترة (من الوصول 22/12/2013 إلى الإنزال بعد حوالي سنة) إلى أن الصور بينت وجود سفينة أخرى صغيرة (لبنانية كانت ترافق السفينة روس وأنها بعد أن كانت تطفئ الكاشف (الذي يحدد مكان موقعها) تقوم بنقل تلك المواد إلى ميناء طرابلس حيث ثبت أن حوالي ألف ومئتي طن من تلك المادة في تلك الفترة (توقف روسوس) أنزلت إلى ميناء طرابلس. حيث كانت تخلط مع فوسفات الأمونيوم وتنقل إلى سوريا كسماد. 

– المخالفة القانونية، لإنزال الشحنة في ميناء بيروت: 

تنص المادة 17 من قانون الجمارك اللبناني على أن أية مادة من النترات تحتوي على نسبة من الازوت تزيد عن 34% يحظر دخولها إلى الميناء إلا بموافقة مجلس الوزراء ومع ذلك دخلت. دون موافقة حتى من نجيب ميقاتي حليف سوريا وشريك رامي مخلوف. بمعنى أنه لا يجوز إنزالها في الميناء حتى لو كان مالكها معروفاً. ولا يجوز إدخالها إلى المرفأ. وهذا وحده يعتبر جريمة تفترض محاسبة كل من ساهم أو وافق أو قرر إنزال الشحنة ونقلها وتخزينها. وإنزال أشد العقوبات بهم. وهذا ما يشير إلى أن من وافق على ذلك لا يمكن أن يوافق على ذلك إلا إذا كانت هناك قوة قاهرة أرغمته على تنزيلها في الميناء وتخزينها فيه. 

وهو ما يقودنا إلى التأكيد على أن كل ما قيل لاحقاً حول الخوف من قابلية السفينة للغرق أو عدم صلاحيتها للسفر لم يكن إلا لتبرير عدم إعادتها لبلد المنشأ. كي لا يتحمل صاحبها أي مسؤولية وبهدف إبعادنا عن معرفة الحقيقة المرة والكاوية. حقيقة أن تلك الشحنة كان المطلوب منها الإنزال والرسو في ميناء بيروت مؤقتاً بقصد استخدامها كمتفجرات لاحقاً من قبل النظام الروسي والسوري منذ وصولها إلى ميناء بيروت ومنذ احتجازها وهو ما كشف عنه جوزيف سكاف وطالب جميع السلطات اللبنانية (الخمسة عشر الموجودة في الميناء بخطورة تلك الشحنة وخطورة ابقائها في الميناء لذلك طالب بإبعادها فوراً خارج الحيز البحري للميناء (كاسر الموج) ولذلك قتل وربما لأنه عرف أن الشحنة من لحظة من خروجها من جورجيا كان المطلوب منها التوقف والانزال في بيروت. كي تشحن أو تنقل لاحقاً لسوريا. ولكنه كان يعرف خطورة تلك المادة على شعبه لذلك طالب بإبعادها ولذلك تم قتله. 

وبما أننا نعرف أنه لا يمكن أن يسمح بإنزال أي مادة، إلا بعد قيام مخابر الميناء بإجراء تحليل كيميائي، وهو مالم يحصل. بما يعني أن القصد الجرمي كان متوفرا منذ البداية في التوقف والإنزال والهدف منه بعد أن تم فحصها لاحقاً لذلك فإن الكل سواء مسؤولين للجمارك أو الأمن أو مخلصين أو مخبريين أو قضاة أو وزراء عرفوا ذلك لاحقاً وتهربوا من الإعلام عن المخالفة يعتبر مسؤولا عن جريمة. لذلك فهم سوف يتهربوا اليوم وغداً ولاحقاً خوفاً من أن تطالهم تهمة الاشتراك العمد (عن قصد أو غير قصد) في عملية جرمية من الألف إلى الياء لأنهم جميعاً مهددون بالقتل إن ذكروا الحقيقة. وهو ما يفهم منه أن الطرف الذي قاد العملية وأشرف عليها كان جزءاً من أو مرتبطاً بمافيا عالمية أو مخابرات دولية لا ولن تخضع للمساءلة. (شخصاً مرتبطاً بجهات محلية ودولية متناقضة وقادراً على تدوير الزوايا وتدمير كل أمر مخالف للقانون والمنطق) ولذلك لن تسمح الطبقة الحاكمة في لبنان للحفاظ على أدواتها وعملائها لأحد بالكشف عن الحقيقة وستقوم بقتل كل من يتجرأ على قولها. مع الإشارة إلى أنه قد يتم تلبيس التهمة لطرف أو عدة أشخاص على علاقة هامشية بالجريمة، لكنهم ليسوا في مواقع مهمة أو تابعاً لشخصية بارزة كي يتنصل من المسؤولية الكبيرة والأساسية. وأنا أعتقد أن أحداً مهما كان مضحياً لا يمكن أن يقبل أن يكون كبش فداء أو ضحية عن مجرمين كبار حتى لو كان يعرف أنهم سيحمونه لاحقاً. ولذلك تراجع فراس حاطوم عما ذكره سابقاً خوفاً من القتل. 

– تكاليف الإنزال والتخزين والتهريب: 

ثمة أسئلة عديدة لا بد من طرحها تحت هذا البند. حيث لا يمكن أن تنزل أي مادة في أي مخزن إلا إذا ضمنت إدارة المرفأ أن جهة ما ستدفع أجرة الأرض والتخزين والعتالة والحماية؟ وهنا نسأل: من تكفل بدفع تكاليف أجرة استخدام العنبر رقم 12 طيلة الست سنوات السابقة؟ وكيف ومن قام بذلك ولماذا ولمصلحة من؟ ولماذا لم تسأل أدارة المرفأ أو أي مسؤول لبناني عن ضياع مبالغ طائلة كان يجب أن تدفع لقاء التخزين كل هذه السنوات؟ 

وقدرت التحقيقات الجنائية الأمريكية والفرنسية والألمانية أن كمية الشحنة التي انفجرت لا تتعدى 500 طن. ما يفهم منه أن حوالي 1250 طن قد استهلكت أو ضاعت أو سرقت. وهذا ما يطرح السؤال الأهم: أين وكيف اختفت تلك الكبيرة من المتفجرات؟ أين ذهبت ولمن؟ 

إذا كانت ماتزال موجودة في مكان ما. فهذا يعني أن هناك خطرا أكبر ما يزال يتهدد لبنان، فإذا سلمنا بما أكد عليه الجيش قام بعد شهر من الانفجار بتدمير 4300 كغ من المادة المتفجرة عثر عليها في منطقة قريبة من الميناء. فأين ذهبت الكمية المتبقية؟ هل ضاعت أم تبخرت أم نقلت إلى سوريا واستخدمت في صناعة البراميل المتفجرة؟ أم ما تزال موجودة في مكان ما لتستخدم لاحقاً ضد الشعب اللبناني؟ لذلك أرى أن البحث يفترض أن يتركز على ما فقد أو ضاع من الشحنة. فإذا عرفنا أين ذهبت الـ 2200 طن من تلك المادة. عرفنا لمن استقدمت ولماذا وبالتالي نعرف من له صلة بالجهة التي لم تستنفذ تلك المادة ثم قام بتفجيرها كي يمحو صلته بها فأحدث تلك الكارثة. وهو ما يفعنا للتساؤل :أين الحكومة ومديرية الميناء والجمارك ووزاة المال ومدراء الجباية والضرائب. بغض النظر عن مالك أو صاحب الشحنة. حيث لابد أن يعرف هؤلاء أنه لابد لمديرية الميناء والجمارك والمالية (قبل عملية الإنزال ) من أن يتكفل طرف ما.شخصا أو دولة أو جهة.بدفع أجرة التنزيل وأجرة الأرض التي سوف تستخدم للتخزين أو أجرة العنبر الذي ستخزن فيه ومعرفة المدة. وبالتالي لابد من وجود شركة تأمين على كل ما يترتب عن عملية الحفاظ على المادة (مع العلم أنه لم يسمع أحد في العالم أن مادة يمكن أن تترك على أرض ميناء عدة سنوات دون تأمين (حتى لو كانت علفا للحيوانات). إنه أمر مدعاة للمحاسبة ولابد من أن يثير الشكوك والظنون نتيجة السكوت عن حق الدولة. 

كيف تنزل وتخزن وتبقى دون وجود شركة تأمين؟ حتى لو كانت علفاًلابد من شركة تأمين لحمايتها من السرقة أو العبث، فكيف إذا كانت مواد متفجرة؟ 

لذا نسأل وزارة المال والوزير: هل ثمة من قدم التأمين؟ ومن دفع تلك الأموال؟ أو من الذي تعهد بدفعها لاحقا؟ ؟ ومن الذي سكت على عدم وجود تأمين عليها أو المطالبة بتأمين مادي على الأقل للتعويض على الذين دمرت بيوتهم ومحالهم التجارية ؟ 

وبما أن ذلك لم يحصل. فلا شك أن هذا يشكل مخالفة قانونية ومالية، يفترض أن أو يجب أن تُعًرص كل من وافق أو ساهم في عمليات التنزيل والحمل والنقل والتخزين والسكوت، مسؤولية إما قبض مبالغ من تحت الطاولة أو أنه تغاضى عن أموال للدولة والشعب اللبناني وهذه جريمة أخرى تضاف لجريمة القتل العمد للمئات ولجريمة تدمير ميناء حيوي للبنان. 

طالما أن حزب الله والجيش لا يمكن أن يقوم باستخدامها فلماذا وافقوا على إنزالها في الميناء وسكتوا كل هذه المدة عليها. أما إذا قالوا أنهم لايعرفون ذلك فتلك فضيحة وجريمة أكبر. كيف تنزلون شحنة مدمرة في بلدكم لا تعرفون لمن هي مرسلة؟ 

إن دعوة قائد الجيش بيع الشحنة لشركة شماس المتخصصة في استخدام المتفجرات في المقالع تؤكد علمه بها وسكوته على وجود شحنة مخالفة ويعرف خطورة تخزينها في الميناء. ويعرف إن مجرد رفض الشركة اللبنانية، أو اعتذارها عن شراء تلك الكمية الكبيرة التي تعجز دول عن استخدامها يقيم الدليل على كونها مادة مشبوهة ولا تريد الشركة الخاصة أن تقع في محاذير كثيرة أهمها عدم قدرتها على تأمين مكان للتخزين وعدم قدرتها على تأمين الحماية لها. ومع ذلك سكت على المخالفة والخطر. وهنا يفترض أن نسأل طالما أن أحداً في لبنان أو غيره لم ولن يتجرأ على القول إن الشحنة تعود له. فلماذا يبقيها في بلده؟ ولماذا لم تعاد فوراً إلى بلد المنشأ لخطورتها ولعدم وجود مشتري رسمي لها. ولماذا بقيت في الميناء كل هذه المدة؟ 

وهنا يطرح سؤال على المسؤولين الذين سكتوا على بقائها وعلى عدم نقلها إلى سوريا: لماذا تم السكوت على عدم إرسالها إلى سوريا فوراً أو خلال السنوات الست الماضية (بعد أن أنزلت الشحنة في العنبر رقم 12) مع العلم أن سوريا لا تخشى أحداً إن أرادت استلام الشحنة. 

قد يكون مرد ذلك أن رئيس وزراء لبنان تمام سلام والذي تسلم الوزارة بعد “نجيب ميقاتي “. وكونه حليف للحريري لذلك أوقف عملية نقلها إلى سوريا (مع العلم أنها أنزلت في الميناء في وقت كان فيه نجيب ميقاتي شريك رامي مخلوف رئيساً للوزراء) لذلك بقيت الشحنة موجودة في المرفأ وهكذا وبحكم الروتين والإهمال والتنصل من المسؤولية والخوف من المحاسبة. بقيت الكمية دون نقل رسمي إلى سوريا على أمل أن تهرب إلى سوريا بطريقة سرية لاحقاً. 

وعلى الأغلب كيلا تتهم كلاً من روسيا وسوريا بأنها فعلاً قامت باستيراد متفجرات محظورة من حليفتها روسيا أو من المافيا الروسية لقتل وتدمير ممنهج لقرى وبلدات سورية أو لقتل الشعب السوري بعلم من الأمن الروسي وزعيمه بوتين. أو خوفاً على سمعة حليفها الروسي وسمعة بوتن بالذات الذي كان (كرجل أمن) على علم أكيد بالشحنة منذ ست سنوات. أو لعدم قدرة النظام تأمين الحماية لها حيث يمكن للطيران الإسرائيلي تدميرها، ففضل أحد مسؤولي النظام تخزينها في بيروت ليقوم لاحقاً بسحبها على دفعات إلى سوريا لتستخدم في ملء البراميل المتفجرة. وما يرجح ذلك هو أن حجم التفجير الذي وقع في المرفأ يؤكد على أن كمية الشحنة التي انفجرت تقل عن الكمية المخزنة (1850 طن) بمقدار أربعين بالمئة. فيما لو كل الشحنة الأساسية قد انفجرت. وهو ما تم الكشف عنه من خلال الكشف عن ثغرات في العنبر رقم 12 تحديدا كان تسمح لقاطرة للدخول والخروج ولتهريب المادة سراً إلى سوريا ذات عشرات المعابر غير الشرعية والتي لا تخضع للجمارك أو الأمن اللبناني. وهو ما جعل المسؤولين عن أمن العنبر القيام بعمليات تلحيم لفتحات مفضوحة في باب ضخم يقع في خلفية العنبر. حيث تبين أن عمليات سرقة مفضوحة كانت تتم من خلالها بشاحنات كبيرة “ترولا” تسرق أو تستجر تلك المواد في جنح الظلام وترسلها إلى سوريا. لا يجرؤ أحد التحدث عنها. 

حتى لو افترضنا أن طرفاً لبنانياً شريفاً علم بالأمر، ولو كان من قوات أمن الميناء (أربع جهات أمنية، أمن الجيش وأمن الدولة (التابعين لرئاسة الجمهورية ووزارة الدفاع) والأمن العام (التابع لبري وحزب الله) وأمن فرع المعلومات (التابع لتيار المستقبل) وأمن حزب الله (غير الرسمي). فإنه يعرف أنه إن كشف الأمر أو أشار إليه سيقتل بطريقة غامضة (كما حدث جرى في قتل قبطان الباخرة الأول في ظروف غامضة من قبل المافيا الروسية السورية اللبنانية). لذلك فضلوا الصمت أو رفع العتب والمسؤولية بإرسال كتب للجهات السياسية التابعة لها. تشير أو تلمح أو تحذر من وجود تلك المواد الخطرة. حتى لو افترضنا أن تلك الكميات لم ترسل إلى سوريا بعلم الجميع أو لم تستخدم فيها أو في لبنان فالاحتمال الثالث سيكون أفدح حيث أن تلك الكمية المنهوبة لا يمكن أن تكون قد تبخرت بل ما تزال مخبأة في مكان ما. يمكن أن تستخدم في تفجيرات جديدة. 

حيث أشارت وكالة “رويتر” للإعلام، توصلها لمعلومات وصلتها من خلال تصريحات ومراسلات سرية تمت بين جهات أمنية عديدة تابعة لرئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء (بصورة سرية يوم 24 تموز) قبل 12 يوم من التفجير، تشير إلى وجود خطر يهدد تفجير تلك المواد، لذلك دعت إلى رفعها أو إتلافها فوراً. ما قد يفهم منه أن هناك طرف ما كان على علم بعمل تخريبي يمكن أن يحصل. لكن الرئيسين (للأسف) لم يعطيا للخبر الأهمية المناسبة أو لأن الأمر ليس من اختصاصهما أو لأنهما لم يجدا الوقت الكافي للتخلص من المواد الخطرة لانشغالهم بأمور أهم؟ !

وهو ما يؤكد عليه التحرك السريع الذي قام به اللواء “عباس ابراهيم” المدير العام للأمن العام اللبناني والذي لا تخفى علية أية شاردة أو واردة في لبنان وغيره، وهو الشخص المعين والموثوق والذي يقدم المعلومات لنبيه بري والمدعوم والموثوق من حزب الله ومن عون) بزيارته للميناء فوراً بعد الانفجار الأول ما يعني أنه كان على علم بتفجير ثان سوف يحدث قريباً. وكونه قال بتصريح مسجل في وسائل الإعلام بعد حصول الانفجار الثاني أن المسألة ليست انفجار مفرقعات أو ألعاب نارية، بل انفجار حاوية “كونتينر”، “مشبوه” كان على علم به من قبل وهو ما يثبت أنه كان على علم بحجز “كونتينر” مشتبه به، لا يتبع لأحد في الميناء قرب العنبر رقم 12 منذ أسبوعين) على الأغلب أدخله عملاء لإسرائيل أو روسيا أو لأمريكا بشكل مخالف إلى الميناء (مما يفهم من كلامه). أن حجز ذلك الكونتينر كان فخا مرتبا جرى إدخاله بشكل غير شرعي، تمهيدا لتفجيره لاحقاً من خلال إشارة الكترونية تصدر من طائرة إلى أجهزة موجودة داخل الكونتينر تؤدي إلى تفجير صاعق قوي يؤدي إلى سلسلة تفجيرات من العبر رقم عشرة تؤدي تفجير تلك الكمية الكبيرة من المتفجرات والموجودة في العنبر 12. وهو ما تأكد من حصول العملية خلال عشرين دقيقة (بين سقوط صاروخ فجر الكونتينر في العنبر رقم عشرة. سبب انفجار مفرقعات امتدت للعنبر رقم 12. وبين الانفجار الرهيب). 

لذا أعتقد أن اللواء عباس إبراهيم، هو الذي يعرف حقيقة ماجرى وبالتالي فإن استدعائه والتحقيق معه هو الوسيلة الوحيدة التي تمكن أي محقق من معرفة الحقيقة وللكشف من خلاله وعما توفر لديه أو لما وصله أو توصل له من معلومات عن احتمال تفجير ما سيحصل. قد يكشف عن كثير من الأمور التي لا يعرفها أحد غيره لكنه بتقديري. لن يفعل ذلك لأنه لن يضع نفسه في خلاف أو في مواجهة مع حزب الله خاصة بعد ما قاله السيد حسن عن عدم معرفته بما يوجد في الميناء، ولا مع زعيم حركة أمل أيضاً. أو لأنه لا يريد أن يضع نفسه في موضع اتهام لهما إن قال الحقيقة، أو كيلا يقع في معارضتها بما يقوي مواقع خصومهم وخصومه في لبنان. 

والسؤال الأهم والذي يتطلب إجابة دقيقة عليه هو: إذا كانت إسرائيل على علم بالشحنة فلماذا لم تقم بتفجيرها سابقاً (منذ أن وصلت أو بعد سنة أو سنتين) بل بعد مضي سبع سنوات؟ هل لأنها كانت تعرف أن النظام السوري كان يستخدمها، وعندما اكتفى ولم يعد هناك ضرورة لها تقرر تفجيرها في لبنان. أم فجرتها كي تزيل كل أثر يدل على تورطها بشراء ونقل واستخدام تلك الشحنة ضد الشعب السوري؟ أم لأن ميناء بيروت (ولبنان كله) أصبح فعلاً بمثابة ميناءً لإيران على البحر الأبيض المتوسط كما بات مرفأ طرطوس مرفأً لروسيا وبعلم وموافقة إسرائيل وأمريكا؟ 

السؤال الأصعب: من سيكشف الحقيقة؟ إذا كان ثمة وزراء ومدراء عامين مع جميع قضاة ومدراء وأغلب قادة وعناصر أجهزة الأمن اللبناني بما فيهم مخابرات وقائد الجيش ورئيسي الجمهورية والوزراء ووزراء ونواب وضباط أمن كبار وصحفيين وسياسيين متورطين بشكل ما أو مسؤولين بسبب إهمال أو تواطئ عن جريمة كبيرة كهذه. فهل يمكن لأي جهاز لبناني. حتى لو كان تابعاً للجيش وموضع ثقة السيد حسن. أن يجرؤ على كشف الحقيقة. حتى لو عرفها؟ 

 

5- من قام (أسرار) بعملية التفجير: 

أولاً: للكشف عمن يقف وراء جريمة التفجير الحاصلة في 4 آب في بيروت لابد من أن نقوم أولاً بالربط بين ماجرى خلال عشرين دقيقة وعلى ثلاث مراحل بدءاً من لحظة سماع صوت أزيز صاروخ مروراً بالانفجار الأول وظهور الدخان الأسود وارسال رجال الدفاع المدني ثم انفجار ما تشبه الألعاب النارية حتى لحظة الانفجار الرهيب. وهو ما يذكر بما حصل في جريمة اغتيال رفيق الحريري ورفاقه. وهو ما يقودنا سلفاً إلى اتهام الجهات ذاتها التي كانت وراء اغتيال الحريري وسواه في العراق وسوريا ولبنان ولم يتم الكشف عن فاعليها بأنها هي التي كانت وراء التفجير الأخير ولا تزال وستظل تعمل على تدمير لبنان. كما دمرته سابقاً. 

ثانياً: علينا أن نعرف أنه لا يمكن أن يقوم بهذا العمل الكبير سوى جهات متخصصة بارتكاب الجرائم والإفلات منها، وبما أن إسرائيل وأدواتها قاموا بجرائم كبيرة وكثيرة في هذه البلدان الثلاث ولبنان أكثر من سواها. لهذا فإنها كما عملت على التغطية على تلك الجرائم ونجحت في عدم الكشف عن فاعليها نؤكد على أنها سوف تعمل الأمر ذاته فيما يتعلق بجريمة تفجير الميناء وجرائم لاحقة. ولهذا يفترض ألا يمرر شرفاء لبنان وسوريا والعالم العربي قضية من قام بعملية التفجير الكبيرة هكذا. كونها مرعبة. 

ثالثاً: لذلك أعتقد أن الكشف الكامل والدقيق وتحديد المسؤوليات بدقة وشفافية عمن كان وراء حجز الشحنة وإنزالها وإبقائها. وسواء جرى من قبل جهات لبنانية لوحدها أو بالتعاون مع جهات إقليمية أو خارجية (مافيا دولية) سوف يسهل الوصول لمعرفة من كان وراء عملية التفجير. لذا فإنني إذ أُبدي اهتماماً خاصة وأتصدى لهذه الجريمة بالبحث والتقصي فيها وفي أبعادها فلأنني أتوقع الكشف عن المجرمين. ولأن لي مصلحة خاصة في الكشف عنهم لأنني كنت أيضاً من عشرات آلاف المتضررين مباشرة من هذه الجريمة ماديا (لأنني خسرت بيتي وبما تقدر قيمته نصف مليون دولار نتيجة لإلقاء برميل متفجر محشو بتلك المادة التي صنعت في جورجيا ونقلت بأوامر من بوتين وخزنت في بيروت من قبل عملاء، بعد أن أسقطت تلك المواد المتفجرة على بيتي وعشرات آلاف بيوت السوريين من خلال مروحيات روسية الصنع. مع أنني وجميع هؤلاء المتضررين لم نقم بأي عمل مضاد سواء لروسيا أو لجورجيا أو للنظام) ومعنوياً. وهذا ما يشجعني لأن أحث اللبنانيين والسوريين (بما يزيد عن مليون إنسان لا ذنب لهم وتضرروا من تلك المواد المتفجرة في سوريا خلال خمسة أعوام وفي لبنان بعد 4 آب. أن يصروا على متابعة التحقيق والمطالبة بتعويضات عن كل ضرر لحق بهم وأسئلة أخرى قد تساهم في إلقاء الأضواء على أمور أخرى أبعد تحيط بمن كان وراء العملية وغيرها من العمليات ولماذا. بما قد يساهم في إنارة حقول أخرى تساعد في توقف أمثال هذه الجريمة وغيرها، وبما قد يساهم في التركيز على بناء لبنان والمنطقة. من خلال التعرف على.. 

رابعاً: إن التصريح الفوري من قبل مسؤول أمني إسرائيلي نفى فيه أن يكون لحكومته دور فيما حصل، ومن ثم تصريح السيد حسن نصر الله استبعاده أن يكون ذلك التفجير حصل بسبب خارجي. حيث استبق الطرفان التحقيق واعتبر حسن ذلك العمل يعود للإهمال مستبعدا احتمال أن تكون إسرائيل أو طرف خارجي مسؤولة عنما حصل كي يعفي نفسه عن مسؤولية الردد وقد يكون للتغطية بشكل غير مباشر على المجرمين هو وسواه وكل من استبق أي تحقيق أو إحاطة بالموضوع. (يكاد المريب يقول خذوني). 

 

6- التغطية والمسؤولية والمحاكمة: 

نخلص من كل ما سبق واستكمالاً لما ذكرته في البداية مرتبط بعدة جهات وأطراف دولية. وبما أن تلك الجهات لا يمكن أن تحاكم إلا في محكمة العدل الدولية التي لايمكنها أن تحاكم أحداً في العالم خاصة إذا كانوا رؤساء دول مثل بوتين دون قرار من مجلس الأمن. وبما الجميع يعرفون أن كلاً من روسيا والصين سوف تستخدم حق النقض لذلك لن تشكل هذه المحكمة ولن يتم التحقيق في تورط الجهات الخارجية. لذلك كل من يسعى في لبنان وسواه لتبرئة كل من له صلة أو علم أو علاقة بالشحنة وبنقلها وتسهيلات نقلها مالياً وتقنياً في كل من روسيا وأوكرانيا وجورجيا وبريطانيا وقبرص واليونان وتركيا وسوريا وإسرائيل، وكل من غطى وسيغطي على المجرمين الذين استخدموا الشحنة في سوريا أو غيرها أو تفجير بقاياها في لبنان. هو شريك في الجريمة. 

دون أن نتجاهل أن المسؤولية عن الجريمة التي حصلت في 4 آب وفي بيروت تقع بشكل رئيسي على كل لبناني استقبل وسهل ونزل وخزن الشحنة في لبنان. وبما أن المسؤولين اللبنانيين وسواء كانوا عن خوف أو إهمال أو تقاعس أو سكوت أو علم بما سبق عملية التفجير الضخم وفي هذا الوقت الحرج جداً جداً ولم يفعلوا مايتوجب عليهم لمنعه. يعتبر جريمة تكفي كي تكون مبرراً كافية لحبسهم وطرد هم. وهذا لن يتحقق إن لم تؤدي نتيجة التحقيقات في ذات الوقت أو في النتيجة إلى تغيير البنية والتركيبة التي قام عليها لبنان. وبصورة خاصة. الطغمة المرتبطة بالمافيا العالمية والتي فرضها النظام السوري على لبنان وشعبه. وإن لم تتم محاكمتها وتنفيذ أشد العقوبات بحقها، فإن لبنان كبلد وشعب سيبقيان مستباحاً وعرضة لكوارث أخرى. وسوف ينهار أكثر. وهو ما يضع القوى الحية والشريفة في لبنان والعالم قبل 4 آب القادم. أمام تحدي وامتحان صعب. 

 

 

 

 

الفصل العاشر:
ترسيم الحدود البرية
بين كل من لبنان وسوريا وفلسطين

 

من حسن حظي أنني تعرفت على الدكتور ” ياسين زكريا” () قبل وفاته بسنتين باعتباره أهم مرجعية تاريخية وسياسية وقانونية في مسألة ترسيم الحدود بين كلاً من سوريا ولبنان والعراق والأردن وتركيا وفلسطين وبين الأخيرة ومصر، وحصل على دكتوراه على ذلك العمل من جامعة السوربون في باريس ولذلك أصبح عام 1952 مديراً لمكتب الشؤون القانونية في وزارة الخارجية السورية. وهو ما مكنه كباحث من الاطلاع على اتفاق “بولييه نوكامب” وهو الاتفاق الذي تم على أساسه ترسيم الحدود بين الاستعمارين الفرنسي والبريطاني عام 1923 والتغيرات والملاحق المرتبطة به لاحقاً. حيث أكد لي الدكتور “ياسين زكريا” بأن خط الهدنة ليس خطاً رسمياً للحدود كونه لا يلتزم بالمبادئ الدولية لترسيم الحدود من الناحيتين القانونية والسياسية (والمحددة بحوالي 180 نقطة) بل هي حدود عسكرية مرتبطة بخطوط معينة لمنع القتال اقتضتها ظروف محلية ودولية خاصة لوقف الحرب أكثر مما هي حدود نهائية أو رسمية. بمعنى أنها لا تتفق مع المبادئ العامة الدولية بل تخالفها. لذلك فإن تلك المبادئ تقتضي من الحكومة اللبنانية أثناء المفاوضات لترسيم الحدود الدولية رسمياً (إذا كانت حريصة على استعادة أراضيها) أن تطالب باستعادة أراضي جميع القرى (خاصة السبع) والأراضي التي جرى احتلالها أو ضمها بعد اتفاق عام 1923 هذا عدا عن استعادة حوالي 13 نقطة ومنطقة احتلها إسرائيل بعد عام 1967. و1978. و2000. بما أن نبيه بري (رئيس مجلس النواب اللبناني) هو الذي فاوض أمريكا وثم وافق على ترسيم الحدود البرية والبحرية مع ما تسمى إسرائيل في تشرين 2020 مع أن ذلك ليس من اختصاصه بل من اختصاص إما وزير الخارجية أو رئيس الجمهورية، والوزراء. متخذا من ذريعة ترسيم الحدود البحرية التي ستعود بفائدة على اللبنانيين وكي يمنن اللبنانيين بأنه أقدم على خطوة ستعود بالفائدة والخير العميم عليهم من وراء سحب الغاز من البلوك رقم ثمانية والبلوك رقم تسعة. ومستغلاً الوضع المعيشي للشعب اللبناني للتغطية على الاعتراف الرسمي بما تسمى إسرائيل. ولكي يتجنب أن تطاله العقوبات الأمريكية وأنصاره. بعد أن طالت وزير المالية السابق “علي حسن الخليل” وأتباعه وأموالهم المقدرة بعشرات مليارات الدولارات الموجودة في البنوك الأمريكية أو على شكل عقارات وفنادق ومطاعم ومضخات وقود. 

 

التمهيد لتقبل الاعتراف بإسرائيل: 

لابد من التأكيد على أن مجرد موافقة أي طرف لبناني رسمي على ترسيم الحدود مع ما تسمى إسرائيل برعاية الأمم المتحدة هو تمهيد للاعتراف الرسمي بإسرائيل، ولتقبل احتلالها لبلد عربي (حتى لو تم اعتراف من زعموا أنهم ممثلين لشعب فلسطين) وبالتالي اعتبارها دولة جارة ولو كانت شراً لا بد منه. وليس باعتبارها (كما هي في الواقع والفعل) كيان محتل، بما ينفي عنها صفة الكيان الغاصب. 

وهو أمر يختلف جذرياً عما جرى أثناء القبول على التوقيع على الاتفاق لترسيم حدود الهدنة عام 1949 (كما جاء في نص اتفاق الهدنة: حدود فرضتها الاعتبارات العسكرية لوقف القتال على وجه الحصر. أي كأي وقف لإطلاق النار يتم بين عدوين ومتحاربين ولعدم استخدام القوة لاحقاً لتغييرها، واعتبارها حدوداً مؤقتة وليست رسمية سيتم تحديدها الرسمي في التسوية النهائية للصراع العربي الصهيوني لا تلغي حقوق الطرفين ومطالبهما الأخرى.. إلخ). 

ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا والكيان الصهيوني: 

الحدود من الناحيتين التاريخية والقانونية، من المعروف أن مسألة ترسيم الحدود بين الدول القومية والوطنية على نطاق العالم هي مسألة حديثة، بدأت مع انهيار الإمبراطوريات القديمة في أوربا بعد الثورة الفرنسية وتوقف غزوات نابليون بونابرت عام 1815. ثم راحت تعم العالم خاصة في الشرق بسبب عمليات توسع الدول الاستعمارية للانفراد بالمناطق المتنازع عليه. 

وكما يرى “د. ألفت عبد الله” في كتابه “مشكلات الحدود العربية” (أن الحدود بين الدول العربية لم يكتمل ترسيمها من قبل الدول الاستعمارية إلا بعد الربع الأول من القرن العشرين. لتحقيق أطماعها الخاصة بما كان يتناسب حينها مع قوتها العسكرية والاقتصادية بالتوافق مع القوى المنافسة لها على نطاق العالم ومدى قدرتها على كسب قوى محلية أكثر إلى جانبها. (ويشير أنه بعد بروز الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لمناطق معينة في تلك الدول ولوضع حد للنزاعات فيما بينها كان لابد من ترسيم تلك الحدود، ومن ثم تثبيتها وإعطائها صفة قانونية. ولكي تثبت تلك الحدود استخدمت الدول المنتصرة بعد الحربين العالميتين كلاً من عصبة الأمم المتحدة عام 1918 والأمم المتحدة عام 1946 القانون الدولي لترسيخ تلك الحدود واعتبرت كل من يتعدى عليها يشكل خطرا على السلام العالمي تتوجب معاقبته عسكرياً واقتصادياً. لكن ذلك لم يحصل خاصة فيما يتعلق بفلسطين. 

القانون الدولي وفلسطين، من يتابع أهم ما صدر عن هاتين المنظمتين الدوليتين يجد أنهما هما اللتان أعطيا شرعية لقيام ما تسمى دولة “إسرائيل” على أراض ليست لها. وهي التي غضت النظر عن تجاوزها لتلك الحدود التي رسمتها لها. وهذا ما يدفعنا إلى لفت الأنظار إلى حقائق كثيرة جرى تجاهلها من قبل أغلب الباحثين في الصراع الجاري في المنطقة وتحديدا على فلسطين. 

أولاً: مع أن وعد بلفور لم يشر إلى وجود أي علاقة تاريخية أو قانونية تربط ما بين فلسطين واليهود في العالم إلا أن عصبة الأمم المتحدة في عام 1922 قامت من خلال ما عرف بصك الانتداب على فلسطين بالربط بين حق الانتداب البريطاني على فلسطين وبين حق إقامة دولة لليهود على أرضها من خلال التأكيد على وجود علاقة تاريخية بين اليهود وفلسطين. وهي قفزة نوعية وخطيرة أخطر من الوعد. وهكذا أصبح هذا الصك بمثابة أساس يجري التأكيد من خلاله على مزاعم كلاً من الحكومات الاستعمارية واليهود الصهاينة وبعض العرب من وجود صلة بين اليهود وفلسطين أو أنه كان لليهود دولة أو مملكة على أرض ما تعرف اليوم بفلسطين (وسواء قبل ألفي أو ثلاثة آلاف عام، وسواء عليها كلها أو على جزء منها). مع أنه لايوجد أي أساس أثري أو تاريخي أو قانوني على ذلك. باعتبار أن فكرة وقيام الدول والممالك ورسم حدود بينها هي فكرة حديثة لم تكن موجودة في ذلك التاريخ. والأمر لم يكن يتعدى وجود بعض ممن يؤمنون بالديانة اليهودية المشتقة من الديانة الموسوية في قرى وهضاب تحيط بالخليل والقدس. 

ومع ذلك قامت الأمم المتحدة عام 1947 بتثبيت ذلك الحق قانونيا من خلال القرار 181 حيث أقرت الأمم المتحدة لأول مرة في التاريخ حق قيام دولة يهودية على 55%من أرض فلسطين. ومع أن هذا الكيان اليهودي لم يقم على 55% بل على 78% من أرض فلسطين (خلافاً للقرار 181). ومع أن حكومة اسرائيل المؤقتة زعمت في الطلب المقدم من قبلها للجمعية العامة للأمم المتحدة أنها سوف تلتزم بما جاء في القرارين 181 و194 إلا أنه تم تجاوز ما نص عليه هذين القرارين ليتم الاعتراف بإسرائيل من قبل حكومة الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1948 وبعد خمس دقائق من إعلان حكومة اسرائيل المؤقتة، وبعد عام تم الاعتراف بإسرائيل كدولة ومن قبل غالبية دول الأمم المتحدة من خلال القرار 273. 

وبالتالي فإن عدم التقيد بالحدود المنصوص عليها في القوانين الدولية كان سياسة اتبعتها إسرائيل وبدعم من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية والدول التابعة. وهذا يشكل مخالفة لميثاق الأمم المتحدة وللقرارات الصادرة عنها. بما يعني أن أي اعتراف حصل أو سيحصل بهذا الكيان استناداً لوضعه الحالي والذي تثبت بالقوة بعد حرب عام 1948 هو غير قانوني وغير شرعي إلى جانب مناقضته للحق وللتاريخ. 

ثانياً: حتى تاريخ إنشاء هاتين المنظمتين العالميتين لم يكن في العالم أو المنطقة العربية كيان اسمه دولة إسرائيل. ما يعني أنه الكيان الوحيد في العالم الذي نشأ بناء على قرار دولي فرضته الدول الاستعمارية. بما يفهم منه ويؤكد من ناحية أولى، على أنه كيان مفتعل ومختلق لا أساس جغرافي أو تاريخي أو قانوني له لا يجوز الاعتراف به أو التسليم بوجوده بأي شكل من الأشكال. ومن ناحية أخرى يفترض بكل من يرغب الاعتراف به إذا أراد أن يلتزم بالقرارات الدولية التي شرعت وجوده، بمعنى أنه يتوجب عليه ألا يعترف به وبحدوده الراهنة إلا إذا طبق القرارين 181 و194. 

بمعنى أن على من يريد إبرام اتفاق سلام مع ما تسمى إسرائيل. أن يعترف فقط بالحدود التي رسمتها لها قرارات الأمم المتحدة (على 55% من أرض فلسطين فقط {دون القدس} وبالشروط ذاتها، أي بقاء جميع أبناء فلسطين على أراضيهم، وبتثبيت حق عودة من طردوا من بيوتهم وقراهم ومدنهم. مع الحق بالتعويض عن كل ضرر مادي أو معنوي لحق بهم. 

ولهذا يجب التأكيد على أن اعتراف كلاً من حكومات مصر والأردن والبحرين والإمارات ومنظمة التحرير الفلسطينية (وليس الشعب الفلسطيني) بما باتت تسمى “إسرائيل” كما هي اليوم هو مخالفة صريحة لكل المبادئ والقيم التي قامت عليها الدول والمواثيق الدولية وخاصة ميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان عدا عن قيم جميع الأديان والأخلاق. 

وهذا التأكيد ضروري من أجل تقييم اللقاء بين الوفد اللبناني والوفد الصهيوني برعاية أمريكية: 

أبعاد وآفاق التفاوض على الحدود في الناقورة، بما أننا بصدد تقييم اللقاء الذي تم بين وفد لبناني ووفد صهيوني في الناقورة يوم 14 أكتوبر لعام 2020 لابد من العودة للتذكير بعدد من الأمور المتعلقة بأصل ونشأة الحدود بين ما تسمى إسرائيل ولبنان وسوريا. فمن يرجع لما جرى قبل وبعد الحرب العالمية الأولى. يجد أن من احتل كلاً من مصر وفلسطين وشرق الأردن وسوريا والعراق كانت بريطانيا وفرنسا استناداً لاتفاقية أبرمها الجنرالين سايكس بيكو عام 1916 بالتوافق مع حكومات كلاً من روسيا وإيطاليا. 

وبأن الحدود التي رسمت بينهما كانت تعطي لفرنسا حق الانتداب والتصرف في أراض تمتد شرقا من الموصل ووسط تركيا وسوريا مروراً لبنان وفلسطين من بلدة بيسان جنوب بحيرة طبريا حتى حيفا في الغرب. (المادة الخامسة من الاتفاقية تؤكد على أن ميناء حيفا هو مخصص لتجارة فرنسا ومستعمراتها والبلاد الواقعة تحت حمايتها {يعني لبنان وسوريا) والمادتين التاسعة والعاشرة تؤكدان على أنه (لا يجوز للدولتين الحاميتين للدول العربية أن تجري أية مفاوضات في أي وقت للتنازل عن حقوقهما وأن لا تعطي ما لكل منهما من حقوق لغيرهما وأن لا تسمحا لدولة ثالثة أن تمتلك أراضي أو اقطار سوى للدولة أو حلف الدول العربية). 

بما يفهم منه أن أراضي الدول التي كانت تحتلها هاتين الدولتين هي أراض لدول وشعوب عربية لا يجوز أن تتنازل هاتين الدولتين الاستعماريتين عن أي جزء منها لدولة ثالثة. بما يؤكد على أن قيام ما تسمى دولة لليهود الأغراب على أرض فلسطين يشكل مخالفة صريحة للأساس القانوني لاتفاقية “سايكس بيكو” التي تم على أساسها احتلال هذه البلاد وتقسيمها والانتداب عليها. مما يجعل قيام هذا الكيان حتى على أساس اتفاقية سايكس بيكو باطل وغير مشروع. ولتفسير ما جرى على أرض الواقع حتى وصلنا إلى مانحن عليه اليوم نذكر بأن ما جرى بعد الحرب في مؤتمر الصلح الذي عقد في باريس عام 1919 ومن ثم عام 1920 في لوزان ومن ثم عام 1922 و1923 (اتفاقية بولية نوكامب) يؤكد استناداً لما ذكره كثير من المؤرخين والباحثين الغربيين وفي مقدمتهم المؤرخ والباحث الأمريكي “وليام انغدال” في كتابه قرن على الحرب “أن كلاً من بريطانيا وأمريكا تحت ضغط الحركة الصهيونية أرغمتا فرنسا على التراجع عن الأراضي المخصصة لها في فلسطين تدريجياً لبريطانيا (من شمال حيفا حتى رأس الناقورة. ومن بيسان جنوب طبريا وبحيرتها بما فيها بحيرة الحولة وسهولها الغنية حتى شنير ودان شمالاً لبريطانيا) كما أرغمت فرنسا عام 1921 على التنازل عن اثنتي عشر قرية (القرى التابعة للبنان الكبير والتي تم ضمها لفلسطين وتم طرد سكانها منها عام 1926 إلى لبنان هي: برختا، خلة غزالة، رمتا، ربعا، مراح الملول، فشكول، قفوة، قرن، كفر دودة، زبدين، جورة العقاب، مغر شبيعة). كان يسكنها الشيعة (المتاولة) وأرغمتهم على الهجرة إلى جنوب لبنان ومن ثم في عام 1926 تنازلت فرنسا عن سبع قرى (القرى السبع التي تم ضمها لفلسطين وتم طرد سكانها منها هي: تربيخا، صلحا، المالكية، النبي يوشع، قدس، هونين، أبل القمح) كانت جزءاً من دولة جبل لبنان الكبير وكان جزء كبير منهم يحملون الجنسية اللبنانية () بتوقيع الجنرال غورو وهو ما يفهم منه: 

أ- أنه يتوجب على أي مفاوض لبناني أن يطالب باستعادة جميع تلك القرى وعودة سكانها إليها وألا يقع حالياً تحت ضغط الأزمة الاقتصادية الراهنة التي يمر بها لبنان لإرغامهم على القبول بترسيم الحدود مع كيان غاصب ومعتدي. 

ب- إذا عدنا لاتفاقية بوليه نوكامب الموقع عليها 1923 من قبل حكومتي بريطانيا وفرنسا، والتي يستند عليها كثير من المنظرين اللبنانيين لترسيم الحدود بين لبنان والكيان الصهيوني نجد أن من رسم الحدود بين لبنان وفلسطين هما طرفان خارجيان استعماريان (فرنسا وبريطانيا) كان يعملان بوعي على تحقيق مصلحة طرف ثالث غريب عن البلدين وعن شعبيهما. 

وقد ذكر الدكتور ياسين زكريا في رسالة الدكتوراة والتي كانت بعنوان دراسة قانونية وتاريخية في الحدود السورية بأن المهندسين اللذان كانا يقومان بوضع حجارة الديكسترو أو الرجوم على أرض الواقع {خلافاً للخرائط} كانا مهندسين عسكريين يهوديين منتمين للحركة الصهيونية أحدهما بريطاني والآخر فرنسي يرافقهما مهندسان لبنانيان وعدد من العمال والفلاحين {راكموا في موقعين تلين من الحجارة بارتفاع عدة أمتار على الأرض لترى من الطرفين. تم فيها أكل (ضم) 192 كم مربع تعود للبنان إلى فلسطين خلافاً للخارطة المتفق عليها. 

يعني ويفهم منه أن من رسم تلك الحدود على الأرض إنما كان اليهود الصهاينة بما يلبي مستقبلاً مصالح عسكرية واقتصادية لدولة ستقوم لهم على حساب أراض ومياه تقع في فلسطين ولبنان وسوريا. بما يعني أن التقيد بهذه الحدود التي رسمتها تلك الاتفاقية يعني مراعاة الأهداف العسكرية والجيوسياسية لما ستسمى إسرائيل لاحقاً. وبأنها بالتالي ضد مصلحة جميع حكومات وشعوب المنطقة. وبما يعني أنه لا علاقة لشعبي البلدين أو من يمثلونهما أو يتحدثون باسمهما في أية مفاوضات بتلك الاتفاقية ولا بتلك الحدود ولا يجوز اعتبارها حدوداً نهائية أو منزلة من السماء لا يجوز اللعب بها أو تغييرها ولا يجوز الاستناد عليها مطلقاً في ترسيم الحدود بين البلدان الثلاثة (فلسطين ولبنان وسوريا) كون من قام برسمها طرفان غريبان لا يمتان بصلة لشعوب هذه البلدان. 

ج- من يعود لخارطة الدولة العربية (الفلسطينية) المحددة بالقرار 181 يجد أن 80%من حدود لبنان الجنوبية لها حدود مع الدولة العربية التي ستقام في فلسطين وليست مع هذا الكيان الغاصب المسمى “إسرائيل”. لذلك لا يجوز اعتبار هذه الأراضي في أي وقت من الأوقات ولا في أي مفاوضات أو اتفاقيات جزءاً من الكيان الصهيوني لمجرد أن العصابات الصهيونية قامت باحتلالها وطرد شعبها اللبناني والفلسطيني منها عام 1948. ولا يجوز التباحث مع من يمثلون هذا الكيان حولها بل يفترض أن يصروا على أن أي تباحث حولها يجب أن يكون مع من يمثلون الفلسطينيين المتمسكين بحقوقهم في تلك المناطق وسواها. 

وكما بينا سابقاً (وهذا ما يعرفه القانونيين والسياسيين اللبنانيين الوطنيين والشرفاء) فإن على كل من يتحدث أو يفاوض باسم للبنان حالياً أن يطالب أيضاً (استناداً للقرارات الدولية والقرارين 181 و194 وقرار الاعتراف بإسرائيل 273) أن تنسحب القوات العسكرية الإسرائيلية عن كل المنطقة الشمالية من فلسطين والتي تضم إضافة لمنطقة الجليل وعاصمته مدينة الناصرة صفد وعكا وحيفا باعتبارها حدوداً بين لبنان والدولة العربية الفلسطينية (حسب القرارات الدولية) وليست حدوداً بين لبنان وما تسمى إسرائيل. 

د- لهذا نلفت النظر إلى أن مجرد قبول المفاوض اللبناني الجلوس على طاولة واحدة مع المفاوض الصهيوني وسواء أكان عسكرياً فقط أو عسكرياً ومدنياً وسواء أكان برعاية أمريكا وحدها أو الأمم المتحدة لترسيم الحدود الدولية الرسمية بين ما تسمى إسرائيل ولبنان يعني اعتراف الوفد اللبناني بإسرائيل باعتبارها وريثة لفلسطين وشعبها موافقة غير مباشرة على وإعتبار ممثلي العصابات الصهيونية يشكلون بديلا عمن يمثلون الشعب الفلسطيني الذي لم يقل كلمته النهائية بعد. 

ونلفت نظر الشرفاء في لبنان وفي جميع البلدان العربية الملاصقة لفلسطين إلى أنه عندما يتم جلوس أي منهم مع إسرائيليين للتباحث في مسألة ترسيم الحدود فهذا بحد ذاته يعتبر تعدياً على حقوق الفلسطينيين في وطنهم التاريخي وبخاصة في المناطق المخصصة لهم في الأراضي الملاصقة والمتداخلة مع جنوب لبنان أو الجولان أو سيناء أو البحر الميت وجنوبه وخليج العقبة. 

كما نلفت نظر أخوتنا اللبنانيين إلى أن خط الهدنة الذي رسم في 23 آذار عام 1949 بين لبنان وما تسمى اليوم إسرائيل لم يكن يومها ولا حتى ليوم واحد خطاً لحدود دولية ولا رسمية. بل خطاً لإعادة انتشار القوات العسكرية بين الطرفين المتحاربين (لذلك كان التفاوض يجري بين عسكريين فقط) لوقف إطلاق النار. وحيث تم التأكيد على أن خط الهدنة هو خط مؤقت لا يلغي حقوق الطرفين في إعادة ترسيم الحدود بينهما أو في مطالب أخرى إلا بعد التوصل إلى تسوية نهائية للقضية الفلسطينية. 

ونذكر من نسي أن الخط الأزرق الذي رسمه الصهيوني “تيري رود لارسن” والذي ضم خلفه مناطق تعود لثلاثة عشر قرية لبنانية احتلت بعد عام 1978 مع ذلك لم يعتبر حداً نهائياً أو رسمياً للحدود بل كان تثبيتا لزعم حكومة “إسرائيل” أن ما قامت به عام الفين هو تطبيق للقرارين 425 و426 بما يفهم منه أن لا خط الهدنة ولا الخط الأزرق يعتبر خطاً للحدود الدولية، وبما يستدعي بالتالي التأكيد على أن أي بحث أو أي ترسيم للحدود الدولية الآن وقبل التوصل لحل نهائي للصراع الدائر في الشرق الأوسط يشكل مصادرة مسبقة للتسوية النهائية ولحقوق العرب، سيتم من خلاله فرض تسوية غير عادلة سيتم فيها سرقة أراضي وانتزاع حقوق العرب. 

لذلك وكيلا يقال إننا سنحرم اللبنانيين من حقهم في استثمار الغاز في البلوكين رقم ثمان وتسع، أن المطلوب من المفاوضين اليوم الإشارة في أي اتفاق على الحدود ما يتضمن اعتبار هذه الحدود حدوداً مؤقتة تمليها اعتبارات اقتصادية لا تلغي الحقوق الجغرافية أو الإنسانية أو السياسية في فلسطين المحتلة. 

واستناداً لميثاق الأمم المتحدة وجميع المواثيق الإنسانية والقرارات الدولية وبخاصة القرارين 242 و338 والقرارين 425 و426. نجد أنه لا يجوز مطلقاً الاحتفاظ بالأراضي التي تم احتلالها بالقوة نتيجة حربي عام 1948 وعام 1967 أو العدوان الذي تم على لبنان عام 1978 بمعنى أنه يجب على أي مفاوض لبناني أن يطالب الأمم المتحدة كراعي لهذه المفاوضات أن تطالب ما تسمى إسرائيل بالانسحاب عن كل المناطق التي احتلها والتي تقع خلف الخط الأزرق الذي رسمه الصهيوني “تيري رود لارسن” عام 2000 (اسماء القرى والمناطق العائدة للبنان والتي ضمها لارسن لما تسمى إسرائيل خلف الخط الأزرق: جزء من الناقورة وأجزاء من علما الشعب، مروحين، الرميش، يارون، مارون اراس، يارين، بليدة، ميس الجبل، العديسة، كفر كلا، الوزانة). 

أما إذا بحثنا في مسألة ترسيم الحدود بين لبنان مع سوريا وفلسطين وبخاصة فيما يتعلق بمزارع شبعا (سبع مزارع مهجورة تمتد على السفح الغربي لجبل الشيخ من الطرف المقابل لعرنة في سوريا بعمق 14 كم على طول 24كم). فنجد أنه لابد من لفت النظر لما تنص عليه القوانين الدولية بما يتعلق بترسيم الحدود في المناطق الجبلية الفاصلة بين أي بلدين (حسب ما ذكر الدكتور ياسين زكريا، بما يعني أن كل المناطق الواقعة غرب جبال حرمون وبخاصة جبل الشيخ يفترض أن تعتبر تابعة للبنان بما يعني أن الأراضي التي احتلتها “إسرائيل “في مزارع شبعا وكفر شوبا هي اراض لبنانية وليست سورية. فطالما أن تلك المزارع التي احتلتها إسرائيل بعد عام 1967 ماتزال تعتبرها أراضي سورية فلن تنسحب عنها إلا في إطار تسوية مع سوريا يبدو أنها ستطول. 

وبما أن القوات الصهيونية استخدمت أراضي تلك المزارع للسيطرة الاستراتيجية والعسكرية والأمنية على مساحة واسعة من جنوب لبنان وقد كان عدم تنازل الحكومة السورية عنها يصب في مصلحة “إسرائيل” وتفوقها العسكري. لذلك كان يفترض بالحكومة السورية، أن تعلن رسمياً أنها أراض لبنانية بما يسهل على الطرف اللبناني المطالبة باسترجاعها. بل ويفترض المنطق الوطني أن تتنازل عنها طالما أن ذلك سيكون لمصلحة لبنان. وهنا أذكر بما قاله وزير خارجية سوريا “خليل مردم بيك” عام 1942 أثناء ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا “إننا مستعدين للتنازل عن أي أراضي من سوريا للبنان إذا كان ذلك يصب في مصلحة الشعب اللبناني”. 

لذلك كان لابد من البحث مجدداً وفوراً في مسألة ترسيم الحدود بين البلدين طالما أنهما باتا بلدين متجاورين. استناداً لمبادئ القانون الدولي. ومع أن هذه الحدود لم ترسم في أي يوم من الأيام بين البلدين (مع أن ملحقاً خاصاً اضيف لاحقاً. لكنه لم ينفذ). كيلا تثار خلافات بين البلدين الجارين. أما اليوم ولكي يتثبت الاعتراف بلبنان كدولة مستقلة بحدود واضحة لالبس فيها. فلابد من أن يتم ترسيمها حسب المبادئ المعمول بها في القانون الدولي. واستناداً لذلك أذكر بما قاله وأكد عليه الدكتور ياسين عن مزارع شبعا. من أنها حسب تلك المبادئ ترسم استناداً لخط أفقي يمر من فوق أعالي قمم الجبال وأعمق نقطة في الوديان فهذا معناه أن كل ما يقع خلف القمم من ناحية الغرب يجب أن تكون تابعة للبنان. بمعنى أنه إذا أراد لبنان أن يبحث مسألة ترسيم الحدود مع إسرائيل عليه ربط تلك المحادثات بالمطالبة باستعادة أراضيه المحتلة واستعادة مزارع شبعا وكفر شوبا (طبعاً وغيرها) من “إسرائيل” كونها تحتلها منذ عام 1967 (حسب ما تقتضيه مبادئ القانون الدولي المعمول بها والقرار 242) وليس استناداً لموافقة الحكومة السورية أو استناداً لمحادثات قد تجري وقد لا تجري بينهما. وهذا ما يستدعي أيضاً أن تطالب الحكومة اللبنانية باستعادة آلاف الدونمات التابعة لأراضي لبنانية ضمها حسني الزعيم بالقوة والواقعة خلف عشرات النقاط الفاصلة بينهما كتلك التي تقع على الطريق الدولي بين بيروت ودمشق من الجديدة حتى المصنع. كذلك شمال غرب خط السير المار من تل كلخ ومن سفوح جبال الزبداني المطلة على لبنان ومناطق كثيرة تقع بالقرب من عين الفيجة وسرغايا ووادي خالد والقصير والقاع وجرود عرسال. ولابد من أن نقر ونعترف بأن الحدود التي رسمت بين الدول العربية قاطبة وخاصة بين كلاً من فلسطين وسوريا ولبنان ومصر كانت تراعي منذ البداية مطالب الحركة الصهيونية غير المشروعة. 

 


القسم الثاني

صــيــرورة لــبــنــــان

 

 

 

الفصل الحادي عشر:
الأخطار والتحديات التي تحيط بلبنان والمنطقة

 

بما أن الوطن العربي منذ بداية ظهوره بين القارات الثلاث، كان وما زال سبباً لأطماع القوى الخارجية في السيطرة عليه كونه ممرا لها وللسيطرة على موقعه الاستراتيجي. بدءاً بالفرس مروراً بالمقدونيين والرومان والمغول والتتار والروس والصليبيين والأتراك وانتهاء بدول أوروبا الغربية والحركة الصهيونية والروس والصينيين. ومن ثم الأمريكان. 

وبما أن قوى عربية مختلفة كانت ولا تزال تتعاون مع تلك القوى العابرة أو الغازية المتباينة. إما لمصالح مشتركة أو لتجنب أخطارها، وإما للمشاركة في حكم واستعباد ونهب خيرات بلادها وشعوبها. وبما أن بعضا من تلك القوى المحلية كما كانت في السابق لا تزال – تلعب دوراً وسيطا بين الداخل والخارج، باتت بمثابة حصان طروادة للقوى الغازية. 

وبما أنه بات من الصعب جداً (بعد عولمة ولبرلة العالم وإزالة الحدود الفكرية والاقتصادية والمالية والإعلامية بين الدول، والتماهي معها) التمييز بدقة أو التفريق بين نقاط التلاقي الطبيعية بين القوى الداخلية والخارجية وبين المعادية للشعوب والساعية السيطرة عليها ونهب خيراتها والاستفادة من موقعها. كان لابد أن تظهر تناقضات بينها. 

 ومع أن وقائع كثيرة تؤكد على أن تناقضات المصالح بين قوى الأكثرية المتمسكة بالحكم، والأقليات الساعية له من امتلاك الحق ذاته في الحكم وفي الاستفادة من تلك الخيرات ما يجعلها قابلة لأن تصبح أو تصير متعاونة مع الخارج وبالتالي متآمرة على شعوبها ومن أن تمارس عليها عمليات تضليل واستبداد. لهذا يكون من الضروري جداً إعادة التدقيق في كثير من الوقائع التاريخية للكشف عن تلك القوى التي باتت تعمل لمصلحة وتخدم الخارج وتنفذ مطالبه لفضحها ومنعها من تحقيق تلك الغايات القذرة. وان نتعامل معها ونعاملها معاملة القوى الخارجية والعدوة باعتبارها فعلاً باتت جزءاً من أو البديل الداخلي المسبب للنهب والفقر والتخلف والتبعية. حيث تبين للقوى الخارجية أن استخدام القوى المحلية أنسب وأفضل وأجدى لها من التدخل المباشر. 

وبما أن هذا الموضوع (العلاقة بين الداخل والخارج) كان وما زال موضوعاً إشكالياً وخلافياً. (مع أنه عولج في كتب كثيرة). لذلك سأكتفي في هذا الفصل بتذكير القراء بما جرى قبل مئة عام في هذا المجال في الوطن العربي وكان سبباً في جر الكوارث التي عانينا وما نزال منها حتى اليوم. 

حيث تمكن زعماء العرب الطامعين للحكم (الشريف حسين ومن يحيطون والداعين للتحرر من العثمانيين) إلى التحالف مع الإنكليز والصهاينة، بزعم نيتهم التحرر من حكم العثمانيين. لذلك راحوا يقدمون للإنجليز ومن تلاهم – دون دراية أو بعلم – الدعم اللازم لاحتلال الوطن العربي، وإقامة دولة لليهود في فلسطين وعلى الرغم من معرفتهم ب1ذلك بعد أن فضحهم الروس. 

 لهذا نقول أنه لولا تعاون من هم في الداخل العربي،مع أعداء الخارج ما كان من الممكن للإنجليز أو الفرنسيين والصهاينة احتلال الوطن العربي عام 1918. حيث تبين الوقائع أن لولا التعاون والتنسيق الذي قام به الحسين وأبناؤه وتوابعهم مع الجاسوس البريطاني اليهودي الصهيوني المعروف بـ “لورنس العرب”، خاصة في الهجوم الذي شنته القبائل العربية بزعامة لورنس، من الخلف في العقبة على القوات التركية بما عُرفت بالثورة العربية الكبرى. لما كان من الممكن للصهاينة والإنكليز احتلال أي جزء من بلادنا، وللأسف ما نزال نجد بيننا أناس في الداخل من يعتبر ما حدث ثورة. ولا تزال تستخدم شعارات التحرر البراقة للتغطية على تحالفها مع قوى غير عربية معادية لنا تاريخيا متذرعة كما فعل الإنجليز بتحريرنا. لنكتشف أنهم يقولون ذلك ليحلوا محلهم. لذا يكون من المهم تحديد ومعرفة هذه القوى الخارجية.  

الخطر الإمبريالي الصهيوني: 

تبين كثير من الوقائع التاريخية المثبتة. أن الدول الاستعمارية كلها بلا استثناء كانت وما تزال لا تخطو خطوة واحدة في بلادنا إن لم توافق عليها الحركة الصهيونية أو دون استشارتها أو دون التنسيق معها، واضعة مصلحة الحركة قبل مصلحتها ا. 

والدليل نأخذه من بريطانيا الإمبراطورية التي لم تكن تغيب الشمس عن مستعمراتها. حيث قدمت كل ما يلزم للحركة الصهيونية من أجل إقامة دولة إسرائيل وحمايتها أكثر مما عملت لمصلحة بريطانيا العظمى وشعبها. فأوهمته أنها تقيمها وتدعمها كي تكون حامية لقناة السويس كطريق واصل بينها وبين مستعمراتها في الشرق. فبعدما -وعلى الرغم مما- قدمته بريطانيا للحركة الصهيونية من أجل ذلك وعلى الرغم من الخسائر الكثيرة التي لحقت بها، والتي ماتزال تخسرها بسبب ذلك الدعم، ما تزال تخسر الكثير مما كانت تجنيه من حلفائها العرب بسبب تلك السياسة المنحازة للصهيونية وإسرائيل. حيث خسرت صداقة وود وثقة الشعوب العربية والمسلمة، والكثير من المنافع الاقتصادية والسياسية وتسببت بإخراجها من المنطقة مذمومة مدحورة. في حين بقيت إسرائيل في المنطقة. 

الأمر ذاته حصل وما زال يحصل مع أمريكا التي لولا دعمها المطلق للحركة الصهيونية لما قامت وبقيت إسرائيل، ولما خسرت ود وصداقة الشعوب العربية والإسلامية إلى جانبها. مع أنها تعرف ذلك لكنها مع ذلك ماتزال هي وكثير من الدول الغربية والشرقية الخاضعة لهيمنتها، تدعم إسرائيل علناً وعلى المكشوف، وعلى الرغم من كل ما تقوم به من اعتداءات على البلدان والشعوب العربية وعلى الرغم من تهديدها للسلم العالمي، وعلى الرغم من مخالفتها لجميع المبادئ التي تقر بها هذه الدول. من حيث قيامها بعمليات اعتداء وتوسيع وإجلاء واستيطان وتهجير وتدمير وقتل، وعلى الرغم من عنصريتها الواضحة والعلنية التي تتنافى مع القيم التي قامت عليها الحضارة الغربية. 

المشروع الصهيوني: 

من الواضح لكل المتابعين لنشاط وأهداف الحركة الصهيونية أن إقامة دولة لليهود في فلسطين على أي جزء منها – (كما كان الأمر في البداية وهو ما جاء أيضاً في نص وعد بلفور) لم يكن في حقيقة الأمر إلا خطوة اولى من أجل اتخاذ هذه البقعة كمنطلق من أجل مزيد من التوسع ليطال المنطقة الممتدة من الفرات إلى النيل (الخطين الأزرقين المثبتين في علم إسرائيل وفي الشعار المرفوع في صدر الكنيست) كمقدمة للهيمنة على الشرق الأوسط كله وكي تتم من خلاله السيطرة على العالم كله. وهو ما اتضح بعد إقامة دولة إسرائيل وتوسعها من خلال دعم هذه الدول لكل ما قامت وتقوم به إسرائيل من توسع واعتداءات أو مع ما تنوي القيام به. 

وليس أدل على ذلك اليوم من أن الدول الإمبريالية وحلفائها – في الداخل ما تزال تساعد، أو تسكت على تنفيذ المخططات التي رسمها المفكر الصهيوني الاستراتيجي الكبير “برنارد لويس” لبناء شرق أوسط جديد منذ عام 1988 (). تسيطر عليه إسرائيل. ومن خلفها الحركة الصهيونية. 

ولشرح ذلك أقول باختصار شديد أن لويس هذا وجد. بعد توقفت الحرب العبثية بين العراق وإيران. والتي خطط لها ولاستمرارها (كما بينا سابقاً) أطول فترة ممكنة المفكر والسياسي الخطير “هنري كيسنجر” () من خلال (نظرية الاحتواء المزدوج) حيث عمل على دعم الدولتين المتحاربتين كي وحتى تُدمرا بعضهما البعض بما يبقي إسرائيل قوية في المنطقة. كما أتاح في الوقت ذاته – المجال للتروستات العسكرية تشغيل وبيع الأسلحة للدول العربية وفي ذات الوقت المجال لشركات النفط الكبرى لنهب نفط دول المنطقة بأرخص الأسعار وشفط الفائض النقدي الناتج عن بيع النفط والتي تقدر خلال فترة الحرب بين البلدين بترليون دولار سنويا. بما ساهم فعلاً في حل أزمات الإمبريالية الاقتصادية كلها (وهذه نقطة مهمة جداً لتفسير انتصار الإمبريالية وتمكن الولايات المتحدة من الهيمنة مالياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً على العالم وهي تتفرج وتدير الحروب من بعيد. 

وهكذا، بعد أن توقفت الحرب بين إيران والعراق طرح [برنارد لويس (عام 1988) مشروع تقسيم جديد للشرق الأوسط أكثر مما قسم سابقا في اتفاقية سايكس بيكو. وبأكثر مما هو مقسم من الداخل ا. كخطوة متقدمة ومكملة للمشروع الصهيوني، بما يتيح لإسرائيل الهيمنة المطلقة على الشرق الأوسط كله. وبصفته (أي برنار) خبيراً في المذاهب والملل والنحل الإسلامية وجد أنه من الواجب توسيع فكرة كيسنجر حول الاحتواء المزدوج، بالعمل على تغذية وتعميق الخلافات المذهبية بين الملل والنحل والإثنيات لتشمل كل دول وشعوب المنطقة مستندا على تاريخ طويل للصراع بينها، معتمدا على التباينات الجديدة في المصالح المدعومة بتنظيرات فكرية وعقائدية جديدة، من خلال دعم الفقهاء والملالي المتعصبين بما يجعل أتباعهم يتحاربون على الأقل مئة عام أخرى ويتمزقون. وبما يجعل الغرب يستفيد على جميع المستويات. وإسرائيل تسود. 

حيث لا يتطلب الأمر أكثر من استدعاء الأحقاد القديمة (باللطم والبكاء وإطلاق شعارات مثل هيهات منا الذلة، ويالثارات الحسين، ولبيك يا حسين ولبيك يا فاطمة) بما يدفعهم للتقاتل وشن الحروب على بعضهم البعض بما يؤدي إلى تدمير هذه البلدان ومن ثم إلى تقسيمها إلى دويلات طائفية وقبائلية، أصغر وبذلك تتمكن إسرائيل والدول الغربية وأمريكا من السيطرة عليها بصورة مطلقة ولمئات السنين. وهو ما نراه اليوم يكاد يتحقق في العراق وسوريا ولبنان والسودان حيث أقيمت دولة جنوب السودان. وحيث يتم العمل على إقامة دولة في دارفور. كذلك يكاد يتحقق في سوريا حيث تميل الأمور تجاه إقامة دويلة كردية في الحسكة وأخرى علوية ودولتان سنيّتان في حلب وإدلب والشام ودرعا ودويلة للدروز في الجنوب. وإن لم يتحقق ذلك علنا ستظل تعمل على تغذية الصراعات بين هذه الإثنيات حتى تدمر بعضها ويتم معها تدمير هذه البلدان. بما يجعل إسرائيل في النهاية تهيمن على دويلات الشرق الأوسط كله دون أن تشن عليها أي حرب أو تخسر أي مقاتل. 

وهذا ماتوافق مع ما طرحه أيضاً (بعد إنهاء ما كان يسمى المعسكر الاشتراكي) المفكر الصهيوني الاستراتيجي الكبير “صموئيل هنتنغتون” () بقوله: أنه لبقاء الصناعات العسكرية تعمل والآلة العدوانية التي قامت عليها الإمبريالية نشطة ومسيطرة لابد من اختراع عدو جديد فطرح فكرة صراع الأديان وهي الفكرة التي تلقفها بوش الأب – خلال فترة صعود اليمين المسيحي في أمريكا وبريطانيا. (ومن ثم بعد 11 أيلول برز شعار محاربة الإرهاب. ممثلا بالقاعدة والإسلام وابن لادن وطالبان) 

مفكر وسياسي صهيوني يهودي آخر وصل للحكم هو “بول ولفويتز” () عمل على تنفيذ تلك الفكرة على أرض الواقع كونه كان أو أصبح يومها، نائبا لوزير الدفاع الأمريكي ومستشاراً رئيسيا في مجلس الأمن القومي الأمريكي الذي كان يرسم السياسة الأمريكية كلها بما فيها للبنتاغون فوجد أن إسقاط نظام صدام حسين سيتيح المجال لإيران وللموالين لها من الشيعة في العراق وسوريا ولبنان من الهيمنة على المنطقة بما يستفز السنة في السعودية ودول الخليج ومصر. وهكذا كان تدمير العراق وتسليمه لإيران ركيزة أساسية في هذا المشروع. وهو ما حدث في العدوان على العراق عام 2003 بذريعة وجود أسلحة دمار شامل. ومن ثم دعم الشيعة في سوريا ولبنان بما يؤدي إلى تدمير هذه الدول وشعوبها المعاندة. وبما يجعل وجعل فعلاً – إيران الشيعية قوة إقليمية ودينية قوية قادرة على مواجهة الأكثرية السنية في المنطقة والعالم. 

التغير الاستراتيجي في المشروع الصهيوني:  

قبل هذا التوجه لابد من الإشارة إلى بداية تحول آخر حصل في الفكر الصهيوني قبل ذلك. وهو ما تمثل بما طرح في كتاب “إسرائيليون يتحدثون” () حيث كانت بداية التغير الاستراتيجية الإسرائيلية التي تلاقت مع الاستراتيجية الأمريكية التي ترمي إلى تدمير شعوب ونخب المنطقة المعاندة للصلح مع إسرائيل. يومها (1975) توصل هؤلاء المفكرين والساسة إلى حقيقة قدمها الواقع تمثلت بعجز إسرائيل عن السيطرة على المناطق التي احتلتها بعد أن استولى جيشهم عام 1967 على أربع أمثال ما استولى عليه عام 1948، فتوصلوا إلى قناعة مفادها “أن احتلال مزيد من الأراضي لم يعد ممكناً ولا وارداً. (ليس عن كرم أخلاق وطيبة وإنسانية) بل بسبب أن القوة العسكرية لإسرائيل مهما كبرت. حتى لو احتلت تلك المنطقة الشاسعة الواقعة بين الفرات والنيل، فهي لن تكون قادرة على السيطرة عليها عسكرياً وأمنياً وعلى الاحتفاظ بها. فالعالم الغربي والشرقي قد تغير، ولم تعد هناك إمكانية لطرد العرب من تلك المناطق، ولا لجلب مستوطنين يهود جدد يمكن أن تملأ هذه المناطق الشاسعة أو للدفاع عنها أو لإخضاع شعوبها. لذلك وجد مفكريهم الاستراتيجيين أنه لابد للقيادة الصهيونية (بما تمتلكه إسرائيل من قوة مالية واقتصادية وعلمية وقوة عسكرية ودعم أمريكي وغربي) لتحقيق السيطرة السياسية والاقتصادية من خلال استغلال التهديد بالقوة العسكرية، فتلجأ بالتالي إلى مبادلة الأراضي التي تم احتلالها عام 1967 بالسلام (الاستسلام) الذي سيمكن إسرائيل من الهيمنة الاقتصادية والسياسية على هذه المنطقة بما فيها الشرق الأوسط كله (الكبير) وهو ما تم البدء به باتفاقية كامب ديفيد مع مصر. وهوما تم طرحه رسمياً من قبل شمعون بيريز في كتابه الذي حمل عنوان نحو شرق أوسط جديد () وهو ما تم تبنيه عملياً وتم تنفيذه من قبل القيادات الصهيونية المتتابعة من خلال مؤتمري مدريد وأوسلو، وما تلاهما من اتفاقيات وبما زال مستمرا حتى اليوم. ما يفهم منه: 

أولاً: أن احتلال الأراضي العربية سواء في سوريا أو لبنان لم يعد – أو ليس غاية بذاته. بل وسيلة لفرض الاستسلام على العرب (باسم السلام) بما يمكن الصهاينة من السيطرة الاقتصادية والسياسية والمعنوية على المنطقة وتحويل شعوبها وحكامها إلى عبيد وخدم للصهاينة. 

ثانياً: إن تركيز حكومات الدول العربية على التسلح والتسليح خلال كل هذه السنوات دون أن تتمكن من تحرير شبر واحد مما احتلته إسرائيل عامي 1948 و1967. يشير أن التسلح بتلك الطريقة كان وسيلة لفرض حكومات عسكرية وأنظمة استبدادية ومخابراتية، تحول دون التطور العلمي والصناعي والاقتصادي والاجتماعي للدول والشعوب العربية بما يجعلها قابلة للخضوع للهيمنة الصهيونية الاقتصادية والسياسية التي كان يخطط لها الصهاينة. 

ثالثاً: وهو ما يفسر لنا توجه حكومات الدول العربية استعادة أراضيها من خلال المفاوضات، وليس تحريرها بالقوة. لذلك رضخت للقوة العسكرية لإسرائيل وقايضت الأرض التي سلبها الصهاينة للحصول منها على السلام من خلال المفاوضات. (السلام الذي ستمنحه إسرائيل للحكام العرب والحقيقة “الاستسلام”) كي تبقي عليهم لتَحكُم من خلالهم بعد ذلك بلدانهم وشعوبهم اقتصادياً وسياسياً وتحويل الجميع لاحقاً. إلى عبيد لأبناء عمومتهم اليهود (حسب ما جاء في التوراة اليهودية وليس السامرية). 

رابعاً: أغلب قادة الصهيونية والإمبريالية العالمية، إما أنها حرضت أو سكتت أو دعمت، ما قامت به إيران وروسيا وميليشياتهما في تدمير أقصى ما يمكن أن تدمره من البنى التحتية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية للبلدان التي ترفض شعوبها الخضوع والذل والعبودية (حتى لحكامها المعادين للديمقراطية). وهكذا دمرت شعوبها وبلدانها وجعلها من يومها وحتى اليوم ولعشرات السنين عاجزة عن مواجهة إسرائيل. 

خامساً: أن ما قامت وتقوم به إيران وميليشياتها (خلال السنوات العشر الماضية) بالتعاون والتنسيق مع القوة العسكرية الطاغية لروسيا، وبصمت أمريكي وصهيوني وغربي – خاصة في سوريا، وسواء تم عن وعي أو دونه كان ومازال حجر الزاوية للمشروع الصهيوني آنف الذكر. والنقطة أو الخط الذي تتوافق فيه كلاً من إيران وإسرائيل على تدمير هذه الدول بحيث إذا ما طبقنا هذه الرؤية على لبنان منذ عام 1967 حتى اليوم فإننا سنكتشف عدد من الأمور المكملة لهذا التوجه ولسياقه العام. والتي تم تغييبها عن أنظارنا أبرزها: 

1- في فترة صعود حركات التحرر الوطني العالمية والعرب) في سبعينات القرن الماضي) هبت القوى الثورية في لبنان (عام 1974) لإقامة لبنان على أسس جديدة وطنية وقومية غير طائفية، كما هو الحال في سوريا والعراق. 

لكن بما أن القوى الداخلية المهيمنة في لبنان (والمرتبطة بالخارج) كانت وما تزال مرتهنة له ومرتبطة به (حكماً ولأسباب أخرى موضوعية) فلقد أدركت أن هذا التحول (من نظام طائفي إلى نظام مدني) سيكون مقدمة لإزاحتها عن الحكم. وبما أن مشروع التحرر يمهد الطريق لجعل لبنان جزءاً من نظام عربي وطني. سوف يشكل خطرا على إسرائيل والغرب. لذلك انحازت الطغمة الحاكمة والتابعة للغرب. للحفاظ على وجودها منع ذلك التحول الوطني والديمقراطي (لدولة المدنية غير الطائفية) من تحويل الصراع من صراع شعبي مطلبي طبقي إنساني وطني ديمقراطي تقدمي (تلقائياً هو ضد النظام الاستغلالي التابع للنظام الإمبريالي العالمي). إلى صراع داخلي ومذهبي وديني أي إلى حرب بين الطوائف حسب رؤية برنارد لويس (استمرت خمسة عشر عاماً جرى فيها قتل الناس على الهوية) مما استدعى لإيقافها تدخل قوى خارجية ممثلة بالجيش السوري نيابة عن حكام العرب وعن أمريكا. وهكذا لم تُغًيب بل ضُوٍعت الأهداف الفعلية والرئيسية للثورة وتم البطش بها (وهذا ما أكد عليه وبحثه بالتفصيل عدد من المفكرين اليساريين في مجلة الطريق ومن أبرزهم “مهدي عامل” (). 

2- بما أن الحرب الطائفية هي التي استدعت التدخلات الخارجية، وهي التي فرضت على اللبنانيين. القبول باتفاق الطائف عام 1989 (والذي ثبت كما بينا سابقاً الطائفية) قد تم في ذات الوقت الذي انتهى فيه ما كان يسمى المعسكر الاشتراكي، وفي ذات الوقت (تقريباً) الذي كان يحاصر فيه العراق ويجوع تمهيداً لتوجه ضربة قاسمة له عام 1991 وللجيش العراقي ومن ثم لحركة التحرر الوطني العربية بما أدي إلى جرها إلى مؤتمر مدريد للسلام (الاستسلام كما تريد إسرائيل). حيث شهد العالم يومها أعتى هجمة صهيونية إمبريالية يمينية حتى على الشعوب والأحزاب الثورية في أوروبا وأمريكا. لهذا جرى منذ ذلك اليوم تغييب الفكر الثوري التقدمي والتوجه الاشتراكي في العالم كله ومن ضمنه لبنان والوطن العربي (وهذه نقطة مهمة لا يجوز إغفالها) ليحل مكانه فكر ديني سني وشيعي ظلامي. 

3- بما أن الثورة الاسلامية في إيران كانت قد استقطبت قوى شعبية كثيرة (جاهلة وبسيطة وساذجة) في الوطن العربي بسبب رفعها شعار الموت لإسرائيل وأمريكا الشيطان الأكبر. ما أتاح المجال لزعماء الطائفة الشيعية في العراق ولبنان بالكلام والشعارات الجوفاء فقط. لأن يكسبوا كثير من الشيعة العرب البسطاء واليساريين والوطنيين والقوميين. وبالتالي لاستغلال ولائهم كي يصبح لها الصوت الراجح في السياسة الداخلية خاصة في لبنان (والذي كان يعاني من احتلال إسرائيل واعتدائها عليه). وهو ما عزز موقع الشيعة مما أبقى على الأساس الطبقي والطائفي القديم المولد للحرب على حاله لدى الطوائف الأخرى. وهو ما سهل إعادة هيمنة زعماء الطوائف واستعادة مكانتهم القديمة. 

مما أبقى الوضع قلقاً ومتفجراً كما كان. وهذا ما كان سبباً رئيسياً في توترات كثيرة بينها كان أبرزها تخلي رفيق الحريري عن الحريري ومن ثم اغتياله ومن ثم تفجر ثورة الأرز (عام 2005) والتي كان للقوى الخارجية (سوريا وإيران) دور حاسم في إفشالها كما حصل في ثورة عام 1974. ما يعني أن خطر التدخل الخارجي (عن طريق قوى داخلية مرتبطة بالخارج) عاد ليتفعل من جديد بتسميات ومبررات مختلفة. 

4- وهو ما يتطلب التذكير -أيضاً- بما أصاب حركات التحرر العالمي والقومي العربي والوطني اللبناني في مرحلة التحول من النظام الدولي (الإمبريالي القديم) إلى الجديد (فوق الإمبريالي). والتي ماتزال مستمرة حتى اليوم. والتركيز على حقيقة أن ذلك التحول بدأ مع الضرب العسكرية للعراق عام 1991 وظهور ما تسمى بالجمهورية الإسلامية في إيران كقوة رجعية عدوانية توسعية (بتسميات ووسائل مختلفة ووجوه جديدة). وبعد تسليم أمريكا العراق لمليشيات إيران عام 2003 تكون قد مكنت إيران وميليشياتها (كقوى عقائدية طائفية متزمتة مستعدة للقتال وقتل الآخر المختلف عنها عقائدياً) من أن تصبح عملياً وعلى أرض الواقع أخطر القوى الخارجية المؤثرة على الداخل العربي واللبناني بما يمكنها بالعمل مع القوى المحلية للقضاء على ثورات الشعوب العربية من الداخل – خاصة في سوريا والعراق (بدعم أو صمت أو سكوت أو عدم ممانعة الدول الغربية) بما صب ويصب حتى اليوم -بالمحصلة- في خانة المشروع الصهيوني. وهذا ما يتطلب من القوى الوطنية والثورية اللبنانية معرفته جيداً ورؤيته بوضوح كيلا تمنى بهزيمة جديدة. بناء على ما سبق نؤكد على أنه لا يمكن للثورة (سواء في لبنان أو سوريا والعراق) أن تنجح أو أن نحقق بعض أهدافها. إن لم تضع القوى الثورية حداً للقوى الداخلية المذهبية والطائفية المتحالفة والتابعة لكل من سوريا وإيران في هذه الدول الثلاث تحديدا كونها تتعاون وترتبط بإيران المرتبطة بمشروع أمريكا وإسرائيل لتدمير الشرق الأوسط. 

5- وبما أن قوى كثيرة في لبنان والوطن العربي لن تصدق وجود مثل هذا الخطر. لذلك نجد لزاما علينا تذكيرهم بمدى تأصل وتجذر العداء العميق لدى الفرس للعرب وكرههم لهم وتحقيرهم. فنشير فقط، إلى أن خطر الغزو الفارسي الحالي ليس جديداً وليس عابراً بل يكاد يكون الثابت الوحيد عبر التاريخ. فهو قديم وأقدم من ظهور اليهود الصهاينة والغرب الاستعماري وإسرائيل (لا يعني هذا تجاهل تلك الأخطار). حيث قضى الفرس على البابليين قبل 3650 عاماً (قبل أن يظهر المقدونيين والرومان) كما قضوا على أقدم مسعى عربي لإقامة إمبراطورية عربية في جنوب العراق فأقاموا دولة المناذرة الخاضعة لحكمهم كما يخضع العراق اليوم لحكمهم، وظلوا محتلين لجنوب العراق وشمال شبه جزيرة العرب حتى جاء الإسلام فأخرجهم منها عرب الجزيرة بالقوة عام 638م. 

ومع أنهم تظاهروا بالدخول في الإسلام إلا أنهم ظلوا يتآمرون على الأمويين والعباسيين ويحيكون لهم المؤامرات في الداخل،. ومن ثم تحالفوا مع المغول عام 1512 ودمروا الدولة العباسية وبغداد، ثم تحالفوا مع التتار والصليبيين ودمروا ومزقوا الوطن العربي واستمروا بالسياسة ذاتها من خلال تحالفهم مع الإنكليز وثم مع الأمريكان (عام 1953 ضد ثورة محمد مصدق) ومن ثم تحالفوا مع الصهاينة ومع إسرائيل حيث شكلوا معها ومعهم حلف بغداد وغيره لضرب وتدمير حركة التحرر العربية. الأمر ذاته يمارسونه اليوم باسم الإسلام والثورة الإسلامية. 

 

 

 

الفصل الثاني عشر:
الخطر الإيراني الفارسي المباشر على لبنان

 

قد تستفز كلمة الفارسي محبي إيران، لذلك نذكرهم من البداية،بأن حكام إيران الحاليين وبشكل خاص من يزعمون أنهم مسلمون وقادة ثورة إسلامية فيما تسمى الجمهورية الإسلامية الإيرانية (والذين يفترض بهم كمسلمين أن يكونوا قد تجاوزوا أو تخلوا عن النزعة القومية وعن التعصب للنزعة القومية لأجدادهم الفرس) هم من يستخدمون ويصرون في كل خِطاباتهم وكُتبهم وأحاديثهم على استخدام كلمة الفرس في خطاباتهم، وكتابة وقول وتكرار مصطلح “الخليج الفارسي” وجبال فارس والحضارة الفارسية واللغة والموسيقى الفارسية. وينفرون من كل ما يشير إلى ما هو مشترك بينهم وبين جيرانهم العرب المسلمين. فلو كان الإسلام هو دينهم فعلاً فيفترض أن يتخلوا عن التعصب لفارسيتهم ويتآخوا مع العرب لا أن يتعالوا عليهم. وبما أن ذلك لم يحصل وبما أنهم كما كانوا مازالوا يتمسكون ويتغنون بفارستيهم (مع احترامنا الشديد لتلك الحضارة وما قدمته في فترة حكم العرب لهم) ويتمسكون بكلمة بلاد فارس. فهذا وحده تأكيد على عنصريتهم وعلى تمسكهم بها رغم إسلامهم. واصرارهم على اعتبار الخليج المشترك بينهم وبين العرب – خاصاً بهم وحدهم، مع أن كثيراً من حكام العرب يستخدمون مصطلح الخليج العربي الفارسي. يشير ويؤكد على أن النزعة العنصرية الفارسية التوسعية والقديمة كما كانت منذ القدم، ما تزال تتجلى في نيتهم وعزمهم على اعتبار هذا الخليج خليجاً خاصاً بهم وحدهم وبكل ما فيه من جزر ويصرون على اعتبار إقليم عربستان والذي تزيد مساحته عن مساحة فلسطين ويتكلم سكانه اللغة العربية ولهم أصول مشتركة مع العشائر العراقية والعربية السعودية والكويتية. اقتطع من العراق وضم لإيران بقوة الاحتلال الإنكليزي عام 1925 حيث يحتوي على سبعين بالمئة من نفط إيران. فقط لكون سكانه يدينون بالمذهب الجعفري الإثنى عشري، كما على مناطق كثيرة مختلف عليها من شط العرب مع العراق والكويت. وهو ما يضمر مزاعم مبيته ونية للتوسع في الوطن المعرف بالعربي منذ فجر التاريخ وهو ما يشكل تهديدا وجوديا للعرب لا يقل عن خطر مزاعم اليهود الصهاينة بوجود حقوق تاريخية لهم تبرر لهم تملك أراضي في العراق وفلسطين والخليج. 

ولعل هذا العداء والنية في التوسع هي التي تفسر العلاقات الودية التي كانت قائمة ومثبتة طوال التاريخ بين الفرس واليهود و بين كل من إسرائيل (اليهود الصهاينة) في أيام الشاه وملالي قم الداعمين للشاه والمبررين لسياساته وهو أمر المثبت تاريخياً. ونحن هنا لن ننبش ذلك الماضي القديم المؤلم لهم. بل سنكتفي بذكر ما حصل بينهم وبين الصهاينة من تفاهمات عام 1981. أي بعد قيام ما عرفت بالثورة الإسلامية وقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل بسنتين. ما يعني أن التعاون بينهما مازال قائماً. وكيلا يقال إننا نخلط بين العنصرين الإيراني والفارسي. وما قبل وبعد الشاه نورد الوقائع التالية: 

أولاً: من يراجع الاتفاق الذي أبرمته “السي آي إيه” بين “ريغن” و”الخميني” عام 1981: 

 (أي بعد الثورة الإسلامية بسنتين) وما نشر من وثائق عن فضيحة “إيران غيت” عام 1988 ولما كتبه “أبو الحسن بني الصدر” أول رئيس للجمهورية الإسلامية الإيرانية وآية الله حسين الخروبي في مذكراته. يجد أن ذلك الاتفاق السري (كما قال بني الصدر) يقضي أن يفرج الخميني عن الرهائن الأمريكيين الذين اختطفهم الطلاب في السفارة الأمريكية بطهران مقابل أن تقدم أمريكا لإيران أسلحة وصواريخ متطورة للرد على الهجوم العراقي الكاسح على إيران. وبما أن ارسال تلك الأسلحة كان يقتضي وقتاً طويلاً كونه يتطلب موافقة الكونغرس. التي قد تطول. لذلك كان لابد من الإسراع لإنقاذ النظام الإيراني من قبل الإدارة الأمريكية (مع أنها كانت تعرف أن إيران تعتبرها الشيطان الأكبر). وبناء على ذلك تم الاتفاق بين مخابرات البلدين على أن يتم إرسال أسلحة متطورة لمواجهة الدبابات العراقية فتم الاتفاق على إرسال صفقة اسلحة متطورة من إسرائيل. مكونة من مناظير ليلية تعمل بالأشعة تحت الحمراء وأجهزة تحديد مسافات و3000 صاروخ مضاد للدروع). وعلى وجه السرعة وعلى أن ترسل أرباح تلك الصفقة إلى عصابات الكونترا التي كانت تقاتل الثورة الساندانية في نيكاراغوا (وهي ما عرفت لاحقاً بفضيحة الكونترا) لكن التفاصيل السرية. ومع أن ذلك الاتفاق لم يتحدث أحد عنه، بل ظلت طي الكتمان. لكن الوقائع التي جرت على أرض الواقع لاحقاً أثناء نقل تلك المعدات من إسرائيل إلى البرتغال كشفت عنها فتحولت إلى فضيحة (نشرت عام 1988). 

طبعاً لا أحد يسأل، كيف ولماذا بعثت إسرائيل تلك الصواريخ المتطورة (حيث تم الكشف عن بعض تلك الصواريخ المرسلة من إسرائيل أثناء نقلها على طائرات العال الإسرائيلية في أحد مطارات البرتغال الصغيرة، كي تنقل بعدها بطائرات إيرانية إلى إيران. وهو ما تم الكشف عنه من قبل عملاء استخبارات غربية وأثار فضيحة كبيرة. عرفت بايران غيت) إلى بلد زعم زعيمه أنه سيدمر إسرائيل ويحرر القدس؟ أو كيف قبل على نفسه أو تقبل أسلحة من دولة يزعم أنها عدو أساسي له؟ هذا لا يمكن أن يمنعنا من التأكيد على أن هذا التحرك السريع من قبل إسرائيل هو الذي قلب موازين القوى بين العراق وإيران وأوقف الهجوم العراقي على إيران. وهو ما شجع الخميني على الاستمرار بالحرب على العراق ست سنوات إضافية دمرت البلدين. وهذا ما جعل الخميني يرفض مقترح تقدمت به دول عدم الانحياز له (عام 1982) يدعوه قبول طلب صدام حسين وقف الحرب المجنونة بين البلدين عام 1982. 

البنود السرية للاتفاق على الأرض، أي عاقل لابد أن يسأل: كيف يمكن لإسرائيل أن تنقذ بلدا يزعم قادته أنهم سيزيلونها من الوجود ويدمرونها؟ وفي أي إطار يمكن أن نضع هذا التحرك السريع من قبل إسرائيل لإنقاذ إيران، إن لم تكن العلاقة الباطنية والعضوية بين الطرفين وثيقة جداً. 

وهو العمل الذي أدى أولاً إلى استمرار إيران بالحرب على العراق وبالتالي ثانياً إلى انشغال العرب بالحرب بين البلدين بدلاً من انشغالهم بالتهديدات التي كان توجه الفلسطينيين واللبنانيين في لبنان، من قبل إسرائيل. وكما تم الكشف عن الصفقة السرية من الأسلحة تم على أرض الواقع في لبنان الكشف عن البنود السرية للاتفاق. 

حيث استفادت إسرائيل من انشغال العرب بالحرب العراقية مع إيران، وانقساماتهم حولها في البيانات والخطابات والمواقف. حيث سكتت كل من سوريا وليبيا على مطالب الخميني الفوقية من العراق. ومن ثم ترافق ذلك مع سكوت الإيرانيين وحلفائهم في سوريا وليبيا وبعض دول الخليج، على ما موافقتها على ما أقامت به إسرائيل من عدوان على لبنان (عام 1982) لإخراج المقاومة الفلسطينية. وتلجم داعميها الوطنيين في لبنان. وهكذا فقط بعد أن قدمت إسرائيل الأسلحة لإيران وأوقفت تقدم الجيش العراقي كسبت إيران مكسباً مهما بالتوازي وبالترافق مع مكسب حققته إسرائيل، حيث شنت هجومها الكاسح على لبنان ومحاصرة بيروت، وبعد ذلك بتسعين يوماً أجبرت المقاومة الفلسطينية على الخروج من لبنان. وكان ذلك خطوة لفرض اتفاق سلام. 

– انعكاسات الحرب الإيرانية على المنطقة والعالم: 

 لا أحد ينسى أن ذلك الغزو ترافق مع تواجد أساطيل كثيرة على سواحل المتوسط مما أدى فوراً إلى ارتفاع في أسعار النفط بما انعكس إيجابياً على شركات توزيع وبيع النفط العالمية،. حيث بدأنا بعدها نشهد هزائم متتالية لحركات التحرر الوطني العربية كلها، بدءاً بسقوط تحالف الكويت والسعودية مع صدام ثم بهجومه على الكويت عام 1990. وهو مابرر تواجد عشرات الأساطيل في الخليج وشرق المتوسط وتقبل وجودها. مع انخفاض كبير في أسعار النفط، توجت بالهجوم على العراق عام 1991 ثم بمؤتمر مدريد في ذات العام ثم اتفاق أوسلو عام 1994.. إلخ. حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من تردي وانحدار. 

وكنوع من رد الفعل على ما حصل أو كنوع من سياسة ملئ الفراغ الناجم عن انتهاء المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية عملت كلاً من سوريا إيران على إظهار ما عرفت بالمقاومة الإسلامية في لبنان بزعامة حركة أمل ثم بقيادة حزب الله. لذلك يكون من الحمق الفصل بين ظهور حركة أمل ثم حزب الله وبين انتصار إيران من خلال تدمير أمريكا للعراق. وبين التمدد الإيراني في العراق والمنطقة ومن ثم العمل على تدمير العراق وإحراج السوفييت وانهيار النظام الدولي القديم والمعسكر الاشتراكي عام 1989 وظهور الإسلام والإرهاب بعد 11 سبتمبر كعدو جديد بدلاً منها. وهكذا تكون خطة كيسنجر وبرنارد قد طبقت فعلاً على الأرض بخلق القاعدة والمجاهدين العرب السنة (العودة لما ذكر عن البديل الذي كان يسعى كل من هنري كيسنجر ولويس برنار وشمعون بيرس إلى طرحه لبناء شرق أوسطي جديد) ومن ثم تلتها فوراً ظاهرة اشتداد العصبيات الطائفية في البلاد العربية والإسلامية وتقوي أواصر العلاقات المذهبية والطائفية والعشائرية داخل وفيما بين والتي ماتزال سارية حتى اليوم بدلاً من الوطنية والقومية واليسارية التي سادت في مرحلة الحرب الباردة. 

ثانياً: العلاقة بين شيعة لبنان والحوزة العلمية في قم: 

لا يخفى على المتتبعين للمذاهب الشيعية الصلات الوثيقة التي كانت قائمة بين حكام كل من إيران والعراق وبين ملالي قم والنجف وسعي حكام البلدين تسخير تلك المرجعيات الدينية لخدمة مشاريعهم (أجنداتهم السياسية، الخاصة) لذلك كان الشاه ومن خلفه أمريكا يعمل على تسخير مرجعية قم لفرض الهيمنة الإيرانية الأمريكية على الدول التي يوجد فيها شيعة. وهو ماهو واضح ومستمر حتى اليوم دون الشاه. دون تجاهل وجود خلافات كثيرة بين الشاه والحوزة العلمية (الدينية لعلماء الدين الشيعة في قم) راح الشاه يعمل على استرضائها كي تقدم دعمها لنظامه في الداخل ولتطلعاته الخارجية وبالتالي لمواجهة القوى الوطنية واليسارية في إيران وغيرها من البلدان العربية والاسلامية. 

لذا نؤكد اليوم على أن العداء العام للحوزات العلمية خاصة في قم (وسواها من الحوزات الشيعية في مشهد، النجف وكربلاء) للقوى الوطنية والتقدمية واليسارية والعلمانية والديمقراطية كان ومازال وسيظل السمة العامة والمميزة والتي يجتمع عليها جميع علماء الدين المسلمين (الشيعة والسنة). 

بما يعني أننا لا يمكن أن ننظر لهذه الظاهرة بمعزل عن الهجمة اليمينية للإمبريالية التي بدأت بالعمل الجدي لإسقاط المعسكر الاشتراكي حيث تصاعدت حدتها مع وصول كل من تاتشر وريغان في عام 1982 والتي أدت إلى سقوط هذا المعسكر عام 1989 ومن ثم إسقاط حركات عدم الانحياز والحركات الوطنية والقومية والطبقية المعادية للرأسمالية والاستعمار في العالم. لذلك لا يمكن إلا أن نضع مواقف وتحركات الحوزات العلمية الشيعية وتحركات القاعدة وبن لادن إلا باعتبارها جزء رئيس يقع ضمن سياق الاستراتيجية القديمة والتحركات الإمبريالية العدوانية، ومن ضمنها تحركات حركات الإخوان المسلمين والجهاديين الإسلاميين، في مصر وسوريا وفلسطين ضد الأنظمة الوطنية في الوطن العربي. وإلا أن نضع أغلب (وليس جميع) الحركات الدينية في سياق الحرب الكونية التي كانت تقودها القوى اليمينية في أمريكا وبريطانيا على القوى الديمقراطية والثورية في العالم. وبالتالي لا يمكن أن نضع هذه الحوزة اليوم هي وتحركاتها ومواقفها إلا في هذا إطار التحركات الإمبريالية المعادي للشعوب. مع الإشارة هنا إلى أن هذا التقييم لا ينطبق على جميع التيارات الإسلامية والحوزات العلمية ولا على جميع روادها. حيث خَرًجت حوزة النجف وقم كثيراً من المفكرين الوسطيين والمتنورين واليساريين والوطنيين مثل محمد حسن فضل الله وموسى الصدر. ومنهم من تحول إلى الشيوعية مثل المفكر الكبير حسين مروة. 

– مخاض الثورة الإسلامية في إيران: 

 تتميز مرحلة السبعينات في إيران بتحول أغلب رجال الحوزة العلمية في قم إلى أدوات لحماية نظام الشاه. وهنا ظهرولمع نجم الخميني ذو الأصول الهندية (أو أُظهر وأُبرز وضُخم ) لأنه فقط عارض عام 1964 توجهات الشاه الإصلاحية (الإصلاح الزراعي كما حصل في مصر أو تعميم العلمانية أسوة بتركيا وليس لأن الشاه عميل للاستعمار) مما اضطر الشاه إلى حبسه ومن ثم فر إلى العراق ومنها إلى فرنسا. والطريف أنه بعد أن عاش فيها سنوات غير من مواقفه وأراءه من العلمانية، حيث تبني مبادئ الثورة الفرنسية وفكرة تحويل إيران إلى دولة جمهورية بدلاً من ملكية (شاهنشاهية) وهذا استناداً لما قاله رفيق دربه أبو الحسن بني الصدر أول رئيس للجمهورية الإسلامية كما ذكر الأمر ذاته رفيق درب الخميني حسين خروبي في مذكراته. 

في هذه البيئة المتناقضة (بين الدين الشيعي والشيوعية والماركسية والعلمانية) ظهرت في إيران-أيضاً- أحزاب تجمع بين الماركسية والدين وتضع المصحف والمنجل شعارا لها. وفي هذه البيئة نشأ وتربى موسى الصدر ذو الأصول اللبنانية (حيث هاجر أجداده من جبل عامل إلى إيران) فعاد إلى لبنان (وربما أرسل إليه عام 1959 بشكل مدروس) حاملاً مشروعاً إصلاحياً للشيعة اللبنانيين لمواجهة المد الشيوعي الذي كان يكتسح أغلب أبناء الطائفة الشيعية، ضمن السياسة العامة للإمبريالية. 

ثالثاً: اختفاء موسى الصدر وظهور حزب الله كحركة معادية للتقدم: 

سيكون البحث في هذه القضية كاشفا لأعقد الأمور التي جرت في المنطقة والعالم على المستوى الفكري والسياسي والأمني وللأحداث التي جرت في تلك الفترة المعقدة والتي (بتقديري). وهو ما يؤكد على أن التدخل الفارسي كان قديماً ولم يتوقف ولن يتوقف مطلقاً ما لم تكن للعرب منعة وصرعة. 

الكل يعرف أن إيران كانت أداة لبريطانيا منذ عام 1947 ومن ثم للإمبريالية الأمريكية (منذ عام 1953) وكانت تتآمر على العرب واللبنانيين وهو ما تجلى عام 1974 بإرسال مرجعية قم لموسى الصدر إلى لبنان لتخريب التوجه اليساري لشيعة وثوريي لبنان. وهو ما لا يمكن فهمه إلا من خلال عملية ربط بين ما كان يجري في إيران (داخلياً) قبل الثورة من صراعات فكرية وسياسية. وبين ما كان يجري في لبنان من صراعات بين التيارات الشيعية واليسارية. حول الموقف من الشاه والعراق وصدام حسين والقذافي والأسد. وبين كثير مما جرى وما كان يجري في إيران من صراعات مذهبية وسياسية بالتوازي بين ما كان يجري في العراق ولبنان. 

حيث تؤكد وثائق وتواريخ موثقة كثيرة ()، على أن موسى الصدر بعد أن عاد من إيران إلى لبنان شكل ما عرف بالمجلس الشيعي الإسلامي الأعلى (للملمة الشيعة في لبنان وليكن لهم مرجعية واحدة) ويومها ظهرت خلافات قوية داخل المجلس ثم داخل حركة أمل عام 1978 كانعكاس لما كان يجري في إيران ولما كان يتم التحضير له من صراعات بين تيارات فكرية وسياسية في الحوزات العلمية في كل من قم والنجف،خاصة حول الموقف من الثورة الوطنية الديمقراطية المشتعلة في إيران التي كانت تقودها القوى والأحزاب اليسارية الوطنية والديمقراطية. حيث بينت الوثائق أن السيد موسى الصدر كان يشكل مع المرجع الشيعي الإيراني الكبير “علي شريعتي” (الذي اغتيل في لندن بعد أن سحب سفير إيران في بيروت الجنسية الإيرانية منه). مرجعاً رئيساً للشيعة في لبنان وبأنه لذلك شكل تيارا يجمع ما بين الدين والعلمانية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية لسحب البساط من تحت القوى الاشتراكية لذلك شكل ما سميت حركة المحرومين لا ليضم الشيعة المحرومين فقط بل كي يستوعب معهم كل المحرومين والفقراء في الطوائف الأخرى في لبنان (أي جماهير الأحزاب اليسارية). ما يشير أيضاً إلى أن السيد الصدر كان يجب أن يكون منفتحاً فكرياً وسياسياً على اليسار اللبناني لذلك أيضاً. 

كان يعارض توجه تسلم رجال الدين للسلطة في أي بلد في العالم وبخاصة في لبنان وإيران. لذلك كان يقف ضد فكرة ولاية الفقيه بما فيهم الخميني ذاته كما ضد جميع من يدعون تسلم رجال الدين للسلطة التي كان يعتبرها هو وشريعتي بدعة وخروجا عن الإسلام والمذهب الجعفري ومدخلا لفتنة بين الشيعة. أكثر مما ستكون مع السنة. وثمة من أشار (كي بيرد) إلى أنه كان يعرف أن كان للسافاك دور حاسم في دفع رجال الدين الشيعة لتسلم حكم إيران بدلاً من جماعة الشاه مستخدمين ولاية الفقيه حجة دينية تتيح لهم الحكم. وكونه كان من المنتسبين لحزب النهضة الإيراني الشيعي العلماني المنفتح على الحضارة العالمية والداعي لإقامة دولة إسلامية مدنية وليس دولة دينية أوتوقراطية (دولة يحكمها رجال الدين) كما هو اليوم. والذين كان حسب رأيه يجب أن يقتصر دورهم على النصح والتوجيه والإرشاد (كما شريعتمداري وأبو الحسن بني الصدر) وليس الحكم بصورة مباشرة. لذلك كان لابد من القيام بحركة استباقية تقضي عليه أو تتخلص منه. لما كان يمثله من تيار مستنير ومنفتح على جميع القوى والتيارات السياسية في كل من إيران ولبنان لذلك كان لابد من التخلص منه. ولهذا تم استدراجه من قبل القذافي لحضور مؤتمر في ليبيا يضم قوى متعددة يسارية ووطنية وقومية إضافة لفصائل يسارية من منظمة التحرير. بحجة إقامة حوار للمصالحة مع مبعوث الخميني الخاص (هو ورفيقه المفكر والسياسي الشيعي الكبير محمد يعقوب). وكذلك في مسعى القذافي الساعي لحل الخلاف الناشب بينهما وبين بهشتي حول الموقف من الثورة الجارية في طهران التي كان القذافي من أنصارها. حيث يؤكد عميل السي آي “روبرت إيمز “أن بهشتي طلب من القذافي أن يستدرج الصدر ويقوم بتصفيته مستخدما إما أبوحسن سلامة (أمن فتح عرفات) أو أبو نضال فتح الثورة) باعتبار أنه عميل للغرب ويقف ضد الثورة في إيران. وهو ما أشار إليه “جلال الدين الفارسي” أحد الشخصيات الإيرانية البارزة في لبنان حيث قال في مقابلة مع وكالة أنباء فارس في شباط 2018 “إن الصدر كان يجب أن يقتل لأنه (على حد زعمه) كان قريباً من الشاة وبعيداً عن نهج الثورة “ولأنه كان يدعو للتوحيد والتعايش بين الأديان. 

يتضح لنا مما سبق إلى أن ثمة صلة مباشرة بين اختفاء موسى الصدر وبين ما كان يرتب لكل من إيران ولبنان في ذات الوقت. وهو ما يؤكد على وجود ترابط وثيق وقديم بين البلدين والمحورين السني والشيعي وبين ما كان يجري في ذات الوقت ضد السوفييت في أفغانستان وبين صعود كلاً من “ريجن” في أمريكا و”تاتشر” في بريطانيا وبدء حرب النجوم وبين إسقاط المعسكر الاشتراكي في العالم. ومن ثم تدمير حركة التحرر القومي والوطني العربية. 

وحيث تصاعدت الحرب الجهادية الدينية المقدسة التي كانت تقودها السعودية على السوفييت في أفغانستان – في ذات الوقت عام 1979) الذي تم فيه تسليم السلطة في إيران لرجال الدين الموالين لولاية الفقيه، وفي ذات الوقت وقف رجال الدين الشيعة في أفغانستان (الهزارة) الموقف ذاته. لهذا كان لابد في ذات الوقت. من تصفية خصوم ولاية الفقيه في لبنان للإبقاء على مؤيدي وأنصار الخميني، وولاية الفقيه في كل من إيران والعراق ولبنان. وهو ما تمثل باغتيال كلاً من شريعتمداري وباذرجان. ومن ثم قص أجنحة أية الله حسين خروبي، في إيران ومن ثم اغتيال محمد الصدر في العراق وراغب حرب وحسين وحسن الموسوي في لبنان ومن ثم إبعاد لكل من أبو الحسن بني الصدر في طهران وصبحي الطفيلي في لبنان. كمقدمة لتسلم قيادة الشيعة في لبنان من قبل السيدين حسن نصر الله ونبيه بري. الأمر الذي ما كان ليحصل لو بقي موسى الصدر حيا. لذلك كان لابد من تغييب السيد موسى الصدر أولاً. وهو ما يفسر لماذا غيب بعده كل غالب حرب وحسن الموسوي وظهر حسن نصر الله كبديل عن جميع تلك الشخصيات المهمة التي ترفض فكرة الولي الفقيه وبقي وحده من يومها حتى اليوم. كونه كان يوافق على تسلم رجال الدين السلطة ومن الموالين لولاية الفقيه والتبعية لإيران. 

فكرة تصدير الثورة الإيرانية (قوات التدخل السريع). بما أن الحوزة العلمية في قم بعد تسلم السيد الخميني الحكم في إيران. كما ذكر محمد علي الشيرازي (الناطق باسم عبد الله الشيرازي أهم مرجع شيعي بعد الخميني في قم) فإن مدرسة “جعفر الصادق” ترى أن مسؤولية رجال الدين الشيعة (في قم ومشهد) ليست محددة بالحدود الفراغية (الجغرافية) للبلد الذي يوجد فيه مسلمين، بل تمتد لتطال كل بلد يوجد مسلمين. ولا تعترف بالحدود الدولية والوطنية التي صنعها الاستعمار بين الشعوب الإسلامية. وتعمل لإقامة نظام حكم إسلامي. واستناداً لهذه الرؤية كان لابد من تتشكل قوة إيرانية للتدخل في الخارج لمساعدة الشيعة أو لتحريكهم ضد حكامهم. 

لا يختلف هذا الموقف عن موقف حزب التحرير الإسلامي (السني) الذي انبثق عنه تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق والمعروف بداعش لاحقاً. لابل إن “إياد جمال الدين” المنظر الشيعي العراقي يرى أن هذا المبدأ والحق في التدخل لإقامة دولة إسلامية في جميع بلاد المسلمين ليس جديداً ولا غريباً كونه مأخوذ أساساً من حركة الإخوان المسلمين في مصر واستمرار لها. 

طبعاً لم يذكر السيد الشيرازي يومها حق هذه المرجعية التدخل في لبنان أو سوريا أو اليمن أو البحرين والسعودية (وحيث يوجد شيعة) ولم يذكرهما لأن الصراع كان يومها مقتصرا على العداء بين إيران والعراق. لكنه نظرياً إذ أعطى للحوزة العلمية في قم (المرجعية الخمينية المؤمنة بولاية الفقيه) حق التدخل في أي بلد يوجد فيه شيعة مؤمنين بالولي الفقيه، يكون أعطى لإيران حق التدخل في لبنان أيضاً. (كما في سوريا واليمن والبحرين). 

وبما أن مرجعية النجف (حسب رأي الشيرازي) باتت تتبع للمرجعية الشيعية في قم. لذلك كان من واجبها في فترة الحرب بين إيران والعراق أن تدعوا شيعة العراق للوقوف ضد حكومتهم ومساندة الحكومة الإيرانية وفي الدعوة لإقامة حكومة إسلامية في العراق. وهو المشروع الذي تبناه حزب الدعوة في العراق. 

وهذا كما نعلم كان عنوانا لما عرف يومها بمشروع “تصدير الثورة” الإيرانية إلى العراق وكل بلد يوجد فيه شيعة وهذا كان سبباً مباشراً في قيام أنصار حزب الدعوة بمظاهرات تطالب بدعم الثورة الإسلامية في إيران وهذا ما كان سبباً في نشوب تلك الحرب الغاشمة التي شنها صدام حسين على إيران (حيث تبين لاحقاً كما بين كثيرون أن تلك الحرب التي شنها صدام حسين كانت لمصلحة الخميني أكثر مما كانت ضد خصومه ولمصلحة أمريكا وإسرائيل أكثر كون الطرفين إستغلا تلك الحرب للقضاء على خصومهم الوطنيين في الداخل وبخاصة الشيوعيين) ولكونها طالت البلدين ودمرتهما. 

ومن المهم التذكير هنا بأن الخلافات الحامية بين كل من إيران وكل من السعودية والبحرين والكويت لم تظهر إلا بسبب تلك الحرب. حيث تحرك بعض الشيعة فيهما لمساندة إيران ولما تتعرض له على يد صدام الأمر ذاته انسحب على سوريا والأردن ومصر. وهكذا قسمت المنطقة إلى حلفين متصارعين واحد تقوده إيران والثاني تقوده السعودية. والمسألة لا تحتاج إلى كثير من الذكاء لاكتشاف أن المستفيد الرئيسي من كل ما جرى كانت إسرائيل. 

فيلق القدس، منذ بداية تشكيل ما يسمى الحرس الثوري في إيران (وهي ميليشيا شعبية مسلحة تابعة للمرجعية في قم وللخميني ولا تخضع لأوامر الجيش والحكومة) كونها مخصصة لحماية الثورة الإسلامية في داخل إيران. فلقد تم أيضاً تشكيل مليشيا أخرى من النخبة، مهمتها التدخل في الخارج أيضاً لحماية الثورة (خاصة) في البلدان المحيطة بإيران أو المحاذية لإسرائيل أو في البلدان التي يتعرض فيها الشيعة، أو التي يقومون فيها بهبات أو تحركات للشيعة ضد أنظمة الحكم الغاشمة الموالية للاستعمار والصهيونية (نفس شعارات الأحزاب الشيوعية). 

ولكي يعطي لهذا التشكيل صفة قدسية فوق قومية وإلاهية. بما يجعل الناس في كل بلد عربي ومسلم يطالب أو ينادي بتحرير القدس. تتقبل هذا النظام وتتقبل تدخلاته في بلدانها، بل وتؤازره ضد حكامها. وبعد أن أطلق الخميني عليها اسم “فيلق القدس” أصدر فرمانا على أن يجعل (في جميع البلدان الإسلامية) يوماً خاصاً للقدس (في آخر جمعة من كل شهر رمضان) وللقيام بمسيرات شعبية دعما لفلسطين والقدس. (شبيه بقوات الجهاد المقدس الذي تشكل في فلسطين عام 1947 لتحرير فلسطين). لذلك وضع هذا الفيلق تحت إمرة السيد الخميني مباشرة وعين فوراً نائباً له أصبح مشرفاً عاماً ومقرراً له. وبعد أن رقي العميد قاسم سليماني القادم من قيادة الحرس الثوري لرتبة لواء أصبح قائداً لهذا الفيلق منذ عام 1998. وبعد إسقاط نظام صدام حسين وسيطرة الجنود الأمريكان والمليشيات الشيعية على الحكم في العراق. بتنا نرى هذا الشخص يتنقل ويتحرك بكل حرية من بلد لآخر حتى داخل كل بلد بحرية وبأكثر مما يقويه في إيران. وبات يقوم بزيارة الجبهات وتقرير ما يراه مناسباً لدعم الثورة الإسلامية في جميع بلدان العالم (تحت نظر وسمع كل من أمريكا وإسرائيل). بما يفهم منه أن هذا الفيلق بات أقرب إلى قوات تحرك سريع للتدخل دون قيود في أي بلد توجد فيه اشتباك مع العدو الصهيوني أو أقلية شيعية مهما كانت صغيرة. وبما أن لبنان كان يجمع الاثنتين معا (فئة مؤمنة بالثورة الإسلامية وولاية الفقيه) ومقاومة الاحتلال الصهيوني لذلك فلقد وجدت قبولاً عاماً بين كثير من اللبنانيين والعرب والمسلمين. مع أن مثل هذه القوة للتدخل في الخارج لم تشكلها أي ثورة حصلت في تاريخ. لذلك تم اعتبارها ظاهرة خطيرة في العلاقات بين الدول. ومع ذلك للأسف تم السكوت عليها وعلى تدخلاتها. من قبل الغرب وأمريكا. ولهذا تم السكوت على تدخلاتها من قبل الأنظمة الموالية للغرب. ومن المؤسف أن نقول إن الولايات المتحدة كما ساعدت الخمينيين في تسلم حكم إيران لعبت دوراً حاسماً لإضعاف العراق ومواجهته ومن ثم في تدميره وفي تسليم العراق لهم ومن ثم سكتت على تدخلاتها في سوريا ولبنان واليمن ما يعني أن خطر تدخل الحرس الثوري وفيلق القدس في لبنان مازال قائماً وقد يستمر لفترة طويلة بعلم السي آي إيه. 

وكما كان ومازال هذا الفيلق وممثليه في كل بلدان العالم خطراً فإنه كان ومازال خطرا على لبنان كونه يشكل نقطة محورية لشرق أوسط إسرائيلي لا يمانع في تغيير موازين القوى لمصلحة فئة معينة أو طائفة معينة. 

والخطورة الأكبر تنشأ من أن حزب الله المسلح (بذريعة مقاتلة إسرائيل) بات الذراع الرئيسي المسلح لفيلق القدس، بات يضرب (بسبب (الناطق باسم عبد الله الشيرازي أهم مرجع شيعي بعد الخميني في قم) في كل مكان من العالم العربي بما اكتسبه من سمعة جيدة حصل عليها في فترة مقاومته للاحتلال الصهيوني للجنوب). فبات بدلاً من فيلق القدس قوة أساسية لإيران تعمل من خلاله في الداخل اللبناني وفي سوريا والعراق واليمن وكل بلد يوجد فيه شيعة موالين له في العالم بحرية تامة. 

والخطورة غير المرئية أن الحزب والفيلق والحرس الثوري وإيران وجميع توابعهم وملحقاتهم ومنظريهم باتوا دون أن يدروا قوة مضادة للحركات الوطنية والقومية والديمقراطية في الدول العربية والإسلامية وبالتالي معادية للشعوب. ومحتواة ضمن التحالف الأمريكي الصهيوني. على الرغم من أنها كانت ترفع شعار المقاومة والتحرير لكنهم على أرض الواقع والفعل كانوا يعيقون جميع الحركات الوطنية والقومية واليسارية والتقدمية في العالم. وبالتالي باتوا دون أن يدروا قوة رديفة للإمبريالية تعمل من الداخل لخنق وحرف وتدمير الثورات الوطنية والديمقراطية في الوطن العربي ولبنان. 

 

 

 

 

الفصل الثالث عشر:
انتصارات المهزومين

 

مراجعة نقدية: 

استندت أعظم الإنجازات التي قدمها العقل البشري عبر التاريخ – وبخاصة في ما قدمه في العصر الحديث. في أمور كثيرة – أهمها ما توصلت له مؤخرا مدرسة فيينا. بما أكد عليه الفيلسوف “كارل بوبر”: في 

“القدرة على نقد ذاته وإنجازاته وإعادة النظر فيما أنتجه بما جعله ويجعله دائماً، قادراً على أن يصحح ما سبق وتوصل إليه دون توقف. ليكشف عن الأصح وهكذا ظل ومازال يرتقي ويتقدم. ” 

استنادا لهذه الرؤية، تصبح عملية تحرير عقل المواطن العربي من الفهم القديم للأمور والذي تشكل وترسخ عبر عصور طويلة من الظلام والتخلف والاستعباد. هدفاً رئيسياً للنخب والمفكرين. ومن هذه المفاهيم ما يتعلق بمفهوم النصر الذي جعل ومازال يجعل الناس يركنون للواقع البائس، الواقع المهزوم. ويعيشون في الوهم ويتصورون أنهم منتصرون. 

من هنا ولهذا السبب يجب أن يعتبر” التحرر من المفاهيم السياسية الزائفة حول انتصارات مزعومة حققتها ما تسمى الثورة العربية الكبرى ومن ثم ما حققتها الأنظمة العربية التي أفرزتها تلك الثورة البائسة – بما في ذلك ما سميت وما تسمى “مقاومة ” من انتصارات على العدو خلال السنوات المئة الماضية من المهام الأساسية للمفكرين والكتاب. ونحن إذ نقول ونؤكد على أننا كأمة – من فوق لتحت، مهزومين ومأزومين، فليس لنتحرر من الأوهام والضلالات فحسب بل بما يضع الناس أمام الواقع الحقيقي، وبالتالي لنتعرف على الأسس الصحيحة للنهضة والتقدم. 

هزيمة العرب في فلسطين: 

من حسن حظنا أن أحداً لم يستطع أن يغير أو يزيف أو يتلاعب بما حصل عام 1948 من هزيمة منكرة على يد العصابات الصهيونية ولم يعتبره نصراً، بل أقر الجميع وما زالوا يقرون بأنه كان هزيمة فادحة للأمة العربية شعوبا وحكومات ونخب. بما يجعل الحديث عن أي انتصار إن لم يلغ ما أحدثته تلك الهزيمة المنكرة من وقائع لحقت بالعرب في ذلك العام. من حيث استرداد أو تحرير ما احتل من أراضيهم في ذلك العام من فلسطين وغيرها من الدول العربية عام 1948 أو 1967. مجرد هراء. لذا يفترض أن نعتبر استرداد الأراضي التي احتلها الصهاينة قاعدة نظرية رئيسية، ونقطة فاصلة ترسم الحد الفاصل بين النصر والهزيمة. 

هزيمة عام 1948: 

بما أن اللوثة العقلية (نشر وتعميم الوعي الزائف) الناتجة عن التسطيح الفكري والضخ الإعلامي الموجه، والابتعاد عن الواقع والعيش في الأوهام. لم تكن بعد قد أصابت نخب الشعوب العربية قبل تفشي الإعلام المزيف. لذلك لم يتمكن – يومها – أحداً في العالم العربي أن ينفي حقيقة ما حصل، وبأنه كان هزيمة منكرة وكبيرة بل كارثة على الأمة العربية كلها. لذلك أطلق عليها كثير من المفكرين العرب () في عدد كبير من الكتب التي أصدرها عدد من المفكرين العرب ومنها الكتاب الذي صدر عام 1948 بعنوان نكبة العرب في فلسطين. حيث لم يكن بمقدور أحد أن يزيف الحقيقة أو أن يعتبرها نصراً. وهو ما جعل غالبية الشعوب العربية تقف موقفاً مندداً بالحكومات والجيوش العربية المسؤولة عن الهزيمة. الأمر الذي أدى إلى حدوث تغييرات كثيرة في بنية الأنظمة أبرزها للأسف جائت على شكل انقلابات عسكرية أسقطت بعض الحكومات المسؤولة عن النكبة لكنها جاءت بأنظمة أسوأ خاصة في (مصر وسوريا). 

 

تزييف الواقع والوعي: 

وكان يفترض أن ينسحب التقييم ذاته على ما جرى في حزيران عام 1967 حيث احتلت إسرائيل ثلاثة أضعاف ما احتلته عام 1948. لكن بما أن تلك الأنظمة وبسبب فداحة الهزيمة المنكرة التي ألمت بها وجيوشها، وكيلا يكون مصيرها مثل مصير سابقتها (الزوال) أدركت أهمية الألفاظ المستخدمة في توصيف ما جرى، فعملت كل جهدها على نفي وشطب كلمة الهزيمة على ما حصل، فاستخدمت كلمة “نكسة”. 

مع التذكير بأن بعض صقور الأنظمة (مثل إبراهيم ماخوس وزير خارجية سوريا يومها () ذهب إلى أبعد من ذلك. حيث اعتبر ما جرى نصراً. حيث افترض وهو ما ابتدعه فيما بعد منظرو تلك الأنظمة أو افترضوه من مزاعم. خاصة – الزعم: بأن إسرائيل كانت ترمي من وراء عدوانها في الخامس من حزيران عام 1967 إسقاط الأنظمة الوطنية التقدمية في كل من مصر وسوريا. وبما أن تلك الأنظمة لم تسقط (استناداً لتلك الفرضية (المتخيلة والمزعومة) فهذا معناه أن تلك الأنظمة انتصرت. فأصبح تقديم الأرض للصهاينة مستسهلاً ومستساغاً كونه كان أسلوباً لحماية الأنظمة من السقوط). بما جعله يتوصل إلى أن إسرائيل قد هزمت، طالما أن الأنظمة التقدمية لم تسقط. وطالما أن إسرائيل لم تحقق ذلك الهدف فهذا معناه أنها هزمت (لعدم إسقاط الأنظمة، الهدف الوهمي المزعوم والمفترض والمتخيل). وهذا معناه أننا (حسب وجهة نظرهم) كعرب، أنظمة وشعوب انتصرنا عليها. وما علينا إلا أن نهلل ونرقص ونغني للانتصارات الحاصلة وننام مرتاحي البال. 

الخطورة غير المرئية، ليست في أن مثل هذا الطرح السياسي المغلوط والفهم النظري المزيف، كان عاملاً رئيسياً للإبقاء والحفاظ على تلك الأنظمة المهزومة في السلطة حتى اليوم فحسب. بل في أنه جعل الناس تتقبل الهزيمة وتكيف نفوسها وعقولها مع الهزيمة الواقعة، وجعلها تتكيف وتتقبل تسلط المستبدين وهو ما جعل الناس تعيش لاحقا في وهم نصر تحقق، فنسيت الهزيمة وتقبلتها. بما جعلها تتقبل لاحقاً أية هزيمة برضى وقناعة تامة وفي أن ترقص وتدبك على أغاني النصر وحتى لأن ترفع شارة النصر بعد كل هزيمة وقعت أو يمكن أن تقع. كما حصل مع المقاومة الفلسطينية وهي تخرج من بيروت عام 1982. 

الأمر ذاته -من الزاوية المعاكسة- يفترض أن ينسحب ويطبق على النصر الذي زعم الحكام وأبواقهم أنهم حققوه في حرب تشرين (على الرغم من أنني كنت المشاركين في تلك الحرب وحصلت فيها على وسام الشجاعة) ويفترض سحب ذلك على النصر المزعوم لعام 2000 ومن ثم على نصر عام 2006. 

وهنا نسأل منظري المقاومة: عن أي انتصارات تتحدثون طالما أنكم لم تحرروا شبراً واحداً مما احتلته العصابات الصهيونية من أراضي في أعوام 1948 و1967 و1978؟ 

فنحن إن لم تسترجع جميع ما احتل من أراضي وما سلب من حقوق منا، ولم ننسف كل الاتفاقات التي حصلت نتيجة لتلك الهزائم. نكون نمارس عملية تضليل وتزييف للواقع. وعندما ينساق منظري المقاومة مع هذا الفهم فهذا معناه بأنها مثل الأنظمة، تمارس عملية التضليل والتزييف ذاتها التي اتبعتها وانتهجتها الأنظمة. وهي إذ تتلطى خلف أسم أو روح المقاومة الكامنة في نفوس الشعوب فإنما تمارس عملية تضليل وتزييف للواقع لخنق تلك الروح. لذلك لابد من التصدي لعملية التزييف هذه بحزم وشدة. 

 

حتمية ظهور مقاومة شعبية: 

بما أن تلك الجيوش التي يفترض أنها تشكلت للدفاع عن الوطن والشعب. ولأسباب موضوعية وتاريخية قد قصرت في المهمة التي أنشئت من أجلها. فكان لابد من أن تظهر قوى شعبية، وبصورة عفوية، تتصدى لتلك المهمة التي عجزت عنها تلك الجيوش. وهو ما كان يحصل في كل مكان في العالم عندما يتعرض فيه لاعتداء خارجي، وهو ما كان يفترض أن يحصل عندنا. 

وهو ما حصل في مصر أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 لكن تلك المقاومة الشعبية لم تدم طويلاً لأن أفرادها عادوا لأعمالهم بعد زوال الخطر ومن أن يلتفتوا إلى أسرهم وأعمالهم. لذلك بقيت لفترة قصيرة ومحدودة جداً تلاشت بعد زوال العدوان. كما ظهرت كذلك في لبنان عام 1958 مقاومة شعبية (مع أنها محدودة جدا) خارج الجيش لمواجهة قوات الأسطول السادس الأمريكي الذي نزل على شاطئ الأوزاعي (قبل أن يظهر حزب الله بثلاثين سنة). ومع ذلك لم تستمر طويلاً حيث انحلت فور انسحاب الأسطول وتشكيل حكومة جديدة. كذلك حصل الأمر ذاته عام 1978 وعام 1985. بعد انسحاب إسرائيل إلى الجنوب. فتلطت خلف جيش لبنان الجنوبي. ومن ثم عام ألفين خلف الخط الأزرق. وهو ما يفترض أن يدفعنا إلى طرح أسئلة من نوع مختلف. منها.. 

أولاً: ما سبب ظهور مقاومة ذات طابع مذهبي؟ مقاومة أثبتت الوقائع اللاحقة، أنها أقرب إلى المليشيات منها إلى المقاومة التي يفترض أن تكون من كل الطوائف وليس كتلك التي ظهرت في إيران (قوات القدس والباسيج) أوفي العراق (مليشيات الحشد الشعبي الشيعي) او مثل القوات الخاصة و سرايا الدفاع وسرايا الصراع في سوريا أو قوات الحوثيين وحزب الله في اليمن ولبنان ذات الطابع المذهبي؟ ولماذا بقيت تعمل خارج إطار الدولة والجيش؟. 

ثانياً: لماذا تعاظم دور ما تسمى المقاومة الإسلامية الموالية لإيران بدلا من المقاومة الوطنية الشعبية الموالية لأوطانها؟ بعد إسقاط ما عرفت بالمقاومة الوطنية اللبنانية؟ ؟ 

 ولماذا تزايد دور المقاومة الشيعية فقط؟ ولماذا لم تظهر أثناء الاحتلال الصهيوني للبنان عام 1978 و1983. ولماذا لم تظهر مقاومة إسلامية علوية أو اسماعلية أو مرشدية في سوريا؟ هل لأن هؤلاء ليسوا وطنييين؟ 

ثالثاً: لماذا تركت سوريا المجال للمقاومة الشعبية، سواء الوطنية أو الفلسطينية أو اليسارية أو الإسلامية للظهور في لبنان لفترة محدودة قبل ظهور حزب الله؟ ثم لماذا منعت ظهور مقاومة إسلامية سنية في لبنان ودرزية في سوريا أيضاً، مع أن الوضع في سوريا يتطلب وجود مقاومة وطنية كون الجولان محتل وشعبه نازح ومشرد؟ ولماذا ترفض حكومة الأسد وجود أي مقاومة خارج إطار الجيش السوري وتمنع ظهورها بأي شكل من الأشكال في سوريا، بينما تصر على وجودها خارج الجيش، وخارج سيطرة الدولة اللبنانية وعلى بقائها رغما عنهما في لبنان؟ 

 

 ثقافة المقاومة المعلبة: 

مفهوم المقاومة: 

يورد “شفيق رشيد” () في كتابه “العدوان الصهيوني والقانون الدولي” في تعريف المقاومة الشعبية المسلحة المشروعة حسب اتفاقية “لاهاي” عام 1899 نص يعرفها بقوله إنها “عندما تقوم مجموعة من السكان المدنيين في الأراضي المحتلة بحمل السلاح لقتال العدو الخارجي بأوامر من حكومتهم أو بدافع واجبهم. سواء كان ذلك أثناء تغلب جيشهم النظامي على الغزو أو بسبب عجزه عن الوقوف في وجه العدو أو لتهديده بالغزو والاحتلال”. وهذا التعريف لا يحدد ماهية المقاومة بل طبيعتها وأهدافها والغاية منها ومبررات وجودها. 

إن الوقائع التي جرت على الأرض تشير إلى أن عملية تزييف الحقائق والوقائع ذاتها التي اتبعتها الجيوش والأنظمة العربية اتبعتها المقاومة الوطنية والإسلامية اللبنانية، بعد أن تعلمت منها فن تزييف الواقع والحقيقة. 

لا يمكن لوطني أو قومي شريف – اليوم – أن يصف ما قامت به قيادة المقاومة الفلسطينية في اوسلو بأنه كان نصراً حتى لو كان معنوياً. بل كان يصف ما جرى بالخيانة الأسوأ من خاينة عام 1948. حتى من قبل قادة المنظمة الذين وقعوا عليها خاصة الذين كانوا يتهمون كل من يوافق على القرار 242 بالخائن) حتى لو استرت كل ما احتل عام 1967 لأن المقاومة عندما أنشأت عام 1965 لم تكن تلك الأراضي محتلة، بل كان تشكيلها لتحرير ما احتل عام 1948 (حيث لم تكن الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وغزة محتلة عندما تشكلت منظمة التحرير) لذلك فهي عندما تتنازل عن أراضي عام 1948 لإسرائيل. تكون قد ارتكبت خيانة. 

السؤال الأهم هو: هل حقق أحدٌ منا في فلسطين أو في لبنان أو سوريا ومصر أو في غيرهما من البلدان العربية انتصارا حقيقيا على ما تسمى إسرائيل يجبرها على التنازل عما اغتصبته من أرض عام 1948 أو عام 1967؟ أو على إرغامها على إعادة الحقوق التي سلبتها من أصحابها؟ هل حقق أياً منا نصرا حقيقيا على الامبريالية أو على الصهيونية؟ 

الواقع المؤلم: (أيديولوجيا الهزيمة) : 

1- ما تزال إسرائيل تحتل الجولان وفلسطين وبعضاً من أراضي لبنان. وتتوسع وتقيم المستوطنات وتحتل الإرادة السياسية للحكام العرب وتنتهك السيادة على جميع الأراضي العربية؟ وها هي أنظمة عربية تطبع مع إسرائيل وتتحالف مع قوى دولية تقول صراحة أنها ملتزمة بالدفاع عن أمن إسرائيل. ومع ذلك هناك من يعتبر ما تم بأنه انتصار على إسرائيل. 

هذا ليس نصراً لا عسكرياً ولا سياسياً بل نصراً لأيديولوجيا الهزيمة. التي روج لها للتغطية على الهزيمة الحقيقية الحاصلة، وللإلتفاف على الهزيمة المعنوية المنكرة. بالعمل على تجنب مواجهة الواقع المر والعار القائم في أعماق النفوس والوعي المزيف. 

 وما استخدام مصطلح المقاومة (المقدسة) إلا استمرار لذلك التغطي على الهزيمة التي ماتزال قائمة في النفوس والعقول كانعكاس للهزيمة الحاصلة على أرض الواقع والمتجسدة عملياً باحتلال إسرائيل للأرض. 

أليست هذه الثقافة استمراراً لثقافة الهزيمة التي تم الترويج لها منذ هزيمة حزيران. 

2- لا نريد أن نساوي بين ما قامت به فصائل المقاومة الفلسطينية وبين فصائل المقاومة الشيعية سواء في سوريا ولبنان أو في اليمن. بالأموال التي كانت تقدم للمقاومة. كون تلك الأموال ذهب أغلبها لبطون وجيوب القيادات. 

مع أن فضائح مماثلة قد أصابت ما تسمى فصائل المقاومة العراقية حيث بات الجميع يعرفون أن قادتها سرقوا وهربوا مئات المليارات من الدولارات وضعوها في بنوك بريطانية أو سويسرية أو إلى لبنان واليمن وسوريا. لكنهم بذلك ارتكبوا موبقات أخطر. لأنهم قاموا بتحويل المساعدات والأموال المنهوبة من العراق لإيران عن طريق “قاسم سليماني” إلى أسلحة لقتل الشعوب العربية في سوريا واليمن، ولتحسين أوضاع اتباعهم وبخاصة مناصري حزب الله وأتباع الزعامات الملحقة به. 

وإذا كنا نؤكد على أن مثل هذا الفساد والخراب لم يطل عناصر المقاومة اللبنانية بذات الدرجة لكنه كان يتجلى بمن كانوا يقومون بعمليات تهريب وتلقي الأموال وتهريب المخدرات والبضائع بين دول ما تسمى محور المقاومة وهو ما لا يمكن أن يتفق أو أن ينسجم مع روح وفكر وقدسية المقاومة. 

هذا إن لم نقل أنهم إذ يقبلون العيش على حساب أموال مسروقة من أفواه أطفال العراق، وأنهم سكتوا على من سرقوا أموال الشعب اللبناني. 

ثالثا: الخطورة الأكبر والكبيرة تتعلق باستغلال اسم وسمعة المقاومة المقدسة لحماية أنظمة باتت معروفة استبدادية وفاسدة ومفسدة محمية من قبل أمريكا إن لم نقل تابعة وعميلة لها كما في العراق. 

وهنا نسأل هل تبرر مقاومة الاحتلال، التي ظهرت في لبنان عمليات القتل والحصار والتجويع التي قامت بها فصائل المقاومة العراقية واللبنانية للشعب السوري الفقير والمعدم لكونه ثار على نظام فاسد؟ 

 أسوق على سبيل المثال ما قام به حزب الله في القصير. 

في عام 2009 (عام القدس عاصمة الثقافة العربية) وبتكليف من اتحاد الكتاب العرب ألقيت محاضرة في المركز الثقافي في مدينة القصير. بعنوان البعد الديني والقومي والأممي للقدس. يومها فوجئت يومها بأعداد الحضور الذين كان كثير منهم يقفون في الممرات والقاعة الخارجية. حيث عرفت لاحقا أن الباعث على هذا الحضور الكبير هو عنوان المحاضرة المتعلق بالبعد الأممي للقدس. عدى عن الاهتمام بالقضية الفلسطينية. لذلك بعد المحاضرة وبعد الإجابة على أسئلة وسائل الإعلام (التي لم تنشر شيئاً عن المحاضرة والأجوبة) تجمع عدد كبير من مثقفي القصير اليساريين وأصروا على أن أرافقهم إلى منزل أحدهم للعشاء وتكملة الحوار والنقاش. حيث فوجئت بمدى حب واحترام وتعلق أهل القصير (هذه البلدة المهمشة والمهشمة) بفلسطين والقضية الفلسطينية ومدى متابعتهم لأدق تفاصيل القضايا العربية والعالمية. وحيث تبين لي على هامش الحوارات أن أغلب من استمعت لهم كانوا يساريين وأغلبهم مسيحيين. ومع أن قسما منهم كانوا من البعثيين إلا أنهم كانوا ناقمين على الحكومة وعلى سياسة الحزب مما كان يجري في بلدتهم. حيث بينوا لي صراحة. أن موقفهم المناهض للحكومة والحزب يعود لإهمال الحكومة لهم ولمطالبهم من ناحية، وبسبب القمع الذي كانت تمارسه قوى الأمن المتعاونة مع المهربين اللبنانيين (الذين كانوا تابعين أو متعاونين مع حزب الله)، ضد فلاحي القصير وريفها الزراعي الواسع. حيث أكد الحضور أن جميع المسؤولين الحزبيين والأمنيين السوريين تحولوا إلى شركاء لتجار ومهربي المخدرات والأجهزة الكهربائية إن لم نقل باتوا تحت سيطرة المهربين والشبيحة والمخابرات المتعاونين مع ممن يهيمنون على اقتصاد البلدة وضواحيها. 

وهكذا عرفت لماذا كانوا و باتوا معادين لحزب الله (بالرغم من أنهم وقفوا معه ودعموه عام الفين) وعرفت أن ذلك التحول نجم بسبب أن أنصار الحزب كانوا على علاقة جيدة مع مسؤولي المخابرات السورية والمهربين المحليين، والذين كانوا يلحقون أضرارا فادحة باقتصاد البلدة وبما تنتجه من خضار. حيث كان عملاء وأنصار الحزب في القصير يحملون الشاحنات القادمة من البقاع كي تباع في القصير ومن ثم لتنقل إلى حمص كونها قريبة من الحدود مع لبنان مما كان يسبب خسائر فادحة للمزارعين (خاصة من يزرعون البطاطا) وعموم الفلاحين في منطقة حمص. مقابل سكوتهم وتعاونهم معه لتمرير الأسلحة والبضائع المهربة والقادمة من طرطوس إلى جرود القلمون ومن ثم للبقاع والحزب أو لتهريب البضائع من لبنان إلى سوريا. وهذا ما جعلني بعد الثورة السورية أعرف لماذا كانت القصير من أول البلدات السورية التي ثارت على النظام. وبأن ذلك لم يكن بسبب تحريك التكفيريين لسكان القصير – كما زعم الحزب والنظام. حيث لم يكن أحداً في البلدة مؤيداً للإخوان المسلمين أو لفكرهم. وتأكدت من أنهم ثاروا ضد الظلم والفساد وليس لأنهم إسلاميين. وهو ما جعلني أعرف لاحقاً أكثر من غيري، السبب الحقيقي لتدخل حزب الله بتلك الشراسة في معركة القصير عام 2012 وحسمها في أيلول 2013 بمجزرة رهيبة راح ضحيتها أكثر من 400 شهيد من مدنيي البلدة الشرفاء. حيث كانت معركة القصير بداية وأول نقطة تحول لصالح بقاء النظام المجرم. 

أما عندما اعتبر الحزب ماجرى انتقاما لما حل بآل البيت والحسين وللشيعة (ورفع شعار لبيك ياحسين). فذلك أمر لا يمكن أن يقبله إي محايد أو أن أقبله أو أبرره، وهو ما جعلني أقف من الحزب نفس الموقف الذي اتخذته ضد تيار المستقبل عندما تأكد لي أن تيار المستقبل أرسل من خلال “عقاب صقر” عددا من المتطرفين الإسلاميين. إلى سوريا. وهذا ماقلته للحاج محمد مسؤول الأمن في بيروت (خاصة بعد أن رفع يومها رجال الحزب علناً. يافطة على جامع البلدة كتب عليها “يا حسين” ما يؤكد على سعي الحزب الخفي إلى تحويل الصراع في سوريا والمنطقة من صراع سياسي إلى صراع طائفي كما هو الأمر في لبنان). ما يدل على أن موقف الحزب هذا، هو موقف ذو منابع وجذور طائفية لا علاقة لها بالمقاومة. وكان هذا سبباً رئيسياً في تغيير موقفي جذرياً من الحزب ومن إيران ومن النظام ومن روسيا. وبصورة خاصة بعد سماعي واطلاعي على الكثير من الجرائم البشعة التي كنت شاهدا على بعضها، والتي كانت ترتكب بطريقة قذرة ضد المدنيين السوريين الذي كنت أعرف جيداً (من خلال تجوالي وعملي في زوايا سوريا الأربع وعلى كل مساحته ومعايشتي العميقة له ومعاناته) أنهم وأبنائهم هبوا مطالبين بالحرية والكرامة وضد الفساد أو الإهمال أو التهميش. وكنت أعرف جيدا أن تلك الهبة تأخرت كثيراً. وأعرف بأنه كما لم يكن لدى أغلب السوريين انتماءات للأخوان أو النصرة والقاعدة أو داعش. أو أية تطلعات دينية أو طائفية مازالوا كذلك. ما يشير إلى أنه كان يفترض بحزب الله أن يقف مع الشعب الثائر على الظلم والفساد لا أن يستغل سمعته كحزب مقاوم للاحتلال كي يدافع عن الفاسدين واللصوص والمجرمين في سوريا. وما زاد الطين بلة، أنه راح يساهم مع حلفائه اليساريين اللبنانيين في تشويه صورة الشعب السوري، ويتهمه بـ الدعشنة والارهاب أو التطرف أكثر مما فعله النظام السوري – الذي بات مرفوضاً لدى غالبية اللبنانيين. 

ومن المؤسف أن الحزب راح يروج لشعارات ملفقة لا أساس لها مثل الدفاع عن مرقد السيدة زينب، الذي لم يكن مهددا في أي لحظة من اللحظات أو من قبل التكفيريين والإرهابيين (حيث كنت كما كثيرين غيري على معرفة تامة بعدم وجود مهم لهم في سوريا الموصوف شعبها عامة بالاعتدال. ولأنني كنت أعرف جيداً أن كل أهالي السيدة زينب يدافعون عن المقام، إن لم يكن لحبهم واحترامهم وتقديسهم لآل البيت فلأنه كان مصدر رزق لهم لكثرة زواره من دول الخليج والسعودية. إن لم نقل إنهم لذلك كانوا عبر التاريخ في بلدة السيدة زينب مدافعين عن مراقد آل البيت أكثر من شيعة لبنان. وهو مايثبت أن تدخل حزب الله إلى جانب النظام السوري في السيدة زينب. لم يكن لدواعي وطنية بقدر ما كان لدواعي طائفية. وخاصة بعد أن أدخل مئات المقاتلين بألبسة مدنية في منطقة السيدة زينب وحي المهاجرين وجبل قاسيون. وتفاقم الأمر بعد أن أدخل حوالي عشرة آلاف مقاتل مسلح ومدرب جيداً إلى بلدة القصير، لمواجهة 25 ألف إنسان كانوا يشكلون مجموع سكان البلدة. وحيث قاموا بالتعاون مع الجيش السوري بعد حصار دام أكثر من ستة أشهر وبعد أن استخدموا كل أنواع الأسلحة والطائرات وارتكبوا عدة مجازر راح ضحيتها أكثر من 1250 مدني من سكان القصير ومثلهم من الجرحى، وبعد أن تم تهجير أكثر من 250 ألف مدني من بيوتهم. كان لابد لموقفي من أن يتغير، وبت أشمئز من تباهي الحزب وأنصاره بما باتوا يعتبرونه نصرا على المؤامرة الصهيو-أمريكية الوهابية التكفيرية كما هو انتصار على إسرائيل المحتلة لأرضهم. أما عندما اعتبر الحزب ذلك النصر انتقاما لما حل بآل البيت والحسين وللشيعة. أن كثيراً من الشخصيات اللبنانية البارزة والتي لا علاقة فعلية لها بالمقاومة إلا بالكلام والدجل، والتي تعرف بأنها كانت وماتزال تستغل اسم المقاومة وعلاقتهم بها لتمرير أعمال مشينة أو لتتكسب منها. 

لذا نذكرهم أن رفعهم لشعار “لبيك يا حسين” على مسجد البلدة يتناقض مع شعار مقاومة الظلم الذي رفعه كلاً من سيدنا علي والحسين. ونذكرهم بأن الوقوف مع الفقراء والمستضعفين، كان الأساس لدى أتباع علي والحسين لمقاومة الحكام المستبدين والظالمين والقتلة، وليس للدفاع عن القتلة واللصوص والمجرمين في سوريا والعراق ولبنان. حيث قتلوا وفتكوا وجوعوا ودمروا بأكثر مما فعلت إسرائيل. وبأنهم بأعمالهم تلك لا يسيئون للحسين ولأنفسهم ولسمعتهم بل لسمعة وفكر ومفهوم المقاومة. 

الخطر غير المرئي: 

بما أن حركة المقاومة اللبنانية التي يقودها حزب الله باتت جزءاً من محور إقليمي تقوده طهران الفارسية المحتلة لأراض عربية (في عربستان) أكثر مما تحتل إسرائيل وتنكل بعرب الأهواز والعراق وتعمل علناً على تحقيق أهداف ومصالح جيوسياسية للفرس في الوطن العربي تكون بذلك قد تحولت فوق ذلك إلى قوة معادية لحركة التحرر القومي والشعوب العربية. 

 

 

 

الفصل الرابع عشر:
انتصارات وهزائم المقاومة على محك الواقع

 

المقاومة المعلبة: 

الانتصارات الجزئية والعامة والشاملة: 

لا أحد ينكر أن انتصارات كثيرة (اقتصادية واجتماعية وفكرية وثقافية وصحية وعلمية) حققتها كثير من الشعوب على الدول الاستعمارية (بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا.. إلخ) في فترة صعود حركات التحرر الوطني العالمية ضد الاستعمار (ما بين الحربين العالميتين وبعدهما حتى نهاية السبعينات من القرن الماضي). لكنها للأسف بدأت بعد ذلك تتراجع بالتوازي مع صعود اليمين المسيحي في أمريكا وبريطانيا واليمين المسلم في الوطن العربي. في ذات الوقت الذي راحت فيه الحركة الثورية في العالم تتراجع، بدءاً من المركز مروراً بالأطراف. بما يعني أننا لا يمكن أن ننظر إلى أي انتصار لأي شعب أو نظام أو حلف وطني (جبهة وطنية) طرفي إقليمي دون وضعه في إطار الانتصارات العامة التي تحرزها القوى الثورية على نطاق العالم والإقليم. 

لذلك لا يمكن أن نقيم الانتصارات التي أحرزتها الشعوب العربية وحركاتها الثورية (بما في ذلك لبنان في تلك الفترة) على الاستعمار والصهيونية، وعلى القوى الإقطاعية والرجعية، وعلى المستوى الاجتماعي والاقتصادي. إلا على ضوء تصاعد (أو تراجع) النضال العام لشعوب العالم الثالث في مواجهة قوى الاستغلال والاستبداد والقهر. ولا بمعزل عن الحركة الثورية في العالم المتقدم. فالتاريخ الحديث يظهر أن أي ضعف أو انتصار أصاب أي طرف من أطراف تلك المعادلة كان ينعكس سلباً أو إيجاباً على جميع مكونات الطرف الآخر. وإن لم يحصل ذلك بشكل مباشر وسريع دائماً فكان يحصل لاحقاً. كما حصل بعد الهزيمة التي لحقت بالدول الاستعمارية القديمة مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا في الحرب العالمية الثانية حيث انعكست فوراً أو بعد فترة بصورة إيجابية على حركات التحرر الوطني العربية، حيث حصلت كل من سوريا ولبنان عام 1946 على استقلالهما السياسي. 

ثم تتابعت الانتصارات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية لتطال كلاً من تونس ومصر والعراق واليمن والجزائر وليبيا.. كذلك كان لابد للانتصارات التي أحرزتها المنظومة الاشتراكية على النطاق العالمي في كل من أوروبا الشرقية والصين أن تنعكس فوراً على كل من كوريا وفيتنام وكمبوديا والكونغو ودول مجموعة عدم الانحياز ومن ضمنها الدول العربية وبخاصة فيما يتعلق بالموقف من القضية الفلسطينية. حيث صدرت في فترة تصاعد المد الثوري على النطاق العالمي أهم القرارات التي اتخذتها الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح نضال الشعب الفلسطيني والمواقف العملية المناهضة للصهيوني، بسبب زيادة عدد الدول المستقلة وخاصة دول عدم الانحياز فيها وتوسع دورها على الأرض. كما تجلت في كثير من الانتصارات التي أحرزتها البلدان العربية على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي لصالح الطبقات الفقيرة. 

وعلى العكس من كل ذلك يتبين أن الهزيمة التي لحقت بالمعسكر الاشتراكي (خاصة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1990) انعكست سلبياً وفوراً على الشعوب العربية أولاً من خلال الهزيمة المنكرة التي لحقت بالعراق عام 1991 ومن ثم بحركة التحرر الوطني والقومي العربية التي راحت صاغرة إلى ما سمي مؤتمر مدريد للسلام. وبسبب هذا التراجع أدخلت الأنظمة العربية منظمة التحرير وشعبها والمنطقة عام 1993 في نفق أوسلو، عام 1994 في اتفاق وادي عربة، ومن ثم البدء رسمياً بتطبيع العلاقات مع المحتل الصهيوني الغاصب مع أنه ما زال يحتل كثيراً من أراضي الدول العربية، حيث تلاه فوراً الاحتلال الأمريكي الإيراني للعراق عام 2003 مما مكن إسرائيل من العدوان على لبنان عام 2006 وغزة في عام 2007 و2014. 

لذلك فإن أي حديث عن انتصارات لمحور المقاومة والممانعة -خاصة وتحديدا في لبنان- في ظل التراجع العام لحركات التحرر الوطني والقومي والثوري العالمية والعربية وتضاؤل دور مجموعة دول عدم الانحياز أو بمعزل عنها يحتاج إلى كثير من التدقيق والمراجعة. إن لم نقل سلفاً أن الترويج لهكذا انتصارات أمر يدعو للشك. كونها تشكل على الصعيد العالمي تراجعا فكريا. وبالتالي فإن أي حديث عن انتصارات للمقاومة اللبنانية في ظل هيمنة الفكر الديني الظلامي والغيبي حتى لو كان ذلك على إسرائيل. لذا نطرح أسئلة من نوع مختلف: 

هل هذه المقاومة هي من طينة مختلفة عن طينة الشعوب العربية؟ هل هي حالة متقدمة في تاريخ البشرية أم مجرد حالة استثنائية وعابرة؟ هل يتجسد فيه التنظيم السياسي المنشود والمتخيل الذي تتجسد فيه ردود الفعل الجذرية المفترض أن تتشكل على ضوئها مقاومة الانهيار والتراجع العام؟ 

هل تمتلك الأيديولوجية الكفيلة بإحراز هكذا رد فعل؟ وإذا كانت كل فصائل الشعب اللبناني المشهود لها بالتضحية غائبة أو مغيبة لأسباب قاهرة. فهل يمكن أن يكون حزب الله (الشيعي) وحده وبقيادة السيد حسن نصر الله (المؤمن بنظرية الولي الفقيه الغيبية والخرافية) وحده الحريص والثوري والمدافع الشرس عن لبنان وعن الأمين العربية والإسلامية. 

حتى لو سلمنا جدلاً بوجود امكانية لظهور هكذا مقاومة بطلة في لبنان كونها شيعية. فلابد من أن يطرح سؤال: لماذا لم تظهر إلا في لبنان فقط ولم تظهر مثيلات لها في سوريا أو العراق؟ ولماذا لم تظهر إلا لدى شيعة لبنان ولدى من يؤمنون بالولي الفقيه في لبنان فقط؟ ألا يتناقض هذا الطرح نظرياً مع المسار العام للواقع والتاريخ والعلم والمنطق؟. 

حتى لو سلمنا أنها انتصارات شعبية في لحظة تاريخية مفارقة. فإننا لا يمكن أن ننظر لها إلا باعتبارها نتيجة وتتويج لانتصارات ساهمت فيها جماهير من مختلف الفئات وليس فئة واحدة من الشيعة. 

والأهم هو يفترض أن يتم اعتبارها تتويجاً للانتصارات التي ساهم فيها كثير من اللبنانيين غير الشيعة، سابقاً والتي حصلت في أعوام 1958 و1978 و1983 حيث لم يكن الحزب قد ظهر للوجود. ولا يجوز للشيعة أو للحزب أن يحتكرها لنفسه ولزعيمه فقط. 

لذلك فإن المنطق والعقل يقولان: أن أي حديث عن انتصارات لحزب ديني ذو أيديولوجية وهمية (كونها تقوم على فكرة المخلص المنتظر). وبما أنها باتت معروفة أنها ذراع لمحور تقوده إيران ضد شعوب المنطقة. لذلك باتت تشكل عاملاً هداماً ساهم في التراجع العام الذي أصاب حركات التحرر العالمية والعربية. لن يكون إلا نوع من تزييف للوعي أو لذر الرماد في العيون للتغطية على التراجع العام الحاصل بسبب ما تقوم به إيران الفارسية من تدمير لأي حراك تقدمي في المنطقة. وللتغطية على التوسع الذي تقوم به إيران في المنطقة. واعتباره أخطر أشكال الهجوم الذي كانت وماتزال الرجعية العربية والحركات الدينية تشنه على الحركات القومية والوطنية واليسارية. 

 

النصر الإلهي الموهوم؟ 

كيف يكون ذلك النصر نصراً للمقاومة؟ طالما أنها سكتت على، وسلمت ببقاء أكثر من 24 موقعاً وقرية من أراضي لبنانية (من الناحية القانونية والتاريخية) للاحتلال الصهيوني؟ كيف تعتبر نفسها. منتصرة في الوقت الذي لا تسيطر فيه على مياه وسماء وبحر لبنان؟ 

وطالما أن لا الجيش اللبناني ومقاومته مجسدة بحزب الله، كما كانوا، مازالوا أعجز من أن يسترجعوا أراضيهم المحتلة، وأن يسيطروا على مياههم وسمائهم. فكيف يجيزون لأنفسهم التحدث عن نصر لم تنجز شروطه؟ وكيف استند ويستند حزب الله حتى اليوم على نصر ناقص؟ 

ألا يدفعنا إلى الاعتقاد أن نشر ذلك الوهم يقصد من ورائه تبرير وجود حزب طائفي يأتمر بأوامر (ولي رباني) لدولة خارجية. يستخدم لتبرير حمل السلاح خارج سيطرة الحكومة والدولة لكسر شوكة معارضيه كما حصل في تموز عام 2008. ألا يمكن أن يكون بقاء هذا السلاح مطلوباً كي يتم كسر شوكة كل الثوريين الذين يشكلون خطرا على إسرائيل وأمريكا في لبنان وغيره؟ 

ألا يجوز أن نعتبر بقاء أو الإبقاء على هذا السلاح من قبل إسرائيل أمراً مطلوباً للإبقاء على الحزب دولة ضمن دولة لإبقاء لبنان ممزقا ومدمرا. كما الوطن العربي مدمراً وممزقاً خوفاً من الأسلحة الإيرانية ومليشياتها في العراق وسوريا واليمن؟. ألا يجوز لنا أن نفكر بأن الإبقاء على هذا السلاح هو في المحصلة العامة يخدم إسرائيل وأمريكا أكثر من الإبقاء عليه للدفاع عن لبنان؟ 

ومع أن بقاء ووجود سلاح للمقاومة الشعبية الوطنية أمر مبرر ومطلوب ومنطقي ولا علاقة له بإنجازه، نصرا كا أم لا. بل هو مبررٌ طالما وجد عدو خارجي أو خطر يتهدد البلد. ومثل هذا الأمر يتطلب أن يكون كل الشعب اللبناني شاعرا بهذا الخطر ومشاركاً في مواجهته. وهذا يعني أن المقاومة يفترض أن تكون من كل أبناء طوائف وفئات الشعب اللبناني وليست مقتصرة على فئة من طائفة واحدة فقط. أما عندما تصبح مقتصرة على فئة واحدة فلا تعود مقاومة بل “غلبة” فئة على فئات أخرى. أما عندما تربط نفسها إراديا فوق ذلك بقوة إقليمية معادية للعرب تفقد صفتها كمقاومة. وبما أن ذلك تم ويتم خلافاً لرأي عامة الشعب ويتم الإصرار عليه وحده وإعطائه صفة القداسة. لفرض الغلبة على بقية فئات الشعب اللبناني بقوة سلاح المقاومة. 

الشيء بالشيء يذكر:  

بعد الهزيمة التي لحقت بالجيوش العربية عام 1967 تمكنت فصائل المقاومة الفلسطينية عام 1968 لا (قوات التحرير الشعبية والجبهة الشعبية وفتح و.. إلخ) مع الجيش الأردني من إلحاق هزيمة بالقوة الغازية الإسرائيلية في قرية الكرامة الأردنية (الواقعة ضمن أراضي شرق الأردن وليس ضمن الأراضي المحتلة) تم اعتبار ذلك نصراً فعلياً، وبقدرة قادر تحول ذلك النصر من نصر لجميع تلك القوى إلى نصر لفتح فقط. حيث اعتبرته فتح نصراً لها هي فقط، بل راحت وما تزال تتفاخر به وتزعم بأنه كان أول نصراً يحرزه العرب على إسرائيل في التاريخ. وبناء على هذا الزعم باتت فتح (مع أن وجودها في قرية الكرامة كان محدوداً جداً) تعتبر ذلك نصرا لها يجيز لها أن تقرر ما يجب أن يكون أو لا يكون وأن تتسلم قيادة النضال الوطني الفلسطيني والقومي العربي. حيث من يومها راحت تستخدم كل نضالات فصائل المقاومة وانتصاراتها وما تزال تستخدمها للمساومة والتفريط بحقوق الفلسطينيين، وهو ما تحقق نظرياً بالتخلي عن فلسطين في اوسلو. 

الأمر ذاته حصل مع حزب الله الذي اعتبر انسحاب إسرائيل عام ألفين عن أراضي احتلتها عام 1978 انتصارا له، لا بل أول نصر يحرزه العرب على إسرائيل، وحيث تجاهل نضالات وتضحيات جميع الحركات الناصرية والقومية الوطنية واليسارية واحتكرها الحزب لنفسه كما فعلت فتح عرفات، وعلى أساس ذات النهج والمنطق بات الحزب يقرر ما هو الصح وما هو الخطأ وما يجب أن يكون أولاً يكون. كما فعلت وتفعل فتح حتى اليوم. أليست ذات الديماغوجية التي اتبعها عرفات تتكرر على يد السيد حسن؟ 

طالما أن المقاومة لم تحرر شبرا مما احتل من أراضي لبنانية محتلة منذ عام 1948 عندها يكون التغني بها (كما تغنت فتح سابقاً) نوع من إعادة إعتبار للذات المهزومة وللتغطية على الهزائم المخفية والمسكوت عنها. ألم يكن التضخيم في ذلك النصر، من قبل فتح وحزب الله نوع من المزايدة، للتنمر والتسلط على غيرهم لتحقيق مآرب أخرى؟ 

يجب أن نحترم المقاومة ونجلها كونها فقط لأنها تصدت لما لم تقدر الجيوش العربية التصدي له (مع أنها منشأة لتلك المهمة). ولا يجوز لنا أن نطالبها بتحرير ما عجزت عنه الجيوش العربية لأننا نعلم أن التحرير الشامل للأرض لا تقوم به إلا الجيوش. وبأن المقاومة تلعب دوراً مساعداً فقط – قد يكون حاسماً. لكن عندما تضع نفسها بديلا عن الجيوش لتحرير تلك الأراضي تكون قد وضعت نفسها دون أن تدري في موضع ليس لها وحكمت على نفسها سلفاً بالفشل أو في موضع توجيه التهم التي كانت وما تزال توجه للجيوش. 

لذلك لا نطالبها بتحقيق ما عجزت الجيوش العربية والمقاومة الفلسطينية عن تحقيقه. ولا أن تحل محلها في تحرير وطنها فلسطين. وإن كان طرح فكرة التحرير هو ما جعل الشعوب العربية واللبنانيين يرحبون بمقاومة حزب الله وب جمهورية إيران الإسلامية. مع أن هذا. للأسف. كان ومازال سبب رئيسي في التفاف الجماهير العربية حولها وجعلها تجلها وتحترمها. لكن هذا الخلط بين دورها ودور غيرها لا يمكن ولا يجيز لها أن تقرر بناء على ذلك ما هو الصح وما هو الخطأ. وما يجب أن يكون ولا يكون في أمور أخرى كثيرة – خاصة في السياسة العامة. أو تتسلم أو نسلمها مقاليد الأمور على أمل أن تحقق (حسب زعم مؤسسيها ومنظريها وقادتها) ما عجزت عن تحقيقه الجيوش العربية العميلة أو المقاومة الفلسطينية والعربية (وطالما أن المقاومة عبر التاريخ لم تحرر وطنا). أو نسلم لها بأن علينا أن نقبل ونتقبل كل ما تفرضه علينا، ونسلم رقابنا لها كونها تزعم أنها ستزيل إسرائيل وتحرر القدس. 

هذا الطرح بذاته موضع شبهة؟ لأن هذه المهمة التي عجزت وستعجز عنها جيوش عدة دول عربية وعدة مقاومات عربية وفلسطينية، فكيف ستحققها مقاومة فئة من طائفة؟ 

 

المقاومة اللبنانية في إطار مفهوم المقاومة العام. 

التمييز بين مقاومتين طبيعية (حقيقة) ومعلبة (مصنعة) : 

وهذا ما يدفعنا لإعادة التدقيق مجدداً في الهدف من نشر فكر المقاومة المُعًلبة والمُصنعة في الغرف المغلقة للدول والأحزاب أو القوى الخارجية لتحقيق أهداف سياسية وإيديولوجية خاصة بها بعيداً عن أهداف عامة فئات الشعب وهذا ما يتضح في لبنان أكثر من غيره. حيث عملت للترويج لإيران وضد العرب. مع أن أهم ميزات المقاومة الشعبية والحقيقية أنها لا تستقوي على أحد ولا تسعى للاستفادة من تضحياتها في مكان آخر. 

نعود لنؤكد على أن المقاومة تقوم بها مجموعات كبيرة ومختلفة من السكان بشكل تلقائي وعفوي وطبيعي في فترة الاحتلال (مثلاً النازي والفاشي لفرنسا وإيطاليا أو في فيتنام وكوريا و.. إلخ) لمواجهة ما كان يتعرض له بلدهم وأرضهم وشعبهم من عدوان يهدد وجوده. وهو ما تجلى عندنا في فترة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. حيث حمل جميع أفراد الشعب السلاح لمساعدة الجيش المصري وليس أفراد ينتمون لحزب معين، والتي لولاها لما تمكن الجيش المصري وحده من دحر العدوان خاصة في تصديه للإنزالات المظلية التي قام بها العدو خلف خطوط دفاع الجيش المصري والتي لا يمكن للجيش القيام بها. وهو ما حصل أيضاً عام 1957 في سوريا عندما تعرضت للتهديد بعدوان رباعي من كل من تركيا والعراق والأردن وإسرائيل لإسقاط حكومة خالد العظم ووزير دفاعه عفيف البزري. وعام 1958 في لبنان بعد قبل وبعد إنزال الأسطول السادس الأمريكي لمنع أو لإسقاط حكومة كميل شمعون. كل المقاومات الشعبية تقوم بواجبها بصمت ثم تعود لحياتها الطبيعية، فجميع المقاومات حلت نفسها تلقائياً بعد انتهاء الغزو. ولم تطالب المشاركة في الحكم أو بأن يكون لها ممثلين ووزراء في الحكومة أو في أي مجال من مجالات الحياة العامة، كما فعل حزب الله. أما عندما تستمر بحمل السلاح بزعم وجود خطر قادم فهذا معناه أنه ترمي لتحقيق أهداف لا علاقة لها بمواجهة العدو. لأنه عندما يحصل العدوان ستهب هي وجميع فئات الشعب (من جميع القوى والأحزاب بما في ذلك الجيش) للدفاع. 

بعد زوال الاحتلال لا يبقى أي مبرر لبقائها كتنظيم سياسي مستقل، ولا يبقى أي مبرر لحمل السلاح من قبل فئة واحدة او ذات طابع مذهبي – حتى لوكان ذلك بذريعة أن الخطر الصهيوني مازال قائماً. لأننا نعرف أن المقاومة الشعبية تبرز فورا من تلقاء ذاتها ومن كل الطوائف، وبصورة عفوية. 

مثل هذه المقاومة المحصورة بفئة من طائفة واحدة لا تعود مقاومة بل حركة لفئة، رتبت لها قوة خارجية كي يصبح لها موضع يمكنها من فرض إرادتها أو تحقيق أهداف سياسية خاصة بها تعجز عن تحقيقها دون تلك الفئة. وهذا ما يضعها موضع شك وتساؤل. كما حصل في فرنسا عندما أصرت قوات الأنصار التي كان الحزب الشيوعي الفرنسي ( كحزب أيديولوجي) مدعوم من روسيا. أن يكون لها دور في الحياة السياسية لفرنسا بعد الحرب للحصول على مكاسب سياسية للحزب ولروسيا السوفيتية. لكن ديغول أصر على حلها وحال دون تحقيقها أية مكاسب سياسية مع أنه كان لها دور حاسم في هزيمة النازية ومع ذلك حلت نفسها بعد فترة وجيزة لتسلم الراية للحزب الشيوعي. وهو ما حصل في غزة أيضاً عندما تشكلت بصورة عفوية وفورية ما عرفت بالجبهة الوطنية (ممثلة بالحزب الشيوعي والجبهة الشعبية وحزب البعث) حيث شكلت ما عرفت بكتائب المقاومة الفلسطينية لمقاومة الغزو الإسرائيلي لغزة. وحلت بعد طرد الاحتلال. 

وهنا لابد أن نشير إلى أنه مع وجود مبررات قوية لبقاء المقاومة الفلسطينية كونها ما تزال محتلة ولا تمتلك دولة أو جيش. ومع ذلك لم تطالب حماس بأن تفرض سياستها على الجميع. وإذا كان هذا قد حدث فحدث يوم استغلتها أنظمة عربية مثل قطر السعودية أو العراق أو سوريا لتحقيق أغراض سياسية لها خارج إطار مقاومة الاحتلال وهكذا حرقت نفسها. بدليل أن حكومات تلك الدول الرجعية. عندما حققت أهدافها منها توقفت عن دعمها. لا بل اعتبرها عنفاً أو إرهاباً حيث أدان ياسر عرفات (زعيم المقاومة الفلسطينية) المقاومة المسلحة لفتح ولفصائل المقاومة الأخرى والتي مارسها وكان من دعاتها، واعتبرها عنفاً، تجاوباً مع ما طلبه منه مستشار النمسا. وهكذا بعد أن استنفذت المقاومة الفلسطينية المسلحة أغراضها السياسية راحت تروج للدخول في عملية تسوية سياسية مشبوهة. وهو ما قد يحدث مع إيران والحزب حيث يمكن أن يبيع لبنان لقاء صفقة مع أمريكا من أجل أهداف خاصة بإيران. 

فإذا كانت سياسة الدول العربية مع الفلسطينيين كذلك فمن يضمن ألا تكون سياسة إيران أسوأ وأن تستخدم حزب الله لما هو أسوأ؟ 

لا أحد ضد وجود فكرة بقاء المقاومة في العقول والنفوس والأرواح في كل الأوقات بل نؤكد على ضرورة بقاء شعار المقاومة مرفوعاً من قبل جميع الأحزاب وليس من قبل حزب معين تابع لطائفة أو لدولة ولا للترويج لمذهب أو بلد. وأن يبقى مرفوعا. لكن ليس بالضرورة في كل الأزمنة والأوقات والتذكير بها ليل نهار. 

المقاومة والدفاع عن الوطن: 

مع أن عدد أفراد جميع الجيوش العربية الأخرى (سوريا ومصر والعراق والأردن) وعدتها أكثر وأكبر وأحدث بكثير من الجيش اللبناني وتمتلك أسلحة رادعة رهيبة (كيميائية وصواريخ بعيدة المدى، ومع ذلك لم تقم بواجبها في التصدي للاعتداءات الإسرائيلية على أراضيها وشعوبها. ومع أن ذلك يستدعي ظهور مقاومة شعبية فيها، لكن مع ذلك لم يحصل ولم تتشكل في هذه الدول مقاومة شعبية لا إسلامية ولا ماركسية أو قومية. فلماذا مطلوب منها أن تظل موجودة في لبنان فقط وإسلامية شيعية فقط؟ فها نحن نسمع بين يوم وآخر عن عدوان إسرائيلي وقع على الأراضي السورية وعلى العاصمة دمشق ومطارها وعلى مناطق سكنية، دون أن نسمع عن أي رد قام به سلاح الطيران أو الصواريخ المضادة للطائرات بما فيه الحديثة (إس إس 300 و400) الروسية (الأفضل في العالم) ولم نسمع عن ظهور أية مقاومة شعبية لا سنية ولا علوية ولا درزية ولو في الجولان المحتل. وهو ما يدفع للتساؤل عن سبب ظهور وتبرير وجود مقاومة شيعية فقط في لبنان؟ ومقاومة شيعية مكونة من أفراد يؤمنون بالولي الفقيه فقط؟ 

هل لأن الجيش اللبناني أضعف من جيوش البلدان العربية أم لأنه وحده فقط لا يقوم بمهامه في الدفاع عن البلد؟ أو على أفضل وجه؟. 

والسؤال الأهم: لماذا أصبح لبنان وحده مقاوماً دون سائر الدول العربية؟ ولماذا الإصرار فيما يسمى محور المقاومة أن تظل المقاومة فقط في لبنان؟ 

مع أن أغلب فصائل المقاومة الفلسطينية منذ عام 1988 قد أدانت على لسان زعيمها (عرفات في فيينا) الكفاح المسلح واستخدام العنف لمواجهة العدو الصهيوني مع أنها تعرف أنه مازال يحتل أرضهم وينكل بهم ويتوسع على حساب أرضهم ويطردهم ولا يعترف بحقوقهم واعتمدت فقط على الكفاح الشعبي السلمي فقط. وهو ما يطرح على اللبنانيين سؤالاً آخر. 

لماذا مطلوب منهم هم فقط أن يظلوا وحدهم يحملون السلاح ويضعون يدهم على الزناد ويضرسون ويعانون ومنهم في حالة خوف ورعب؟ ولماذا عليهم وحدهم يجب أت تكون هزيمة العدو؟ ومن قال أن هزيمة العدو يمكن أن تتحقق بالسلاح فقط؟ 

لماذا مطلوب من المقاومة في لبنان وحده التصدي لإسرائيل: 

مما لا شك فيه أن وجود ما لا يقل عن 400 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان كان سبباً في وجود حاضنة شعبية للعمل الفدائي الحديث، الذي بدأ أول ما بدأ في لبنان في عام 1963 من خلال بعض اللاجئين (جلال كعوش) الموجودين على أرض لبنان وتصادمهم مع الجيش اللبناني ومخابراته وحكومته التي كانت ترى أنه لا يمكن تحرير فلسطين من لبنان. ونذكر بأن هذا الاشتباك كان سبباً في توجه جميع فصائل المقاومة الفلسطينية إلى لبنان لدعم إخوانهم ومواجهة ومعاداة الجيش والدرك والأمن الثاني اللبناني. 

وهذا ما قد يفسر لنا وجود مقاومة فلسطينية عنيدة فقط في لبنان دون سواه من الدول العربية، ولماذا بات شرعياً ورسمياً ولماذا ثبت في اتفاق القاهرة عام 1969؟ بين عرفات وقائد الجيش اللبناني من خلف ظهر الشعب اللبناني وحكومته. وهذا ما يستدعي التدقيق في السبب الكامن وراء ذلك الاتفاق ولماذا؟ ولماذا لم تقم مصر (التي وقع فيها الاتفاق) باستقبال تلك المقاومة لتنطلق من أراضيها كما فعلت عام 1955 مع أن أرضها أوسع وإمكاناتها العسكرية والبشرية أكبر؟ 

إذا كان جمال عبد الناصر رائد القومية العربية والداعي لتحرير فلسطين قد حال دون انطلاق المقاومة الفلسطينية الحديثة من غزة الواقعة تحت الحماية المصرية منذ عام 1948 والتي يوجد فيها أكثر من مليون لاجئ فلسطيني ومليون مقيم؟ فلماذا صَدًر قيادات المقاومة الفلسطينية (عرفات وأبو جهاد وأبو إياد الغزاويين وإلخ) إلى سوريا لتبدأ انطلاقتها منها بعيداً عن أراضيها وليس من غزة أو من مصر؟ ثم لماذا دفع النظام السوري تلك الفصائل الفلسطينية دفعا إلى الأردن بعد هزيمة عام 1967؟ ثم لماذا تخلى عنها ورفض التدخل لحمايتها؟ ولماذا قام الجيش الأردني بمحاصرتها، وشن حربا ضروسا عليها عام 1970- 1971. وأخرجها من أراضيه (حرب راح ضحيتها حوالي 35 ألف فلسطيني). ولماذا فعلت سوريا الأمر ذاته لكن دون مذبحة كالتي حصلت في عمان (مع أنها كانت وما تزال تعتبر نفسها حامية وراعية المقاومة العربية والفلسطينية) فحصرتها وأخرجتها من أراضيها ودفعتها دفعاً إلى لبنان؟ ولماذا فتحت الطرق للمقاتلين الفلسطينيين للذهاب إلى لبنان وتستقر فيه بعد العدوان الإسرائيلي؟ (هل لتقتلهم إسرائيل بدلاً منها) ولماذا منعتها من القيام بعمليات فدائية انطلاقاً من أراضيها مع أنها راعية وحامية المقاومة؟ 

كما نسأل: لماذا بررت نُخُبنا وزعاماتنا أو سكتت على التبرير الذي قدمته حكومات تلك الدول القوية، لعدم استقبال المقاومة الفلسطينية على أراضيها ومنع انطلاق عملياتها من أراضيها، مع أن دولها وجيوشها اقوى من لبنان؟ 

ولماذا تَقًبل أغلبنا التغطية على عجز الأنظمة والجيوش وبررنا لها لتغطية على خيانتها من خلال التوجه والتمركز في لبنان دون سواه (مستخدمة مزاعم مثل عدم الجاهزية، أو تجنباً لما قد تقوم به إسرائيل كرد فعل مدمر لمدنها على أية عملية ستقوم بها المقاومة انطلاقاً من أراضي تلك الدول). أليس هذا استباحة للبنان؟ ولماذا بات لبنان وحده مفتوحاً للمقاومة ومطلوباً منه وحده أن يقاوم. مع أنه لا يمتلك ما تمتلكه تلك الدول من أسلحة مضادة للطيران، وطيران مقاتل وصواريخ وأسلحة ردع؟ 

لنسلم جدلا بأن جيوش تلك الدول القوية لا تقدر على دفع الشر عن شعوبها، فلماذا دفعت بها إلى لبنان الأضعف منها؟ مع أنه لا يمتلك طائرات أو صواريخ مضادة للطائرات الإسرائيلية؟ ولا يمتلك ما يمتلكه الجيش السوري من أسلحة ردع مثل الأسلحة الكيمائية والصواريخ بعيدة المدى؟ 

هذه الأسئلة وسواها لا يمكن إلا أن تدفعنا للشك في الهدف الذي سعت إليه الدول والقيادات العربية والفلسطينية بدفع تلك المقاومة الفلسطينية إلى لبنان ومن ثم في السبب وراء إيجاد بديل عنها (حزب الله) بعد أن أخرجت من لبنان عام 1982؟ ولماذا الإصرار على بقاء المقاومة في لبنان وحده دون الدول العربية الأخرى الأقوى منه؟ 

لعلها دون أن تدري ودون قصد مبيت (لعجزها وهشاشتها). أرادت أن يكون لبنان الضعيف عرضة لاعتداءات كثيرة أكثر من غيره من الدول، وموضعاً مناسباً لإسرائيل لتجرب به أفتك أسلحتها وأشدها ضراوة. وقد يكون الهدف (كما رأى البعض) إضعاف للبنان أكثر من غيره (الأضعف عسكرياً) لاضعافه معنوياً وسياسياً؟ وربما لتدميره أكثر؟ وربما كي يكون ويصبح أرضا صالحة للاعتداء عليه لكسر شوكة الشعب اللبناني البطل ونخبه الثورية ولتربية بقية الشعوب العربية به؟ 

لا يمكن أن نعفي مخابرات كل من أمريكا والسعودية وسوريا والأردن في التوافق مع الموساد في دفع الأمور في هذا الاتجاه. لكن من المستغرب أن تصدق النخب اللبنانية والعربية، أن لبنان وحده يفترض أن يكون ويظل المقاوم الوحيد، والبطل المنافح عن فلسطين وعن الأمتين العربية والإسلامية. وغيره من الشعوب والدول مشغولة بأمورها الحياتية واليومية أو مستسلمة. ولماذا لم تطالب حكومات تلك الدول بفتح جبهاتها للمقاومة؟ 

هل ليثبتوا لنا “أن قوة لبنان لم تعد في ضعفه” (على العكس مما روج له ميشيل شيحا) بل في مقاومته كما زعم سمير قصير وحسن نصر الله. متجاهلين أن حجم تطلعات هذه النخب اللبنانية، خاصة اليسارية المعزولة عن الواقع في مواجهة العدو الصهيوني وحلفائه. تتناقض جذرياً مع إمكانات لبنان وشعبه الضعيفة والأضعف من غيرها. وكان لابد أن تكون نتيجة هذا الفهم المغلوط مدمرة للشعب اللبناني وللبنان كوطن. 

الدور السوري الغائب الحاضر: 

طالما أن من أدخل المقاومة الفلسطينية إلى لبنان كان النظام السوري كما شجع قيام ما سميت “مقاومة وطنية” في لبنان (بعد عام 1982) ومن ثم مقاومة حزب الله (خارج إطار الدولة والجيش) فلماذا يمنع ويحظر وجودها في سوريا ويشرعون ويدعمون وجودها فقط في لبنان؟ 

لماذا لم يعمل على خلق مقاومة في سوريا من أبناء الجولان لتحريره من الاحتلال كما فعل في جنوب لبنان وخارج إطار جيشه (بما يتيح له التنصل منها عند اللزوم كما يفعل النظام اللبناني؟). 

لماذا يدعم وجود مقاومة في لبنان. مع أن لبنان استرد معظم أراضيه المحتلة عام 2000؟ بينما لا يدعم وجود أو يعمل على خلق مقاومة في جميع أنحاء سوريا (أو من أبناء الجولان) لتحرير الجولان الحبيب المحتل بالكامل منذ عام 1967؟ لماذا يصر على وجود ودعم مقاومة في لبنان محصورة بحزب الله دون سواه؟ أليس في ذلك إشارة إلى وجود وخلق مبرر دائم لأذية مبيتة ودائمة ضد لبنان وشعبه؟ 

وإذا كان الجيش السوري (ومن خلفه الدولة والحكومة) احتكر مهمة التصدي للعدوان الإسرائيلي داخل جميع الأراضي السورية وحرًم على أية قوة مهما كانت نظيفة. من مجرد التفكير أو التخطيط أو الإعداد أو التهيئة لتحرير الجولان؟ فلماذا يحرم على الجيش اللبناني وحده احتكار حق الدفاع عن لبنان واحتكار السلاح وقرار الحرب والسلم وإرغامه على تقبل وجود لسلاح آخر غير سلاح الجيش؟ ألا يحمل ذلك الموقف اتهاماً مبطناً للجيش اللبناني ولحكومته بالعمالة؟ وإذا كانا كذلك فكيف يقيم معهم أفضل العلاقات ويزعم أنه يشكل مع لبنان أحد ضلعي محور المقاومة؟ لماذا أصرت وتصر الحكومة السورية على إبقاء سلاح المقاومة اللبنانية خارج إطار الدولة وفوقها في لبنان. بينما لم تسمح. حتى لوجود حراك سياسي مستقل عن الحكومة السورية يدعو لتحرير الجولان. على الأقل بالكلام أو للقيام ببعض العمليات الشكلية لتحريك ملف الجولان المحتل إقليمياً ودولياً؟ 

المفارقة أن ذلك النظام رغم كل ما بيناه، وعلى الرغم من أنه ألقى على بلده وشعبه ما لو ألقي على إسرائيل خلال السنوات العشر الماضية لما بقي فيها إسرائيلي واحد. وحرر مئة جولان. ومع ذلك زعم ومازال يزعم أنه وحده المقاوم والممانع العنيد؟ 

 

 

 

 

الفصل الخامس عشر:
نقد ثقافة الهزيمة في لبنان

 

إعادة قراءة، في نصر أيار عام 2000: 

إذا أردنا أن نكون صورة صحيحة عما جرى في 20 من أيار عام ألفين نتيجة للانسحاب الإسرائيلي المفاجئ من لبنان، يفترض أن ندقق في الظروف التاريخية والعسكرية والسياسية التي استدعت هذا الغزو والغاية منه ومن ثم الخروج المفاجئ. لنعرف إن كان حقق أهدافه أم لا. وهذا ما يتطلب منا التعرف على الظروف التي ألمت بالمنطقة والعالم ولبنان في الفترة التي سبقت أو ترافقت مع الانسحاب الإسرائيلي من أغلب الأراضي التي احتلتها في لبنان: 

1- علينا أن نتذكر أن غزو إسرائيل للبنان عام 1978 كان قد تم بذريعة إبعاد المقاومة الفلسطينية عن الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة. وهو ما تحقق لها، في الاتفاق الذي تم وفقا له دخول قوات الردع العربية. لكن بما أنه مع ذلك لم يوقف العمليات الفدائية ماأرغم إسرائيل أن تدخل قواتها عام 1982 وأن تصل لبيروت – وتحاصرها حتى تجبر الجميع وتجبرها على الخروج والتوقف. 

كما تشير الوقائع المثبتة إلى أن إسرائيل لم تنسحب من بيروت إلا بعد أن تمكنت من إخراج القوة الأساسية للمنظمات الفلسطينية من بيروت أولاً. ومن ثم انسحبت من محيطها بعد أن مكنت حلفائها (قوات إيلي حبيقة القيام بمجازر صبرا وشاتيلا) من سحق روح المقاومة لدى الفلسطينيين. وبعد ذلك قامت بالانسحاب من ضواحي بيروت والجبل عام 1985. ولم تنسحب إلى جنوب الليطاني إلا بعد أن قضت حركة أمل في حرب المخيمات على أي تواجد عسكري للمنظمات الفلسطينية في جميع مخيمات بيروت وصيدا وصور. 

ويفترض ألا ننسى، أن ذلك تم بالتزامن مع قيام المخابرات السورية بعزل وشد الخناق على القوى الوطنية واليسارية اللبنانية. ومن ثم سحب أسلحتها منها بحجة نزع أسلحة المليشيات لإيقاف الحرب الأهلية التي دخلت لمنعها.ولا ننسى أن ذلك تم في الفترة التي تشكل فيها جيش لبنان الجنوبي ليشكل واقيا يحول دون توجيه المقاومة الوطنية اللبنانية هجمات على قواتها في الجنوب المحتل.مما جعل شيعة الجنوب مرغمين على مواجهة الاحتلال وعملائه. 

والسؤال الذي لابد أن يتبادر للذهن: لماذا لم تسحب سوريا أسلحة المليشيات الشيعية التابعة لحركة أمل وحزب الله سواء في بيروت أو البقاع ؟ ولماذا أبقت على تلك الأسلحة بعد انسحبت إلى الجنوب وتخفت خلف قوات جيش لبنان الجنوبي؟ بما يعني أنها بعد أن أمنت حماية جنودها ومستوطنيها. أي أهم الأهداف التي دخلت قواتها لتحقيقها. 

2- علينا ألا ننسى أنه في ذات الوقت الذي كانت فيه القوات اللبنانية والكتائب وحركة أمل وجيش لبنان الجنوبي تنفذ مطالب إسرائيل الأخرى والتي لا تقدر عليها هي. ظلت بالمقابل أطراف لبنانية وطنية (شيوعيين وقوميين سوريين وناصرين ويساريين) توجه ضربات موجعة للقوات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب (عمليات انتحارية قام بها عناصر من الحزب الشيوعي والحزب القومي السوري) على الرغم من كل ما أصابها من خسائر من الحلفاء وما قدمته من تضحيات. وعلينا ألا ننسى من أن تجنب تلك العمليات ساهمت بشكل ما في إرغام إسرائيل على الانسحاب من أغلب الأراضي اللبنانية لا أنها لم تقل إنها انتصرت على إسرائيل ولم تطالب بمكاسب خاصة بها لقاء ما قامت به لوطنها وشعبها. 

3- يفترض أن نأخذ بعين الاعتبار طريقة تفكير القيادة العسكرية الصهيونية. فهي على سبيل المثال كي تتجنب ضربات المقاومة الوطنية سحبت قواتها لحدود نهر الليطاني واعتمدت على جيش لبنان الجنوبي لحماية قواتها ومستوطنيها من خلال ما اعتبرته “حزاماً أمنياً” لجيشها. يجعل المعركة في مناطق العدو. كجزء من الاستراتيجية العامة التي اتبعتها إسرائيل في مناطق أخرى مثل سيناء والجولان لحماية جنودها ومستوطنيها. 

لكن بما أن فكرة الحزام الأمني قد سقطت بعد أن أطلق صدام حسين صواريخ بعيدة المدى على حيفا عام 1990، وجدت القيادة الصهيونية أن الانسحاب من جنوب لبنان كله أفضل لقواتها ومواطنيها (مع إبقاء جيش لبنان الجنوبي) والاكتفاء بمواقع معينة تمكنها من صد الهجمات البرية وهي ما تم رسمها خلف ما عرف لاحقاً بالخط الأزرق، من خلال اتفاق رسمي ودولي يحول دون تعرض مستوطناتها لأي خطر. 

4- علينا ألا ننسى الأجواء التي سادت المنطقة بعد عام 1990 و1994 (بعد مؤتمر مدريد للسلام بين الدول العربية وإسرائيل وما تمخض عنه من اتفاقات بضغط من الإدارة الأمريكية على الجميع، حتى بات الجميع ميالين لتحقيق السلام مع إسرائيل. تحت رعاية الحزب الديمقراطي بزعامة “بيل كلينتون”، حيث وافقت حكومة رابين على الانسحاب من كل الجولان مقابل السلام (حيث طرح شعار “انسحاب شامل مقابل سلام شامل” وهي ما عرفت بوديعة رابين للأسد والتي ظل النظام السوري ومازال يتمسك ويتغنى بها باعتبارها إنجازاً ونصراً)، وعلى أساس ذلك تم ابرام اتفاق بين رابين وعرفات تمخض أخيراً عن اتفاق أوسلو. ثم اتفاق وادي عربة مع الأردن عام 1994. وهنا يفترض ألا ننسى أنه في ذات الوقت كانت تجري اتصالات مباشرة داخل الولايات المتحدة بين كل من سوريا ولبنان مع باراك (اتصالات لعب فيها اللوبي اللبناني داخل الولايات المتحدة دوراً مهماً) وإسرائيل. بما يضمن انسحاب إسرائيلي شامل من جنوب لبنان ومن الجولان كشرط لإقامة سلام دائم وشامل. بما يعني أن باراك (زعيم حزب العمل) كان ميالا لرؤية “بيل كلينتون “لإنهاء الصراع العربي الصهيوني. من خلال إنهاء الصراع بين البلدين وبين إسرائيل. ولذلك أيضاً وافق باراك على طلب الحريري بوضع خطة انسحاب مماثلة من جنوب لبنان كخطوة لابد منها لتهدئة الأوضاع كمقدمة لعقد مفاوضات سلام شامل يتم لاحقاً (وهو ما جاء في اتفاق نيسان لعام 1996). 

5- وعلينا أن نتذكر أنه في هذا الوقت بالذات (عام 1996) جرت مفاوضات علنية وسرية بين كلاً من حكومتي لبنان (بزعامة رفيق الحريري) وحكومة إسرائيل بزعامة باراك برعاية فرنسية (في عهد شيراك) تمخض عنها ما عرف يومها بـ “اتفاق نيسان”. ضمنت فيه إسرائيل عدم تعرض مدينيها للقصف مقابل انسحابها الكلي من لبنان. حيث جرت عدة لقاءات ومفاوضات مكوكية رعتها كلاً من فرنسا وأمريكا مع الحريري ولوبي لبناني في أمريكا وفرنسا. أدت بعد عدوان 1996 إلى التوصل لوقف إطلاق النار يوم 26 نيسان لتلافي النقمة التي أحدثها عدوانها على جنوب لبنان وبخاصة على مواقع للقوات الدولية في قانا، والذي راح ضحيته أكثر من مئة شهيد من المدنيين العزل مما ألب الرأي العام الدولي والأوروبي على إسرائيل. لذلك أرغمت حكومتها في ذلك الاتفاق على الموافقة على عدم قصف المدنيين اللبنانيين. (وهذه نقطة إيجابية) مقابل عدم قصف المستوطنين. 

لذا لابد أن نصبح أميل إلى الاعتقاد أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كما كانت ماتزال تضع في أول أولوياتها عدم إصابة مستوطنيها وأفراد جيشها بأي أذى. وهذا ما تم التوافق عليه بين كلاً من الأسد وباراك والحريري برعاية كلنتون وهو ما تضمنه الاتفاق المكتوب والعلني والذي نص في بنده الأول على: “ألا تنفذ الجماعات المسلحة (المقاومة) في لبنان هجمات بصواريخ الكاتيوشا أو بأي نوع من الأسلحة على إسرائيل” بما يمهد لوقف الهجمات فيما بين الطرفين مقدمة للسلام. وبالطبع فإن هذا الأمر ما كان ليتم لولا علم حزب الله بذلك وموافقته عليه وهو ما يعني أن قد وافق على عدم شن هجمات صاروخية على إسرائيل. 

كما جاء في الاتفاق ثانياً “وتحقيقاً لهذه الغاية تقترح الولايات المتحدة استئناف المفاوضات بين سوريا وإسرائيل وبين لبنان وإسرائيل في وقت يتفق عليه بهدف التوصل إلى سلام شامل” بما يعني أن الوضع الدولي العام (يومها) كان ميلا للسلام (المزعوم) وهو ما يؤكد على أن حزب الله كان موافقا على ذلك وإن لم يكن بصورة علنية ومباشرة. لذلك كان على إسرائيل أن تستفيد من تلك الفرصة وتسحب جنودها من لبنان. 

6- من يتابع المناقشات التي كانت تجري داخل الكنيست الإسرائيلي أو داخل الغرفة الضيقة السوداء بين كبار العسكريين والسياسيين (نشرت بعضها الصحافة الإسرائيلية والبريطانية)، يذكر أنها كانت تناقش فوائد وسلبيات البقاء في جنوب لبنان بعد أن حققت أغلب أهدافها. حيث كانت الغلبة في تلك النقاشات. لجهة الطرف الداعي إلى الانسحاب من خلال اتفاق رسمي بين إسرائيل ولبنان. ومن ثم أصبحت الغلبة لجهة الانسحاب دون اتفاق مع الحكومة اللبنانية. ولكي يقوي باراك مواقعه داخل الجيش استغل تلك الموافقة ليقرر الانسحاب وبأسرع ما يمكن دون اتفاق. لكي يكسب أيضاً غضب أهالي العسكريين. وبناء على ذلك تمت الموافقة بالأغلبية (داخل التجمع الأمني المصغر) على حل جيش لبنان الجنوبي والانسحاب من جنوب لبنان يوم 7 تموز. لكن “يهود باراك وبصفته رئيس الوزراء وفوق ذلك “فاجئ الجميع وأعطى أو امره للجيش بالانسحاب يوم 25 أيار. أي قبل شهر ونصف من الموعد المقرر. وهذا ما أذهل العالم. وجعل الانسحاب الاسرائيلي المفاجئ يبدوا كما لو كان هزيمة منكرة. وهو ما جعل حزب الله ومناصروه يعتبرون ذلك الانسحاب هزيمة لإسرائيل وانتصاراً ربانياً لهم نزل عليهم من السماء. (بينما كان خبطة من باراك) وهنا نسأل: إذا كانت إسرائيل قد حققت هي ووكلائها في لبنان ما دخلت من أجله أو رمت إليه فهل تكون انتصرت أم هزمت؟ 

7- ومع ذلك فمن يدقق في الانسحاب الإسرائيلي الحاصل يوم 25 أيار إلى خلف ما سمي الخط الأزرق يدرك أن إسرائيل لم تنسحب انسحاباً شاملاً أو كاملا. بل احتفظت بأكثر من أربع وعشرين قرية وموقعاً استراتيجياً. مما يجعل ذلك الانسحاب أقرب إلى إعادة الانتشار وتوزيع آمن للقوات بما يضمن أمن وسلامة جنودها ومستوطنيها من اقتحامات برية. وهو ما ينفي عن ذلك الانسحاب صفة الهزيمة عن إسرائيل أمام مواطنيها. لكن بما أنه تم دون اتفاق ترك المجال للمحللين العسكريين واليمينيين يميلون إلى اعتبار ذلك الانسحاب كان خطئاً مع أنه تم تلافياً لخسائر قد تلحق بالجيش والمستوطنين. 

 

النصر الإلهي: 

بما أن السيد حسن نصر الله يعرف مدى تغلغل فكرة أن كل شيء من الله لدى عامة المؤمنين (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) ويعرف مدى توق الناس إلى تحقيق نصر على العدو الصهيوني الغاشم. لذلك اعتبر ما جرى نصراً ومن الله، وليس منةً من أحد بما يجعل الجميع يتقبلونه ويرحبون به ويرقصون له، وبحيث لا يعود أحد من الناس قادراً على أن يشكك فيما حصل بأنه لم يكن نصراً طالماً أنه من عند الله. وهكذا تثبت في عقول الجميع أن ما حصل كان فعلاً نصراً. دون أي عملية تدقيق أو مراجعة فيما حصل أو في الخلفيات والوقائع والظروف والأسباب. 

من الإلهي المقدس إلى الدنيوي المسيس، إذا كان النصر إلاهياً وعاماً (وهو ما قاله السيد حسن عام ألفين). فهذا معناه أنه لا فضل لأحد فيه ولا يجوز لأحد استثماره لمصلحته وحده فقط حتى لو كان اسمه حزب الله. 

لكن ما جرى على أرض الواقع وما قام به الحزب والسيد، بعد انسحاب إسرائيل المفاجئ يظهر لنا أن حزب الله وأنصاره قاموا بتحويل النصر الإلهي إلى نصر لخدمة مشروع الولي الفقيه المقدس. حيث لم تمر مناسبة إلا وقدم لإيران وللولي الفقيه (قدس الله سره) الشكر والعرفان والامتنان. أي يكون قد قدم النصر الإلهي إلى دعم مشروع الولي الفقيه السياسي والديني. إذا كان النصر إلاهياً فلا يجوز أن نشرك به أحداً وإلا نكون قد أشركنا. وطالما أننا أشركنا بالنصر الإلهي الولي الفقيه كونه مرسلاً من الله (الذي نعلم أن بشر مثلنا) فمن حقنا أن نسأل لماذا لم قام بعد ذلك إشراك القيادة الإيرانية والسورية التي نعلم جميعنا أن لا شيء لديها من الله. 

والمشكلة أنه راح يَمٍن بالنصر الإلهي على اللبنانيين (الذي حققوه بتضحياتهم) إلى نصر لجماعته وحزبه ومقاتليه فقط. وظل يؤكد عليها في خطاباته المتكررة وآخرها ما قاله يوم 20 أكتوبر عام 2019: “لولا تضحيات المقاومة لما كان هناك استقرار وحياة ورفاه في لبنان “ولولا تضحيات المقاومة وما قدمناه (يقصد حزب الله) من شهداء ولولانا ما في أرض ولا شعب ولا كرامة.. “يكون قد حوًل النصر الجماعي والإلهي. عن وعي وسابق إصرار إلى نصر خاصٍ فقط إلى المنتمين لحزب الله فقط. وهو ما يدفعنا أيضاً إلى التساؤل: 

لماذا حرص السيد حسن في خطاباته الكثيرة ودائماً التركيز على الدعم الإيراني والسوري فقط للمقاومة؟ وفي تقديم الشكر لهما وحدهما فقط. في حين تجاهل الدعم العربي الذي قال هو نفسه عنه “أنه كان للعرب واللبنانيين جميعاً دوراً في صنعه”. 

هل ما حصل في تموز عام 2006 كان نصراً؟ بعد توقف العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006. وعلى عكس ما جرى عام ألفين. انقسم المجتمع اللبناني ومفكريه وسياسيه ومعهم العرب بشكل جلي واضح حول تسمية وتوصيف ما حصل. هل هو هزيمة أم نصر؟ 

وازداد الانقسام أكثر بين اللبنانيين بسبب الخسائر الفادحة التي لحقت بالبنية التحتية للبنان (ومن يتحمل مسؤوليتها). ولأن كل طرف كان يعرف أنه سوف يترتب على تقييمه ما حصل (نصرا أم مغامرة غير محسوبة النتائج) مواقف مختلفة ستؤدي إلى خلق قوى مؤيدة وأخرى منددة. ستغير موازين القوى الفاعلة على الأرض وفي مسار الأمور لاحقاً. لذلك فإن إعادة عملية التدقيق فيما حصل اليوم خاصة بعد الثورة يكتسب أهمية بالغة. كيلا تتكرر مثل هذه المغامرة. 

ماذا ستغير عملية خطف الجنديين في موازين القوى بين الحزب ولبنان، وبين إسرائيل؟ هل كانت المقاومة تسعى لأن تتخذ ذلك ذريعة لتحريك حرب تحرير للمناطق المحتلة من لبنان؟ هل كانت عملية خطف الجنديين الإسرائيليين مطلوبة من الحكومة اللبنانية والشعب اللبناني؟ أم مطلوبة من قيادة حزب الله ليحسن من سمعته؟ ألم يكن بالإمكان تحسين سمعته دون القيام بها؟ من يتحمل عدم تقدير قادة الحزب لرد فعل إسرائيل الكبير وغير المتوقع؟ أم لتحقيق أهداف أخرى كان يضمرها تبنت لاحقاً. 

هل تتناسب نتائج عملية خطف الجنديين وإطلاق الأسرى مع حجم الخسائر الحاصلة في الأرواح والماديات؟ ألم تكن درساً قاسياً حال دون ارتكاب الحزب عملاً مماثلاً خلال أربع عشر عاماً. وبما القوى اللبنانية يومها منقسمة بشدة، لم يكن بمقدور أحد يومها تحليل ما حصل واستخلاص النتائج والعبر. أو إثبات أن ما حصل كان هزيمة للبنان أم نجاحاً. لذلك لم يكن من الممكن من الناحية النظرية والبحثية (منطقيا) الجزم بأي موقف وعدم اتخاذ موقف مناهض لحزب الله أو لسلاحه أو يطالب بنزعه. 

وبما أن موازين القوى الداخلية على الأرض اللبنانية كانت لصالح الحزب لذلك لم يكن باستطاعة القوى المناهضة للحزب القول إن ذلك كان مغامرة وهزيمة لمعرفتها أنه سوف يترتب على ذلك أضرار معنوية كبيرة وسياسية تزيد الانقسام والشرخ. ولأنها من ناحية أخرى لا تمتلك أي سلاح يحمي أقوالها. (لأن سوريا كانت قد نزعت أسلحتها. باستثناء حزب الله كونه وحده مقاومة). ولأن تلك القوى من جهة أخرى لا تمتلك المشروعية النظرية والأخلاقية التي تتيح لها إدانة الطرف الآخر كونه قدم تضحيات لا يمكن إنكارها. حتى لو كان مخطئا. وبما أن القوى الأخرى لم تشارك أو تساهم في مقاتلة العدو أو لأنها وقفت إلى جانبه، أو لأنها لا تريد بل لأنها منعت من المشاركة. 

لذلك تم السكوت على ما حصل (على مضض) لذلك ظل الموقف النهائي ملتبساً. لكن النقاش حول ما جرى ظل في الخفاء والغرف المغلقة يتفاعل. وأخذ ورد لفرض مستقبل مختلف. لذلك ظل يتفاعل بين مفاهيم أيديولوجية وسياسية متناقضة يصعب التوفيق بينها. 

وبما أن الوضع السياسي في المنطقة والعالم. يومها كان من الناحية الأخرى غائماً. أو لم يكن محسوما لصالح الطرف الإيراني لذلك ظل الموقف النهائي من النصر ضبابياً. لكن عندما تغير الوضع الإقليمي بعد عام 2015 وتبين أن ما يسمى محور المقاومة بقيادة إيران هو محور مسكوت عنه ومقبول أمريكياً وأوروبياً وروسياً. لكن هذا لا يمكن أن يمنع الباحثين عن الحقيقة من إعادة التقييم ونبش الماضي المسكوت عنه. لذا نسأل: 

1- هل يجيز النصر الإلهي الذي تحقق عام الفين – ومهما كان ضخماً أن يبرر لجهة بعينها الاستقواء به على الحكومة والجيش وبقية فئات الشعب. أما إذاعرفنا أن النصر كان مشكوكاً فيه من الأساس. عندها يصبح استخدامه لتقبل جريمة التدمير الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية للبنان على يد إسرائيل موضع شك وتساؤل. 

حيث قدرت كلفة إعادة بناء محطة الزهراني، وحدها فقط، التي دمرها العدو بحوالي مليار دولار. وحيث كان يفترض إذا كان ما حصل فعلاً نصراً. أن يطالب السيد حسن إسرائيل بدفع تعويضات للبنان عما سببه عدوانها من أضرار مادية ومعنوية جسيمة. وهو ما لم يستطع السيد حسن نصر الله إلا أن يعترف به حيث قال في إحدى خطبه بعد الحرب “لو كنت أعرف أن اسرائيل سوف تلحق بلبنان هذا الخراب لما خطفنا الجنديين” (إما أنه جاهل في السياسة أو متواطئ مع عدو كان يخطط لشن حرب على لبنان ليثبت احتلاله لما وراء الخط الأزرق ولكي يدمر لبنان) وهذا ما جعل بعض اللبنانيين يتهمون الحزب وسيده بالتآمر على لبنان. بسبب أن قرار خطف الجنديين دون علم أو تنسيق مع الحكومة أو قيادة الجيش كان سبباً في حرب دمرت لبنان. عدا عن كونه بذلك العمل صادر قرار السلم والحرب. لكن بما أن أحد نتائج العدوان الظالمة ثبتت أحقية إسرائيل بالبقاء خلف الخط الأزرق (خلف أربع وعشرين قرية وموقعاً منها مزارع شبعا). لذلك أنه لا يمكن أن يعتبر ما حصل انتصاراً. 

2- للتغطية على تلك الجريمة التي لحقت بلبنان جراء العدوان الإسرائيلي كان لابد من تعويض اللبنانيين عن الخسارة التي لحقت بهم، من خلال إقناعهم بأن النصر يتطلب تقديم التضحيات والخسائر، لذلك كان يجب أن يقتنع الجميع بأن ما حصل كان نصرا. ثم راح السيد “نعيم قاسم” (نائب السيد حسن) يكبره ويوسع دائرته. حيث زعم في كلمة له بهذه المناسبة أن إسرائيل كانت ترمي من عدوانها على لبنان عام 2006 احتلال أراضي لبنانية وتدمير حزب الله والمقاومة الوطنية اللبنانية وهزيمة مشروع المقاومة في سوريا ولبنان والعراق وإيران. وطالما أن هذا الهدف (طبعاً الوهمي أو المفترض) لم يتحقق. إذاً فما تحقق هو نصر ونصر لجميع من ذكرهم. وبهذا القول بدا كأنه يصر على أن يجعلنا غارقين في وهم الانتصارات الزائفة (التي روج لها الدكتور ماخوس بعد هزيمة 1967). 

3- المشكلة أن الحزب لم يترك المجال للناس لتفكر بل افترض أن ما حصل كان نصراً، ونصراً إلاهياً يتيح لحزب الله المجال له وحده، لأن يفرض أيضاً سيطرة نفسية على اللبنانيين وسيطرة أمنية على المطار، وأن يقيم فوق ذلك لنفسه شبكة اتصالات خاصة به ومعابر خاصة به وحده (وثم بنوك ومصارف ومدارس ومساجد ومشافي خاصة به وبكل من يؤمن بالولي الفقيه). ثم راح بعد ذلك بأن يكون له وزراء في الحكومة يكون له فيها الثلث المعطل، بما يجعله يتحكم بمصير لبنان وحكومته بحجة الحيلولة دون اتخاذ قرارات يمكن أن تمس جسد المقاومة أو أمنها. وهنا لابد أن نسأل فيما إذا كانت ثمة مقاومة في العالم أصرت وما تزال تصر على أن تمتلك مؤسسات خاصة بها. وأجهزة أمنية خاصة بها، ومنافذ وطرق حدودية خاصة محرمة على غيرها، خارج إطار الدولة وقوانينها؟ 

عندما يجري تسيس النصر الإلهي وتحويله إلى نصر دنيوي لابد أن يستخدم لتحقيق أهداف دنيوية مثل السكوت على الفساد والإفساد مثل تهريب البضائع والمخدرات التهرب الضريبي والجمركي وتهريب الأموال وفرض الإرادة على الغير بالقوة العسكرية. وهو ما اتضح عملياً وعلى أرض الواقع في أحداث تموز من عام 2008 حيث استثمر ذلك النصر المقدس (المزعوم) لهزيمة الطرف الآخر اللبناني المتعايش معه. حيث راح في تلك الأحداث ما لا يقل عن مئة وخمسون مواطن لبناني ومئات الجرحى والمصابين. حيث تبين أن ذلك السلاح لم يستخدم ضد إسرائيل بالفعالية والسرعة والخفة التي استخدم فيها ضد لبنان وشعبه وضد معارضيه في تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي وحلفائهم لإجبارهم على الرضوخ لمطالبه في الهيمنة على المطار وبأن تكون له وسائل اتصال خاصة به وبالحزب وحده وخارج إطار اتصالات الدولة اللبنانية وفوقها ورغما عنها. ويكون بذلك العمل قد أرغم لبنان وشعبه على التحول إلى بيدق في الصراع الإقليمي لمصلحة إيران ضمن صراع أكبر تستخدمه أمريكا لتدمير الطرفين والمنطقة لمصلحة إسرائيل. وهو ما جعل لبنان وشعبه محتويين وضائعين في صراع غير منظور. 

4- من نصر للعرب إلى نصر للفرس، بينت الوقائع اللاحقة بعد 2008 أن إيران هي الدولة الوحيدة في المنطقة والعالم التي استثمرت ذلك النصر المزعوم (كما استخدمت التدمير الممنهج الحاصل في سوريا ولبنان والعراق بذريعة محاربة الإرهاب والتكفير) للتمدد في المنطقة. والذهاب بعيداً حتى اليمن. 

والخطورة غير المنظورة تأتي. وها هي قد أتت فعلاً باستخدام السلاح الذي تم به النصر المزعوم. للتهديد به واستخدامه ضد كل من إذا فكر، بأن يوجه نقداً أو اعتداء على إيران. وبما أن ذلك السلاح قد استخدم مرة وأثبت فعاليته في قمع معارضيه في الداخل عام 2008 لذلك استخدم ثانية في سوريا وثالثة في العراق. وها هو اليوم قد استخدم فعلاً ورابعاً، في قمع مظاهرات الثوار اللبنانيين المطالبين بمحاربة الفساد والكرامة والحرية. وهو ما يفهم منه أن الحزب بات الأداة التي تجعل لبنان، -حكومة وشعباً-، يسير مرغماً في ركاب مشروع ظلامي مدمر للعرب ولبنان. 

 

 

 

 

الفصل السادس عشر:
نقد مقولة: الجيش والشعب والمقاومة

 

أولاً: مقولة، الجيش والمقاومة: 

كيف يمكن أن يوضع الجيش المدعوم من أمريكا والمقاومة المدعومة من إيران الثورية. في سلة واحدة؟ 

1- مع أن السيد حسن نصر الله، كان يلمح في كثير من خطبه إلى تبعية الجيش والنظام اللبناني لأمريكا. (حيث قال في خطبة له يوم الشهيد يوم 14 تشرين الثاني 2019، قال: أن سبب رفض النظام اللبناني والحكومة التوجه للشرق والصين ورفضهما تسلم أسلحة من إيران هو وجود فيتو أمريكي غير معلن) ليس بسبب أن كل أسلحته الجيش اللبناني من أمريكا ومن الغرب، ويتلقى دعما سنويا ثابتا. بل لأن الحكومة والجيش لا يستطيعا مخالفة ما تريده أمريكا، بما يعني أنهما خاضعان وتابعان لها ولا يستطيعان مخالفة أوامرها. وهذا اتهام بالعمالة والتبعية بشكل غير مباشر. 

2- لمح السد في كثير من المناسبات لعدم قيام الجيش بواجبه في التصدي للعدوان على لبنان لأنه عميل ومرتبط وليس بسبب عدم قدرته على ذلك. بل لأن أمريكا لا تريد له ذلك ولا تسمح له بذلك حفاظا على أمن إسرائيل. بمعنى أنه هو من يحافظ على أمنها وتفوقها. 

إلا أنه يتجاهل هذه الاتهامات ويضع نفسه والجيش في سوية واحدة وخندق واحد. ألا يكون بهذا قد وضع نفسه موضع اتهام غير مباشر؟. 

الجميع يعرفون أن الحزب كي يتلافى النقد الموجه له إذا خون الجيش أو إذا اعتبر نفسه فوق الجيش الذي يعرف قادة الحزب أن جميع اللبنانيين يلتفون حوله وحول المؤسسة العسكرية التي يعتبرونها رمزاً لوحدة لبنان. كما يعرف مسبقا أن لا أحد في لبنان يقبل أن يضع أي طرف نفسه فوق الجيش أو خارجه لذلك كان لابد له من أن يضع نفسه إلى جواره بما يبرر لنفسه امتلاك قوة عسكرية خارج الجيش النظامي أو موازية له بما يبرر له أن يظل موجوداً في ذات الوقت إلى جانبه كقوة مستقلة عنه. 

3- يفهم من ذلك أن الهدف من طرح فكرة المساواة والموازاة هو أن يجعل السيد حسن، من الحزب وحده، ذو ثقل موازي لثقل الجيش والشعب، بما يتيح له عملياً باسمهما وموازاتهما، وبإسم المقاومة والدفاع عن لبنان وعن الشعب أن تكون كفته راجحة. كونه هو وحده من حقق النصر، وبالتالي تثبتت في عقول الجميع فكرة أن الحزب (والسيد من وراءه) يحق له أن يمسك بقرار الحرب والسلام مثله مثل قائد الجيش ورئيس الجمهورية والوزراء ووزيري الدفاع والداخلية. 

وهنا نسأل: إذا كان وجود سلاح المقاومة خارج الجيش مبرراً للدفاع عن لبنان كون الجيش يخضع لفيتو أمريكي (ليس ناجماً عن تبعية أو عمالة لأمريكا) بل لكونه لا يقدر على القيام بواجبه لظروف قاهرة أو خارجة عن إرادة قيادته. فكيف سيتمكن سلاح المقاومة من تجاوز ومخالفة ما تريده أمريكا وإسرائيل من هذا الجيش دون أن يتعارض ذلك مع المبدأ الذي قام ويقوم عليه الجيش؟ 

ألا يعطي لنفسه بذلك في لحظة الحق -في لحظة ما وظرف ما- أن يكون الحزب بديلا عن الجيش في عملية التصدي لأي عدوان؟ 

وطالما أن الجيش (حسب السيد حسن) عاجز عن التصدي للعدوان والدفاع عن الوطن. عندها لا تبقى له أي ضرورة. إن لم يكن اتهاماً للجيش بأنه موجود لمهمات غير الدفاع عن الوطن. 

وإذا كان كذلك. كيف يجيز لنفسه التآخي والتوحد معه؟ والمساواة بينه وبين هذا الجيش؟ 

فهو بمجرد ما أن يضع المقاومة في موازاة الجيش والشعب، يعني أن يعتبر نفسه – طرفاً ثالثاً يقع فوقهما وخارجهما؟ 

لماذا لم يقولها صراحة بأن مبرر وجود مقاومة بجانب وخارج الجيش، هو اتهام غير مباشرة للجيش والشعب بالتقصير عن أداء واجبه في الدفاع عن الوطن؟ أو بسبب عمالته وتبعيته لأمريكا. كونه يمول ويسلح من قبلها؟ 

4- إذا كان الجيش عاجزا عن مواجهة إسرائيل لكنه من المؤكد. قادرُ على مواجهة داعش والنصرة في جرود عرسال والانتصار عليهما. وهو ما ثبت على أرض الواقع. حيث كاد الجيش أن يحرز نصراً كبيراً كاد يحققه في عرسال، حيث كاد الجيش أن يحقق انتصارا عليهما، لو لم يتدخل الحزب ويسحب ذلك النصر من تحت أقدامه. حيث استبق النصر وراح يتفاوض مع كلاً من النصرة وداعش برعاية عباس إبراهيم. ألا يؤكد ذلك على أنه لا يريد أن يعطي للجيش أي نصر يجعله موضع فخر الشعب واحترامه؟ 

مثل هذا يدفعنا للتدقيق وإعادة البحث في الأسباب التي جعلت الحزب يحول ويمنع الجيش من تحقيق نصر على الإرهاب؟ 

هل كي يجبر الناس على الاقتناع بأنه هو وحده من حقق النصر الأول على إسرائيل هو الوحيد القادر على تحقيق النصر الثاني (النصر على الإرهاب) ؟ كي يثبت أنه وحده الحامي للبنان من إسرائيل ومن التكفيرين ومن الإرهاب وما على الشعب إلا أن يقدسه ويسبح بحمده ويشكره ويخضع لكل ما يريده. أليس ذلك التهميش الممنهج للجيش حتى ضد الاهاب القصد منه أن يحتفل وحده بالنصر على الارهاب كما يحتفل سنوياً بالنصر على إسرائيل؟ 

مهزلة معركة “فجر الجرود” : 

نذكر من نسي ما جرى في أب 2018 أن حشداً كبيراً من القوات مكون من عدد لا يستهان به من القوات المسلحة السورية إضافة لقوات من حزب الله، ومتطوعي الحشد الشعبي المكون من مليشيات شيعية أفغانية وإيرانية وعراقية وطاجيكية وأذرية. مدعومة بطيران وخبرات روسية إيرانية كانت قد أخذت مواقعها من جهة الشرق (شرق جرود عرسال). بينما اتخذت من جهة الغرب، قوات أخرى مؤلفة من النخبة في الجيش اللبناني (عشرة آلاف) مدعومين بالمدرعات وكاسحات الألغام، وطائرات لبنانية وأمريكية وبريطانية، تحت إشراف خبراء عسكريين كبار يمتلكون أسلحة متطورة جداً بما فيها أجهزة استطلاع الكترونية تظهر النملة إذا تحركت في نطاق عملياتها، وبدعم معنوي وسياسي من سنة ومسيحيي لبنان ممثلين بعون والحريري. ألم يكن بإمكان كل هذه القوات التي تجمعت من الانتصار على أربعمائة عنصر من داعش بل وسحقهم؟ 

الطريف، بعد كل هذا التحشيد وبعد أن تمكن الجيش اللبناني بعد أسبوع من التقدم في الجرود حيث قتل عددا من الدواعش في مراكز استطلاع متقدمة. وكاد في الخطوة التالية من أن يطبق على من تبقى منهم ويقتلهم أو يأسرهم، ويحقق نصرا مؤزراً طال انتظاره، بما يفرح اللبنانيين ويسعدهم ويزيل عن صدورهم غمامة إرهاب تنظيم داعش. وفجأة وقبل تلك اللحظة الحاسمة فقط قبل ساعات معدودة من تحقيق النصر المؤزر للجيش اللبناني تبين أن ثمة أشخاص غير معروفين (غالباً من أمن الحزب). كانوا يتفاوضون سرا مع قيادات التنظيم الإرهابي بما يتح لهم إخراج حوالي 400 مقاتل (تبين لاحقاً أن نصفهم كانوا نساء وأطفال) بكامل معداتهم وأسلحتهم إلى سوريا دون أن يتعرض لهم الجيش السوري والروسي ومن ثم أن يسمح لهم بالمرور بأسلحتهم عبر الأراضي السورية والتحرك بأمان بسياراتهم وأسلحتهم قرابة 600 كم عبر بادية حمص وتدمر تجاه دير الزور معززين مكرمين وبحماية أمنية وعسكرية روسية وسورية كيلا يصاب أي فرد منهم بأذى؟ على الرغم مما ارتكبوه من شناعات ضد الجيش اللبناني واللبنانيين؟ أليس في الأمر شبهة ما، أو أمر ما قريب من المهزلة؟ 

ملاحظات هامشية: 

1- مما لا شك فيه أن توافق الجميع (الأصدقاء والأعداء) الروس والسوريين والحزب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على مقاتلة عدو واحد (ممثلاً بداعش في سوريا والعراق ولبنان وغيرهم) أمر مفرح، يذكرنا بما حصل في الحرب العالمية الثانية عندما توحد الروس والأمريكان والأوروبيين ضد النازية. إذا كانوا موحدين في الحرب على الإرهاب فهذا معناه أن كل خلافاتهم الأخرى لاشيئ. 

وبما أننا كعرب نتوافق مع الآخرين خاصة إذا كان ذلك لمحاربة الشر المتمثل بداعش، ترك المجال لها لتنجو بمقاتليها وأسلحتها جريمة كبرى. ويصبح نقد ما جرى ضرورة. 

2- كيف يمكن التوفيق بين الخروج المشرف لداعش والانتصار الباهر لحزب الله؟ كيف يمكن الجمع بين التهميش المذل والمتعمد للجيش اللبناني وحكومته وبين منعهم من النصر على داعش؟ هل يحق لحزب الله وحده (أو بالتوافق مع الحكومة السورية أو مع أمريكا أو غيرهما) أن يفاوض تنظيم إرهابي مرعب دون إعلامهم بما يقوم به؟ أم أن تلك الدول كانت تعلم بما يقوم به الحزب من اتصالات، وتسكت عليها حفاظا على سمعتها؟ 

3- هل تساءل أي من أقطاب الحكومة أو الجيش عمن كلف السيد عباس ابراهيم، القيام بتلك المهمة الصعبة: التفاوض مع كل من جبهة النصرة والدواعش ليخرجوا بسلام من لبنان . أو بالمهام الصعبة الأخرى التي سبقتها للإفراج عن الرهائن الإيرانيين واللبنانيين في الغوطة في عام 2011 وفي نبل واعزاز في سوريا في 2013؟ وهل تمت المهمة من دون موافقة أو علم أحد سوى السيد حسن وقاسم سليماني؟ 

ألا يعني هذا أن هناك حكومة فوق وأعلى من الحكومة اللبنانية وأقوى من الجيش ومن قائده، وبأنها هي التي تقرر كل شيء بالنيابة عن الرئيس والوزراء؟ اليس غيابها عن تسلم مسؤولياتها هو الذي أتاح المجال عباس إبراهيم (ومن خلفه الحزب وقوى غير معروفة) عمليات التفاوض وترتيب كل ما يحصل؟ هل يخشى الحزب أو حركة أمل من أنه إذا ظهر دورهما في دفع عباس للقيام بذلك الدور قد تم كي يتهربا من توجيه تهمة طعن الجيش في الظهر؟ 

4- ألم يكن من كان وراء إخراج قوات داعش بسلام من لبنان، كان على علم أيضاً بدخولهم إليه، وعالم بالغاية من وراء إدخالهم إلى سوريا ولبنان؟ وكان على علم بالهدف من إدخالهم ووصولهم إلى جرود عرسال. وسكت على ذلك بهدف إخافة وترويع اللبنانيين، بما يؤدي لاحقاً إلى إظهار الحزب بأنه المنقذ والحامي الأول وفي الوقت المناسب؟ 

حيث كان مرور داعش من الرقة إلى البادية ثم حمص ومن ثم عبر ريف القصير إلى رأس بعلبك (300 كم). في عام 2013 وهي مناطق يسيطر عليها النظام تبلغ 500 كم طولاً. مع العلم أن من كان يسيطر على القصير هو حزب الله (بعد أن حررها من سكانها في 14 تموز من عام 2012 بينما لم تظهر داعش إلا في نهاية عام 2013. فكيف اخترقت مواقع يسيطر عليها الحزب دون علمه؟ 

5- بما أن الحزب تمكن في ذات العام بالتعاون مع بعض أفراد الجيش السوري من تحرير أغلب قرى القلمون الشرقي ثم جرود القلمون الغربي في قارة والنبك وجريجير. المتصلة بجرود عرسال وطرابلس وبعلبك وبالتالي تمكن من السيطرة الكاملة والمطلقة عليها حيث أجرى عرضاً عسكرياً بالدبابات في القصير. فهذا معناه أنه والجيش السوري تمكنا من الهيمنة والسيطرة على كل تلك المنطقة الواسعة الفاصلة بين الحدود اللبنانية وسوريا في أهم بقعة للتهريب. فكيف تمكن التنظيم الإرهابي الغريب عن المنطقة من اختراق السيطرة التي فرضها النظام والحزب ليصل إلى الجرود من جهتها الغربية وتحديدا إلى رأس بعلبك والتلال المطلة على عدة قرى لبنانية منها عرسال والقاع، مع العلم أن رأس بعلبك يبعد عن بلدة “القصير” خمسة عشرة كم فقط ومسيطر عليه بإحكام من قبل الحزب وغالبية سكان مناصرة للحزب. فبلدة القصير تقع على الحافة الشرقية للجرود ذات التربة الكلسية المشهورة والمناسبة لزراعة الكرز البعل (أفضل أنواع الكرز في العالم) وهو ما يدر على أبناء البلدة والملاكين فيها خيرات كثيرة. وقسما من سكانها غير الملاكين يعملون في “التهريب” (تهريب الدخان والمخدرات والسلاح والأجهزة الكهربائية.. إلخ) من خلال ممرات ضيقة تقع على حواف الوديان التي تفصل بين الحدود الوهمية الواقعة بين سوريا ولبنان. ممرات لا يعرفها إلا أبناء المنطقة العاملين في التهريب. ومن لا يعرفها جيداً يمكن أن يضيع في الجرود ويتجمد من البرد في أيام الشتاء التي يكثر فيها التهريب ويموت أو تأكله الضباع. ولهذا رأى البعض أن حزب الله احتل بلدة القصير بالذات كأول بلدة في سوريا ومن ثم جرود النبك كي يجعل منهما أو يتخذ منها منطلقاً للسيطرة على تلك الوديان التي لا يعرفها إلا المهربين كي يحولها إلى ممر لتهريب الأسلحة من سوريا إلى قرى بعلبك والبقاع الشرقي ذات الغالبية الشيعية. 

ونذكر من لا يعرف من المواطنين العرب أن مجموعات المهربين كانت وما تزال وستظل مدعومة أو محمية من الضباط الكبار في الجيش السوري،أو في المخابرات السورية. وبأنه لم يكن من الممكن لأي مهرب أن يتعاون مع أي جهة أجنبية دون علم المخابرات أو الجمارك السورية. فمن أين يمكن أن يتسلل مقاتلي جبهة النصرة وداعش إلى جرود عرسال والقاع ورأس بعلبك، طالما أن المنطقة الموصلة إليها مسيطر عليها تماما فقط من قبل مخابرات ومهربي النظام ومليشيا حزب الله فقط؟ 

هل انتهت اللعبة أم لا تزال مستمرة؟ 

كلنا سمعنا ما قاله أحد زعماء داعش (في شريط بثه إعلام المقاومة التابع لحزب الله وفي وسائل الإعلام) والذي سلم نفسه مع خمسين عنصر لحزب الله وهو جالس في سيارته مبتسما، حيث قال بأريحية: “خِلصت”. أي انتهت. وقصد المهمة (اللعبة) التي كان مكلفا بها. ألا تشكل تلك الكلمة الجواب على عمليتي الإدخال والإخراج. وهو ما يفهم منه من قائد داعشي. أنه وجماعته أُدخلوا إلى جرود عرسال لتنفذ مهمة تخويف اللبنانيين بما يجعل حزب الله وحده قادراً على مواجهتها والتعامل معها وسحبه عندما يشاء (بسلام) كي يعطي لنفسه نصرا عليها فيكسب شعبية كبيرة شعبية تغنى بها السيد حسن حيث راح يمن على اللبنانيين بالقول لولا تصديه لداعش وانتصاره عليها في عرسال لحل بلبنان وشعبه ما حل بشعبي سوريا والعراق. 

أليست ذات اللعبة هي التي لعبها حزب الدعوة بقيادة المالكي في العراق بأوامر من قاسم سليماني لإدخال وإخراج داعش؟. ألم يكن المالكي هو الذي أمر الجيش العراقي بالانسحاب كي تدخل داعش بما يبرر تشكيل وتكيل حشد طائفي شيعي كي يحارب داعش وينتصر على داعش التي انهزم الجيش أمامها، ولكي يجعل منه بعد هزيمة داعش قوة دائمة خارج أو بديلة عن الجيش العراقي و فوقه؟ 

كيف يستبق زعيم حزب الله , كلا من وزير الدفاع في الحكومة وقائد الجيش ورئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وقادة الجيش بالإعلان عن فك الحصار عن داعش وتوقف القتال قبل أن يوقفه قائد الجيش اللبناني فعلاً؟ وكيف يعلن السيد حسن الانتصار على الإرهاب بحيث يُخرج الجميع من المولد بلا حُمٌص إلا هو؟ وكيف يقبلون على أنفسهم هذه المهانة؟ 

وهذا ما يدفعنا للتأكيد على: 

أن المفاوضات التي تم الكشف عنها لاحقاً (من قبل حزب الله علناً وعلى لسان أمينه العام) قبل أن يطبق الجيش اللبناني على داعش بيوم واحد فقط لا يمكن أن تكون قد تمت في ذلك اليوم (أو بين يوم وليلة) بل لابد أن تكون قد سبقتها اتصالات سرية. ولقاءات في السر (ثبت أنها جرت قبل أسبوع) حيث تم الاتفاق بعدها وبالضبط قبل أن يطبق الجيش اللبناني على داعش ويحقق نصرا مؤزراً عليها بما يؤدي إلى إخراجها من الجرود، كي يسحب نصرا كاد أن يصبح محققا، من تحت أقدام الجيش. 

حيث تؤكد التقارير المدونة والمثبت أن الحزب (عن طريق عباس إبراهيم) أخرج قبل أسبوع أكثر من ألف مقاتل من النصرة، وقبلها بأشهر تم الكشف من قبل الحزب عن مفاوضات كان يجريها عباس مع قياداتها في وادي بردى، وفي، وفي مائة مكان وبلدة في سوريا. 

 (وفي الهامش نسأل: ما علاقة مدير أمن عام لبناني بأخطر الأمور الجارية في سوريا؟ ) الأمر الذي يعني ويؤكد على وجود قنوات اتصال سرية سابقة بين الحزب وقيادات داعش والنصرة، اتصالات قديمة، (منذ أن تركوا أفغانستان ولجئوا إلى إيران) وحديثة ما تزال قائمة بين الحزب وبينها مع أنها توصف بالعصابات الإجرامية الإرهابية التكفيرية الوهابية؟ وكيف يمكن التوفيق بين الدعوة لقتال وذبح المنظمات الإرهابية والتكفيرية، وبين التفاوض معها والحرص عليها وإخراجها معافاة وبسلام من الأراضي اللبنانية عبر الأراضي السورية وبرفقة الجيش السوري لتختفي في البادية السورية أو ينتقل عملها إلى العراق كي تًستخدم لاحقاً؟ 

ألا يؤكد هذا أولاً على وجود قنوات اتصال سرية غير معلن عنها بين مخابرات تلك الأنظمة وبعض قيادات تلك المنظمات الإرهابية (قيادات لا تعرفها إلا المخابرات) ؟ وثانياً على وجود جهة مخابراتية كانت وما تزال تدير العمليات وتنسق بين تحركات داعش والنصرة وبين المخابرات السورية والعراقية والمليشيات كي تحقق نصر مزعوم على داعش بما يؤدي لخلق شعبية لها لا أساس فعلي لها، وتبرر كل عمليات القتل التي قامت بها. 

 

ثانياً: مقولة المقاومة والشعب: 

1- بينا في فصل سابق أن المقاومة الحقيقية (خاصة الشعبية والوطنية) لا يجوز أن تكون إلا من كل أبناء وفئات الشعب وبه، ومطلوب منها كي لا تعزل وتصبح خارجه وكي لا ينفرد العدو بها. أن تظل ملتصقة بالشعب. ولا يجوز لها مطلقاً أن تنفصل عن الشعب أو أن تضع نفسها في موازاته أو فوقه كي يدافع عنها ويحرص عليها. 

أما عندما تضع المقاومة نفسها مقابل الشعب أو في مواجهة مع مطالبه المحقة أو في تعارض معها لابد أن تخرج من دائرة الشعب. 

2- عندما نقول مقاومة في موازاة الشعب أو رديفة له فهذا معناه أنها كالجيش يجب أن تكون من جميع فئات الشعب. لا أن تكون مقتصرة على فئة بعينها، فئة تؤمن بولاية الفقيه. من فئات أخرى من الطائفة الشيعية، ومهما كانت تلك الفئة شريفة أو نظيفة الكف، ومهما كانت مضحية ومعطاءة وتستحق الاحترام. (حتى لو كانت سلالة شريفة) لكنها مقتصرة على فئة معينة من فئات عديدة تتبع لطائفة واحدة، تشكل مع طوائف أخرى في لبنان ما يسمى الشعب اللبناني، بمعنى أن المقاومة حتى تكون لبنانية وشعبية يجب أن تضم في صفوفها شبانا وقادة من مختلف الطوائف وألا تكون مقتصرة على أبناء فئة واحدة من طائفة واحدة. كما هو حاصل حالياً في لبنان. بمعنى أنها ليست مقاومة شعبية. بل تمثل فئة واحدة من عشرين فئة في لبنان. وهذا ما ينفي عنها كونها كذلك صفة تمثيلها للمقاومة الشعبية اللبنانية أو التحدث باسمها. 

3- كون المقاومة الحالية مقتصرة على أفراد ينتمون لحزب يتبنى أيديولوجية دولة غير عربية، فهذا معناه أنها عندما تزعم أنها تمثل وحدها المقاومة وتصادر حق الآخرين في المقاومة. وتتباهى بأنها تتبع لتلك الدولة عقائدياً وسياسياً وتتلقى منها المال والسلاح والدعم المعنوي واللوجستي فهذا معناه أنها تعترف رسمياً وعلناً بأنها تتبع في سياستها الخاصة في لبنان وخارجه لتنفيذ سياسية ومشروع الولي الفقيه في إيران. وليس الدولة التي يعيش فيها أو يتبع لها. عندها لا ينطبق عليها اسم مقاومة بل ينطبق عليه توصيف مليشيا تتبع لجهة خارجية تسعى وتعمل على تنفيذ مشروع تلك الدولة الإقليمي. مستندة على مغالطات منهجية وفكرية وسياسية وأخلاقية وعجز بنيوي ذاتي داخل لبنان لفرض إرادة تلك الدولة على لبنان وشعبه وعلى المنطقة بقوة السلاح متذرعة بنصر مزعوم وهذا ما أثبت عملياً في حرب السابع من أيار عام 2008. عندما احتل الحزب بيروت والجبل. 

4- التمويل من خارج الدولة والشعب، من يدقق في التمويل الذي يحصل عليه حزب الله استناداً لما قاله السيد حسن نصر الله علناً (لماذا لا تعترفون بمصادر تمويلكم مثلنا؟ نحن نعترف بأن سلاحنا ومصرياتنا وأكلاتنا وشرباتنا من إيران). يجد أن هذا الحزب بما بات يتلقاه من أموال ودعم مالي وعسكري ومعيشي من دولة أجنبية بما يمكنه من أن ينفصل عن الشعب الذي يزعم أنه يدافع ويضحي عنه. وهذا مصدر غير مشروع بالعرف الوطني. ومن المؤسف أنه لا يفتخر بذلك فحسب بل يصر عليه. 

وبما أن المعابر الحدودية غير الرسمية مع سوريا، إضافة للمعابر البحرية غير الشرعية، والسيطرة على مطار بيروت. تعتبر غير قانونية وغير شرعية ومدمرة للاقتصاد اللبناني. كونها فقط تمكنه من إدخال ما يشاء خلافاً لكل الشعب اللبناني. ولهذا جعل أغلب المنتمين للحزب وأقربائهم باتوا أقرب ما يكون إلى طبقة أو فئة مميزة. كون تلك المعابر المفتوحة له تمكنه من الحصول على ما يريد خلافاً لبقية اللبنانيين بما يجعل أفراده ومؤيديه لا يخضعون الواقع المعيشي والنفسي الذي يعيشه أغلب اللبنانيين. وهكذا يكون بإرادته قد عزل نفسه عن الشعب. وكان سبباً في خروج كثير من جماهير الشيعة عليه وسبباً في وقوف أغلب فئات الشعب اللبناني الفقيرة ضده كونه لم يقف موقفاً مسانداً لمطالبها المحقة والمشروعة. 

وهنا نضع اصبعنا على حقيقة يرفض حزب الله وأنصاره الاعتراف بها. تتمثل باعتقاده بأن المقاومة ممثلة به باتت مستهدفة من قبل مشروع أمريكي صهيوني سعودي. بينما الحقيقة هي أنه هو الذي أخرج نفسه من دائرة الشعب اللبناني الفقير، بانفصاله عن معاناته الحياتية وعدم التفاته وتفاعله مع المطالب الملحة (ماء وكهرباء ووقود وطبابة وتفجيرات) التي لا دور مباشر لأمريكا وإسرائيل بصنعها بل صنعتها قوى داخلية تحالف الحزب معها. وساندها ومازال. مما يجعلنا نستنتج أنه وأنصاره إن ظلوا على موقفهم هذا سوف يخرجون نهائياً من الساحة التي تجمع اللبنانيين ويصبحون جزءاً من الماضي كما حصل مع غيرهم. 

 

 

 

 

الفصل السابع عشر:
حساب الخارج من.. والداخل على لبنان

 

منذ أكثر من أن دخلت شركات الدول الرأسمالية (الاستعمارية) بدأت تقيم علاقات مع كبار التجار والإقطاعيين ومن يملكون المال والذين أصبحوا لذلك متعاونين في رسملة المنطقة العربية وأوربتها. وكانت الشركات تدفع الكثير من الأموال والأرباح التي كانت تجنيها للفئات المرتبطة أو المتعاونة معها. لذا كان لابد أن تتشكل طبقة اجتماعية وفكرية متميزة، قادرة وقابلة هي وأبنائها لأن تصبح وتظل قاعدة ومنطلقاً وأداة للتوسع التجاري الاستعماري في الدول العربية. الأمر ذاته كان يترافق مع عملية إنشاء البنوك والمصارف وتجار الترانزيت والفنادق والمطاعم والمكاتب والعاملين في السياحة والخدمات الترفيهية اللازمة لراحة التجار ورجال الأعمال والسواح والموظفين والجواسيس والعملاء العاملين في منطقة الشرق الأوسط كلها. لذلك كان لابد من أن يصبح، وضع لبنان في الشرق الأوسط، مشابها لوضع هونغ كونغ في الشرق الأقصى، وأفضل من وضع قبرص بعد أن تراجع دورها كقاعدة للإنجليز والصهاينة وللمخابرات الدولية للتجسس على الوطن العربي والشرق الأوسط، وبعد أن انتقل هذا الدور إلى الطبقات الجديدة في لبنان خاصة بعد الهيمنة الأمريكية على العالم. 

ولهذا نستطيع أن نقول إن لبنان تحول. من نقطة وصل واتصال ثقافي وحضاري وتجاري بين الشرق والغرب في القرن التاسع عشر إلى مركز لبعض اللبنانيين لنهب فائض كل ما يدخل إليه (الربح الناتج عن البيع والشراء) من الدول العربية النفطية والغنية مع الشركات والدول الغربية. وكان لابد أن ينعكس هذا رفاها على أغلب اللبنانيين يرش عليهم من فوق إلى تحت. 

وكان لابد أن يؤدي تغير طرق التجارة ونشوء كثير من المراكز في دول الخليج إلى توقف ذلك الضخ الخارجي للأموال، إلى لبنان. وبما أن الطبقات الغنية ظلت مستمرة على النمط القديم من الحياة المرفهة، فكان لابد لهذا من أن يحدث خللاً اقتصادياً عاماً (تفاوت طبقي حاد) واختناق وضيق مادي انعكس على الطبقات الفقيرة وكان لابد من أن يحدث تخلخل اجتماعي وبالتالي تباينات وتوجهات فكرية وسياسية. ومن أن تظهر نخب فكرية تدعو للتغيير وللمساواة. 

ومن المؤكد أن الأوليغارشية الحاكمة (الغاشمة) بعد أن تمكنت من استبعاد وإقصاء النخب الثورية بعد الحرب الأهلية الثانية في جميع الأحزاب، من أن تضعف دور كل الأحزاب اللبنانية العريقة. خاصة الوطنية والقومية واليسارية غير الطائفية. وهكذا حصل فراغ ملأته منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية (الإنجي أوز) التي وجدت في هذا الواقع تربة خصبة فنمت كالفطور بسرعة فائقة (حوالي ثلاثة آلاف منظمة وجمعية) وراحت تتغلغل في جميع الأوساط الشبابية ولأن توجد لها قاعدة شعبية واسعة، وشبكة من العلاقات الواسعة مع الشباب النساء (منظمات المرأة والطفل والمعاقين و.. إلخ) الذين يفتقدون للعمل والوظائف ومن ثم العمل على توظيفهم في للقيام بنشاطات وأعمال صغيرة وراحت تضخ الأموال لشراء الكثير من المثقفين والصحفيين والفنانين العاطلين. وهكذا خلقت طبقة من المتحدثين وكثيري الكلام (العلاكين). فغطت بنشاطاتها على جزء من الأزمة المالية التي خلفتها الحرب الأهلية. لكنها على ما يبدو لم تكن كافية للتعويض عما فقده لبنان من التجارة والترانزيت. وبما أن أغلب اللبنانيين ظلوا يمارسون العادات القديمة والنمط القديم من الحياة الذي تبنوه واعتادوا عليه (العيش ببذخ والتمتع واللهو والتحلل من الولاءات الوطنية وتجاه العولمة) فكان بد من تظهر أزمة جديدة مختلفة عن أزمة عام 1974 وبشكل مختلف خاصة لأن البقاء في حالة تبعية للخارج لم تعد مجدية لأن الخارج لم يعد يجد في لبنان لطبقة تخدم مصالحه في المنطقة التي تم استيعابها. وهذا ما انعكس على العمالة اللبنانية في إفريقيا والمشرق العربي خاصة في دول الخليج والسعودية والمعروفة بالثراء. والتي عندما قررت وقف ضخ المساعدات والهبات المالية المقدمة للحكومة (على شكل قروض أو منح أو مساعدات أو هبات للزعماء. أو تلك الممنوحة لمنظمات المجتمع المدني ومنظمات الإنجي أوز) من أن تنعكس في ظل الفساد المالي الذي اتضح من خلال ما كشفت عنه الصحافة المحلية على الوضع السياسي العام. وهنا قامت الطبقة الحاكمة خوفاً من رد الفعل الجماهيري بتحويل قسم كبير مما يرد إلى لبنان ويدخل إليه إلى الخارج بدلاً من أن يبقى في الداخل أو يصرف فيه في التنمية والتطوير مما يحسن وضع الفئات الفقيرة. فكان لابد أن للدول المانحة من التوقف عن الدفع المجاني والعبثي للطبقة الحاكمة. حيث لا يمكن أن تظل تدفع إلى ما لانهاية لمجموعات فاسدة ومبذرة ومنخورة. وهكذا أضيف للطبقة القديمة (إلى جانبها) مجموعة من الطفيليين والمرتشين والشبيحة الجدد والمنتشرين في جميع المناطق. والمتلونة والمتنقلة بين قيادات وزعامات الطوائف. ولم تعد تقدر على أن تدفع للموالين لها كما كانت تفعل من قبل مع أنها كانت تعرف أن قياداتها مرتبطة بالخارج الذي لم ولن يدفع هكذا دون مقابل (بعد أن حقق أغراضه). وبما أن الطفيليين معتادين على الصرف بلا مبالاة مع عدم توفر انتاج محلي وبأكثر مما تدره السياحة وبأكثر مما ينتجه البرجوازية الوطنية والصناعيين. أو مما يمكن أن يربحوه مما يصدر إلى الخارج. وكان لابد من أن ينعكس ذلك على القوى المنتجة ضيقا وغضبا. ومن أن يخلق أزمة تطال البرجوازية الصغيرة والمتوسطة (مدرسين وأطباء ومحامين وصحفيين وأساتذة جامعيين و..إلخ). 

ومن الطبيعي أن تعمل القوى الطفيلية (الطائفية القديمة والجديدة) والتي تعيش على العلاقة غير المتوازنة. في ظل الأزمة الخانقة من ابتداع وسائل وطرق جديدة لمنع وخنق أي عملية تغيير في معادلة التبعية المالية للخارج، والتي كان يرنو لها الثوار الجدد. 

 

الداخل إلى لبنان: 

رغم عدم وجود إحصائيات دقيقة لما ينتجه لبنان ولما يدخل إليه من الخارج. لكن من المؤكد (استناداً لما قدمه كثير من الباحثين في الاقتصاد) أن ما يستهلكه اللبنانيين بات أكثر مما ينتجونه وأكثر مما يدخل إليهم. وهذا كان لابد أن يؤدي إلى الاقتراض ومن ثم إلى تراكم الديون ومن أن يخلق أزمة مالية في لحظة ما. باعتبار أن نسبة الدين العام في لبنان مقارنة بالناتج المحلي (كما تشير الإحصائيات الاقتصادية) باتت في عام 2019 تزيد عن 140% وهي تكاد تكون من أعلى النسب في العالم. لهذا فإن لبنان بدلاً من أن يعيش على سطح صفيح ساخن كما في السابق، فلقد بات اليوم يعيش على فوهة بركان لا يعرف أحد متى ينفجر” وهذا ماكتبته الصحافة اللبنانية الثورية. 

وعلى ضوء هذا الواقع كان لابد لهذه الطبقة الحاكمة التي باتت أقرب إلى عصابة من أن تتحد وتتفاهم. كي تحافظ على بقائها، على الرغم من وجود تناقضات قوية بينها على توزيع الحصص، التي لا يمكن أن تخفي على أحد بل تظهر أحيانا لعامة الناس بصورة فاقعة. وكان لابد أن تتغير نسبها على ضوء وتتكيف مع تغير الواقع المحلي والإقليمي والدولي اليوم كما المزاج الشعبي والوعي العام. وكان عليها أن تعي أن الزمن الحالي يختلف عن الزمن الذي نشأت فيه وبأنه بات يلفظها ولا يريد أن يدفع لها لعدم وجود ضرورة للدفع. وطالما أنه لم يعد في عالم اليوم من يدفع مجانا أو كنوع من المساعدة الإنسانية المجردة خاصة لفئة فاسدة ومنحلة. 

سنورد للتأكيد على هذا التحول. ما ذكرته صحيفة الأخبار اللبنانية (المدعومة والداعمة لسوريا وإيران وحزب الله وحركة أمل والعهد) في عددها الصادر يوم 28 تشرين أول (ذكرت على لسان فيفيان عفيفي) بناء على تقارير صادرة عن (كريديت سويس)، حيث تبين أن الثروات الشخصية في لبنان ارتفعت خلال عام (من 2018 الى 2019) من 140 مليار دولار إلى 232 مليار (خلال حكم تحالف الثلاثي، عون – بري ونصر الله – الحريري). 

كما أشار التقرير إلى أن 91 مليار دولار منها كانت محصورة بثلاثة آلاف فرد من اللبنانيين. تبين لاحقاً أن تلك الثروة السريعة سقطت فقط على أشخاص متنفذين منهم رجال أعمال يديرون الأمور في الخفاء لمصلحة السياسيين المتنفذين. وإذا كان من هرب ما مقداره علناً بعد الثورة ما بين أربع إلى ست مليارات دولار من البنوك لم يكن ولن يكون من الشعب بل من هؤلاء المتنفذين. لتخلص الكاتبة إلى القول “إذا كان ثمة مؤامرة على لبنان فهذه هي المؤامرة”. (الأمر ذاته ينطبق على سوريا والعراق و.. إلخ). 

 

جردة حساب أخيرة: 

وهذا طبعاً يفترض أن يعيدنا لطرح سؤالين الأول: ما هو مصدر هذه الأموال التي نزلت على لبنان خلال العام الفائت (سبعين مليار دولار) ؟ والثاني أين ذهبت وكيف صرفت وعلى ماذا؟ ولماذا على هؤلاء الأشخاص فقط؟ (المسؤولين والسياسيين اللبنانيين ورجال الأعمال المرتبطين بهم بخيوط خفية؟ ولماذا هربوها الى الخارج؟ 

والسؤال الأهم: لماذا كانت الأموال الخارجة من لبنان. خلال السنوات السابقة (والتي قدرتها تقارير لبنانية وعالمية بما يزيد عن مئتي مليار دولار) أي أكثر من الداخلة إليه بمقدار الضعف؟ مما كشف العجز المالي الكبير وجعل الدولة تقصر في خدمة الدين الخارجي؟ وهذا ما جعل المصرف المركزي والمصارف اللبنانية تعجز عن دعم الليرة اللبنانية والاقتصاد اللبناني وما أدى إلى انخفاض قيمتها وارتفاع الأسعار. 

 

خطر الطغمة الحاكمة: 

واهم من يعتقد أن لبنان بصورة خاصة. قادر على أن يعيش بسلام أو بحيادية أو أن يتحرر من الخطر الصهيوني أو من خطر التبعية للخارج (بطرفيه) أو لأن يتحرر سياسياً واجتماعياً واقتصادياً إن لم يتحرر أولاً من هذه الطبقة الطفيلية الفاسدة (الطغمة) أكثر من غيره من الشعوب العربية. وثانياً من دون أن يعمل على التحرر من هذه العلاقة الاقتصادية التي فرضتها تلك الطبقة المستندة على المديونية والنهب والتحويل للخارج. وبما أنها لم تعمل على أن يعتمد لبنان على إنتاجه الزراعي والصناعي ومن الاستفادة من السياحة النظيفة القائمة على جمال البلد وطبيعته الساحرة وشعبه المنفتح على العالم. وهي لا شك لو فعلت لكانت كافية لأن تجعله قادراً على العيش بكرامة، دون تبعية لأي طرف ودون ديون. وتجنب البلد الكارثة الحالية. 

لكن هذه الطبقة التي نشأت أساساً على الارتزاق والتعايش على الغير والتطفل على أبناء شعبها وسرقته. لم تلجأ لذاك الخيار على الرغم ما شهدته من ثورات في بلدان الجوار. وأعتقد أنها لن تلجأ لهذا الخيار مطلقاً كونه يتناقض مع تركيبتها وبنيتها الأساسية. 

ربما بعد ثورات الربيع العربي، وبعد أن أدركت أن البلل سيطالها وبأنه لا الخارج ولا الداخل بات يقبل بها ولن يحميها، بل سيعمل على تغيرها. لذلك بدأت تهرب الأموال التي سرقتها إلى الخارج وبالتالي كان لابد أن يأتي وقت يعجز فيه لبنان عن سداد الديون التي استلفتها سابقاً. لأن تلك الأموال قد هربت ولم تعد بتصرف المصرف المركزي والمصارف والبنوك اللبنانية. وهذا طبعاً سيزيد من عمق أزمة المديونية على الميزانية العامة. وزيادة في العجز عن السداد. مما سينتج عنه لاحقاً عجز في قدرة الحكومة أو البنك المركزي على دفع الأموال اللازمة لاستيراد المواد الضرورية لمعيشة الشعب اللبناني (السيارات والكهربائيات ومواد الرفاهية والطاقة والمواد الطبية والأدوية) وهذا لابد أن يوسع نطاق الأزمة (خارجياً) مع الدول المعروفة بالصديقة. ومن زيادة الفوارق الطبقية داخلياً. ولابد من أن ترتفع الأسعار ويرتفع سعر صرف الدولار. ومن أن يتضاءل حجم ومستوى دخل كلاً من الطبقة المتوسطة والبرجوازية الصغيرة، وأن ينزل إلى مستوى الطبقة الفقيرة. حيث بالأرقام زادت نسبة المهمشين ومن يعيش منهم دون خط الفقر عن (40%). 

وطالما أن الطبقة الحاكمة، وإن اختلفت على الحصص لكنها (كما في جميع البلدان) تظل متحدة وموحدة في رفض إعادة ما نهبته أو سرقته من الشعب. وليست مستعدة لتغيير أسلوب عملها. بل ستظل تعمل كما العادة على جعل الشعب يدفع تلك الديون التي استلفتها هي وسرقتها وحولتها للخارج. لذلك عملت وستظل تعمل: 

أولاً: على منع أي محاسبة للصوص والفاسدين ومن سرقوا الأموال التي قدمت للبنان والحيلولة بكل الوسائل لمنع استعادة الأموال المنهوبة والمُحولة للخارج. وبالتالي على منع أي عملية إصلاح خاصة للسلكين المالي والقضائي. 

ثانياً: منع التحول نحو المجتمع المدني والديمقراطية، وهو ما اتضح في عملية حرق نصب قبضة اليد الجامعة والقوية التي أشادها اللبنانيين الثائرين والتواقين للحرية وبناء عالم جديد والتي نصبت في ساحة رياض الصلح كرمز للوحدة الوطنية والكرامة والعزة الوطنية. وكرمز لوحدة الطوائف الخمس الأساسية كما تعمل أصابع اليد الواحدة وكرمز للتكتل لتحطيم القيود والمعادلة الطائفية لبناء لبنان جديد. ورمزاً للتقدم والتنوير والحرية. وبالتالي فإن حرق هذا الرمز فجر يوم الاحتفال بالعام السادس والسبعين لاستقلال لبنان 22/11/2019. عملية عدوانية موجهة ضد الشعب اللبناني، وضد ثورته وتوجهاته الجديدة. (ومعادية لاستقلال لبنان في مناسبة عيد الاستقلال) يشي وينذر بوجود نية خبيثة مضمرة لدى بعض الجهات اللبنانية لحرق الثورة والثوار ولمنع أي تحول في لبنان والمنطقة حتى لو أدى لحرقها. 

كما يشير من ناحية أخرى إلى أن بقاء هذه الرموز يقلق القوى الخارجية كما الداخلية التي ترفض أن يصبح لبنان مستقلاً موحداً، سوياً مزدهرا ومعافى. وسوف تسعى وتعمل كل ما باستطاعتها على أن يبقى لبنان مفتتاً ومنصة أو قاعدة لإبقاء المنطقة العربية مدمرة ومفتتة. وهي في هذا تخرج عن كونها مجرد حركة داخلية مضادة للثورة، بل استمراراً لحركة إقليمية دولية معادية للثورات العربية، ولتطلعات الشعوب العربية وبخاصة في لبنان. 

ثالثاً: اتهام الثوار بالعمالة للخارج، من هو العميل للخارج؟ هل من قبض ويقبض الأموال ويهربها إلى الخارج، أم الشعب الفقير الذي لا يملك القدرة على سحب مدخراته ليعيش؟ 

بما أن هذه الأموال كانت ترش من الأعلى إلى الأسفل على مناصري واتباع كل حزب أو تيار أو طائفة، فكان لابد أن يخلق هذا الضخ من جديد تعصبا أقوى من السابق لزعيم هذه الطائفة أو تلك، أو لمن يتحدث باسمها حسب قربه من القمة. ليتلافى الآثار السلبية للأزمة المالية الحالية. وهذا ما يفسر العودة لمطالب صندوق الدولي الذي ترعاه أمريكا ومن العمل على تعميق الولاء الطائفي داخل لبنان كطريق رئيس للهروب من الاستحقاقات المطلوبة على خلاف بقية الدول العربية التي تم فيها تغييرات في القمة. ولعل هذا ما وسع من دائرة القوى البعيدة عن الطائفية وخلق تياراً واسعاً في لبنان يرفض الطائفية ويخرجه من ثوبه الطائفي ومن التبعية للخارج. لأنه يرفض أن يقبض من الخارج. 

وبما أن مصالح هذه الدول باتت اليوم متناقضة أو متعارضة ولو اقتصادياً فقط، فلابد من أن تنعكس هذه التناقضات بمزيد من التقلب والانتهازية والفساد الأخلاقي والنفسي والتلون والكذب والنفاق وهو ما سينعكس سلباً على أكثر بل جميع اللبنانيين. وهذا ما سوف يسمح لهذه الدول بل يشجعها عن طريق وكلائها المحليين للتدخل في الشأن اللبناني كلما لاح في الأفق حل ما. وهذا ما قد يجعل من حل المسألة اللبنانية شبه مستحيل. لهذا نرى أن فهم هذه المسألة كان عاملاً مهماً لدى كل من يسعى لحل المسألة اللبنانية حلاً جذرياً. 

رابعاً: تغير التحالفات الداخلية، ما جرى على أرض الواقع يشير إلى أن الشراكة والتحالف مع الفاسدين عملياً وعلى أرض الواقع جعل كل من هو نظيف مجبرا على التعاطي مع فاسد،وبالتالي لأن يصبح موطئ قدم في حكومة فاسدة، وكان لابد لكل طرف فيها من أن يعمل على تمرير ما يريده (أو أن يسكت أو أن يقبل بما يريد الطرف أو الحلف الخارجي المناقض له سياسياً وايديولوجياً من تمريره. ومن لم يتشارك مع الفاسدين مثل التيار الناصري (معروف سعد أو كمال شاتيلا أو نجاح واكيم أو.. إلخ) سيخرج من الحياة السياسية وينتهي. وهذا ما كان وما زال سبباً رئيسياً ليس في تعطيل الحياة السوية في لبنان وتراكم القمامة وتعتيم، وتدمير لبنان وشعبه وتفتيته إلى طوائف متناحرة. بل كان ومازال يصب في المحصلة والنهاية لمصلحة إسرائيل. 

نخلص مما سبق: إلى أن من يحمي الفساد والفاسدين هو المتآمر على لبنان. وهو ما يتجسد بالنظام الطائفي القائم على المحاصصة واقتسام المغانم وبأنه هو أساس التآمر على لبنان وليس من ثار على الطائفية. ونشير هنا إلى أن كل من يتمسك بالطائفية والمذهبية بعيداً عن المواطنية هو دون أن يدري كان ومازال متآمراً وحليفاً داخلياً وطبيعياً ودائماً للقوى المعادية للديمقراطية والحرية في لبنان وعليه وهو دون أن يدري عميل بقدر ما للخارج (المافيا العالمية)، بل وعدو للبنانين ولكل شرفاء العالم. كما هو في الوقت ذاته حليف غير مباشر أو معلن للصهيونية. باعتبار أن وجود نظام طائفي في لبنان يشكل دعماً سياسياً وفكرياً لوجود وبقاء إسرائيل القائمة على الطائفية (دين واثنية). 

ومن هذه الزاوية يفترض أن نقيم كل القوى المذهبية والطائفة وبخاصة حزب الله (باعتباره أكثر الأحزاب طائفية وعداء للعلمنة والديمقراطية والدولة المدنية). فحزب الله بات أكثر القوى محاربة للتوجهات الداعية لإقامة الدولة المدنية الديمقراطية في لبنان. على الرغم من تقدير تضحيات شبابه. إلا أن هذا لا يمنع من رؤية أنه بسبب ما يقبضه من أموال من دولة أجنبية تحمل أيدلوجية دينية ومذهبية ذات نزعة مغرقة في الطائفية والتعصب الأعمى. يضع نفسه خارج أخلاقيات وقيم يدعيها، إلى جانب ظهوره أثناء الثورة معادياً للديمقراطية والدولة المدنية التي يطالب بها الشعب اللبناني. 

فالأموال التي يتلقاها الحزب من إيران. (هي أموال منهوبة من خيرات الشعب العراقي. لأننا نعرف أن إيران تعيش ضائقة اقتصادية وحصار مالي. وذلك بناء على ما جاء على لسان نائبة عراقية علناً، “لدي وثائق تثبت سرقة المسؤولين العراقيين الموالين لإيران. خلال السنوات العشر السابقة مبلغ يزيد عن مئتي مليار دولار (في تقرير صدر في العراق عام 2021 قدر المبلغ بما يزيد عن 300 مليار دولار) ضُخً أغلبها عن طريق (قاسم سليماني) إلى سوريا ولبنان وإيران”. سحبت من أفواه أطفال العراق. ومثل هذا الأمر لا يمكن أن يتم دون علم المخابرات الأمريكية أو دون وموافقة بل مباركة المحتل الأمريكي. 

وهذا ما يجب على أنصار الحزب أن يعرفوه، من أن “المال الذي يتنعمون به، قد يكون مال مسروق من أفواه أطفال الشعب العراقي وعلى حساب عيشه الكريم وبرضى وبموافقة أمريكا. 

 

 

 

 

الفصل الثامن عشر:
لبنان بين طريقين ومحورين وخيارين

 

رؤية عامة: 

ضمن المدى المنظور بات الاقتصاد الحر أو ما يسمى اقتصاد السوق الرأسمالي والتجارة الحرة، بمثابة الخيار الوحيد المطروح أمام البشرية من الناحية الموضوعية (مع أنني كالكثيرين ضد هذا التوجه) وهذا ما يجبرنا على حصر البحث والنقاش فقط في كيفية التقليل من أخطار هذا التوجه من ناحية. دون أن نغفل من ناحية أخرى أننا ضمن هذا التوجه يفترض أن نجعل النقاش والبحث محصوراً (نحن سكان الوسط والهامش) ومفتوحاً على طريقين موجودين عملياً – ضمن بنية الليبرالية، طريقين لا علاقة لهم بالأيديولوجية ولا بالنظرية الاقتصادية أو النظر والتنظير والتوجه الفكري أو الأخلاقي. بل مرتكزا على الجغرافيا والتاريخ. أحدهما يدعو إلى التوجه شرقاً نحو الصين عبر إيران (مع تجاهله لليابان مع أنها تقع في أقصى الشرق). والآخر يدعو للتوجه غربا تجاه أوروبا كما كان عبر التاريخ الطويل. 

وهو ما يسهل علينا مهمة التصدي بالنقد للتوجه شرقا أو للخيار الصيني الإيراني. وهو الخيار الذي تقوده مجموعة من الصحفيين والمفكرين العلمانيين الكبار أمثال ناصر قنديل وحسن حمادة، المنتمين والمدافعين عما يسمى محور المقاومة والممانعة. 

 

الماركسيين الخمينيين: 

يبدو لي أن بعض الماركسيين الذين لم يعد بمقدورهم التخلي عن ثقافتهم الماركسية، التي تربوا عليها سابقاً. للحفاظ على توازنهم الفكري سعوا إلى الجمع بين الماركسية والخمينية فراحوا يعملون على توحيد مادية ماركس مع روحانية (غيبية) وفقه الخميني. مما يجعلنا نطلق عليهم مصطلح الماركسيين الخمينيين. كما كان يطلق سابقاً مصطلحات مثل الماركيين اللينينين والماركسيين التروتسكيين والماركسيين الماويين والغيفاريين.. إلخ. 

وبما أن كثيراً من هؤلاء المنظرين هم من العرب القوميين والعلمانيين والماركسيين اللبنانيين، بعد سقوط التوجه الاشتراكي في العالم قد تقدموا استجابة لدعوة الخمينيين ممثلين بالسيد حسن نصر الله بتقديم رؤية تسعى إلى إخراج لبنان واللبنانيين من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها بلدهم منذ عدة سنوات. ( وهنا لابد من أن نعترف بأنهم كانوا من السباقين في الإحساس بما بات لبنان يعاني منه اقتصادياً) لأنهم أدركوا أن هذا الوضع كان نتيجة للدور الإيراني الجديد في لبنان وبأن أحد نتائجه الاقتصادية والسياسية والتي فرضها الحزب على لبنان، لهذا كان لابد أن يكون سباقاً في البحث عن مخرج لهذه الأزمة اقتصادية. وكان لابد أن يندفع المفكرين اللبنانيين إلى البحث عن مخرج من هذا الوضع الذي أوصلهم إليه الحزب. وذلك من قبل أن يبدأ الحراك الشعبي في الشارع اللبناني يوم 14/10/2019). 

فشغلوا أدمغتهم وقدموا حلولاً، واتخذوا من صفتهم القديمة كيساريين قناعا للدفاع عن المواقف المشرفة التي وقفها اليسار سابقاً في الدفاع عن الشعب ولقمة عيشه. وكنوع من الحفاظ والدفاع عن نهج محور المقاومة والممانعة الجديد نسبياً والذي روجت له إيران (مقارنة بالمحور الثوري الماركسي القديم) غطاءً، ليس لمواجهة الحراك الشعبي المخنوق اقتصادياً. بل ولنسف ومواجهة كل القيم الوطنية والعروبية الديمقراطية والثورية التي تربوا عليها. ونحن هنا إذ نتناول هنا وجهة نظر أحد أبرز هؤلاء المنظرين بالتحليل والنقد فلأنها تتفوق على غيرها من الرؤى بالوضوح وقوة الحجة. 

 

طريق بيروت دمشق بغداد طهران (طريق المقاومة) : 

تقدم المنظر الماركسي “ناصر قنديل” برؤية للبنان المستقبل (مع التسليم المسبق ببقائه في دائرة الاقتصاد الحر). رؤية تمكن اللبنانيين الذين يحلمون بإمكانية قيام لبنان قوي، من خلال ربطه بمحيطه الإقليمي والدولي. من منطلق أن لبنان كما قال السيد ناصر “ليس جزيرة معزولة ولا يمكن أن يعيش بمعزل عن محيطه العربي والإقليمي وبخاصة عن سوريا”. وهذا صحيح تماما، لذلك انحصر في هذه العلاقة فقط وانطلق من هذا الوضع الجزئي لحل أزمات لبنان كلها. وكخطوة أولى دعا إلى البدء بإعادة العلاقات التامة ورسمياً مع دمشق (بعد أن انقطعت عام 2011 تمشيا مع قرار جامعة الدول العربية القاضي بقطع العلاقات مع النظام السوري بعد الأحداث الدامية التي شهدتها المدن السورية) ليتم بعد ذلك توسيعها مع العراق وإيران والصين والعالم كله. بسبب أن سوريا كما يرى تحيط بلبنان و”تشكل المخرج الوحيد له على العالم الخارجي”. 

مع تأكيده على أن “ذلك ليس انعكاسا لرغبة ذاتية بل تماشيا مع حقائق موضوعية تفرضها الجغرافيا قبل السياسة”. أي بغض النظر عن نوع الحكم القائم في دمشق. وهنا عندما وقع السيد ناصر قنديل في خطأ سياسي. كان لابد أن يقع في خطأ منهجي وفكري أخطر من الخطأ الجغرافي. 

حيث لا يمكن فصل السياسة والمبادئ والبنية عن الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد. فتجاهل ماتقدمه الجغرافيا الاقتصادية، والتي تشير إلى وجود منفذين آخرين للبنان على العالم الخارجي أحدهما نحو فلسطين المحتلة والآخر البحر تجاه البحر. كذلك توجد في السياسة عدة منافذ للبنان على غير سوريا. فإذا كانت السياسة والقيم هي التي منعته وتمنعه من الذهاب إلى “تل أبيب” كونها محتلا غاشما فيفترض أن تمنعه ذات القيم الثورية (ذات الجذور الماركسية) المدافعة عن حق الشعوب في الثورة والداعية لإسقاط النظم الفاسدة والاستبدادية. من الذهاب أيضاً إلى دمشق. ليس لأن نظامها يشكل قمة الاستبداد والقمع، بل على الأقل تماشيا مع القرار العربي والشعبي واللبناني المتوافق على سياسة النأي بالنفس بعيداً عن الموقف الثوري والمبدئي الذي يعارض الانفتاح على النظام المجرم القائم في دمشق على الأقل حتى يتحقق السلام في سوريا. بما يفهم منه: 

أولاً: أن السيد ناصر قنديل (الماركسي الخميني) يسعى لأن يستغل الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان كي يفتحه على النظام (والأصح ليفك العزلة عنه، وليس عن لبنان فالنظام المأزوم لا يمكن أن يحل من هو أقل منه مأزومية) مع أنه كما يعرف كان سبباً رئيسياً في إدخال لبنان وشعبه في جميع أزماته الراهنة. بسبب عمليات النهب التي مارسها ضد لبنان وشعبه. وعلى الرغم من أنه يعرف أن هذا النظام بات مرفوضاً في الساحة اللبنانية ومعزولاً دولياً وعربياً، لدرجة بات يعتبره كثير من المواطنين العرب واللبنانيين نظاماً قاتلاً ومجرماً يجب أن يسقط. 

وبذلك يكون دون أن يدري. وضع نفسه وإيران ومحورها في معارضة مع قسم كبير من الشارع العربي واللبناني الوطني. 

ثانياً: إذ يسعى السيد ناصر (كماركسي) إلى إخراج لبنان من أزمته الاقتصادية الخانقة فعلاً والناتجة عن رائحة القمامة وانقطاع الكهرباء وارتفاع كلفة معيشة أغلب المواطنين اللبنانيين، دون أن يتعرض لبنية النظام اللبناني القائم حالياً والذي كان ومازال سبباً لها، بأي نقد، ومن دون أن يحمله أية مسؤولية عما وصل اليه لبنان من أزمات بنيوية. ودون أن يبدأ بالعمل على تغيير النظام الذي كان ومازال يقف ضده، مع أنه يعرف أنه هو الذي أوصل لبنان إلى هذه الأزمة. باعتبار أن أزمة الكهرباء وارتفاع كلفة المعيشة وانهيار قيمة الليرة اللبنانية وغيرها، بدأت منذ أن كان النظام السوري يحكم لبنان وبأن كل ما حصل في لبنان كان بسبب ما ارتكبه ذلك النظام من فواحش وعمليات سرقة ونهب (حوالي تريليون دولار) خلال ثلاثين سنة من وجوده في لبنان. بما يعني: 

ثالثاً: أنه يريد أن يهرب من مواجهة المسائل الداخلية الحقيقية والكثيرة، والتي نجمت عن الوجود السوري ولما خلقه في لبنان وما خلفه قبل وبعد أن خرج. من هيمنة لحزب الله على لبنان. هو ما أدى فعلاً إلى هذه الأزمات والتي تتطلب تغيير كل النظام الذي أوصل لبنان إلى هذه الهاوية، بالمحافظة عليه، بل وإلى إبقائه أسيراً للتوجهات والسياسات السابقة التي أوصلته إلى هذه الهاوية، والتي قد تجر لبنان إلى هاوية أسحق فيما إذا اتبعها أو ظل أسيرا لها. 

رابعاً: يسعى استغلال هذه الأزمة لتمرير حل يحول دون فسح المجال للبنانيين وغيرهم للتفكير والبحث عن منهج وطريق آخر غير النهج والطريق الذي سار فيه وعليه لبنان منذ ما يزيد عن ثلاثين عاماً بعد الاحتلال السوري. أو بعد المسار الذي أوصله اتفاق الطائف لما هو فيه اليوم. 

خامساً: وهو الأهم يسعى. دون أن يدري. إلى الإبقاء على البنية الطائفية ومنطق الزبائنية والمحاصصة والتعصب الضيق بكل أشكاله خاصة الفكري والمذهبي والذي سار عليه لبنان منذ أكثر من سبعين سنة. للتهرب من النهج الآخر الأشمل. نهج الليبرالية والانفتاح على العالم كله، خاصة الحر والديمقراطي (بعد أن أُغلق الخيار الاشتراكي في العالم). 

 

نهج الانفتاح على العالم: 

أولاً: تؤكد الجغرافيا (نفسها التي تحدث عنها السيد ناصر) على أن لبنان له مخرج آخر على العالم مخرج من خلال البحر عرفه اللبنانيين منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة، منفذ أو سع من المنفذ الذي تشكله سوريا على الوطن العربي وإيران. ونؤكد على أن هذا المنفذ لم يغلق يوماً سواء في التاريخ القديم أو الحديث للبنان والذي بات مميزاً له. ونذكره بأن هذا الانفتاح على البحر والعالم هو ما جعل ويجعل الشعب اللبناني قادراً على البقاء من جهة، وجعله من جهة أخرى أكثر شعوب العالم العربي تطوراً وتقدماً بسبب انفتاحه على العالم الحر، وهو ما جعله أكثر حباً للحياة وببلده. 

ثانياً: إن نكران أو تجاهل هذه الحقيقة الموضوعية تعكس من البداية ليس نقصا في المعرفة بتاريخ لبنان وموقعه بل انحرافا في طريقة النظر للجغرافيا لابد أن تنعكس سلباً على معيشة ونمط حياة غالبية اللبنانيين. وهو إذ يغلق هذا المنفذ على العالم من خلال البحر. وهو المنفذ الذي خرج منه أجداد اللبنانيين (الفينيقيين الذين يتغنى بهم اللبنانيين) على العالم، بل ومن خلاله تحكموا بأهم المرافق التجارية المطلة على الجانب الشرقي من البحر الأبيض المتوسط خلال عدة قرون. يغلق على اللبنانيين المنفذ الذي أخرجهم وسيخرجهم من أغلب أزماتهم. وليس التوجه عكسه. 

ثالثاً: وبما أن هذا المنفذ (البحر الواسع) هو الذي دخل منه الغرب إلى لبنان ومن خلاله دخل إلى المنطقة العربية كلها. وهو الذي جعل لبنان متقدما على غيره من البلدان العربية. وبما أن الليبرالية الغربية والاقتصاد الحر بات سائدا بعد سقوط المعسكر الاشتراكي في لبنان أكثر من غيره فإنني أعتقد أن لا بديل عن ذاك الخيار. وبأنه هو الخيار الأنسب والذي يمكن أن يخرج لبنان من أزماته ويجعله متقدما على غيره كما كان. 

ونذكر السيد ناصر بأن أوروبا مع كل سيئاتها وملاحظاتنا عليها، إلا أننا لا نستطيع أن ننكر أنها أوجدت في لبنان بنية تحتية ونهضة فكرية أتاحت المجال لكبار المفكرين اللبنانيين اليازجي ونعيمة وجبران، خلق أسس التحرر من الهيمنة العثمانية في المنطقة العربية كلها. وبأنها هي التي مكنت اللبنانيين من أن يقيموا لأول مرة في المشرق العربي البنوك والمصارف وتجارة الترانزيت والمطابع التي كان لها دور كبير في نشر الوعي والثقافة القومية والليبرالية وحتى الثقافة الماركسية (آل عيتاني) في المنطقة كلها. وفي تأسيس مؤسسة الكهرباء ومؤسسة المياه والترامواي والقطار والمشافي والمدارس الحديثة والجامعات (خاصة الأمريكية التي يتباهى بها لبنان) إضافة إلى نمط الحياة الأوروبي وبخاصة الحرية الشخصية وحرية الصحافة الذي تمتع بها اللبنانيين بعيداً عن بقية شعوب وبلدان المنطقة التي كانت وما تزال أغلبها تخضع للبنى الريعية والإقطاعية القبلية والطائفية والمذهبية والفكر الظلامي. 

رابعاً: إلى أن التراجع الاقتصادي الحالي الذي يعاني منه لبنان تعود جذوره وبداياته إلى المرحلة التي هيمنت فيها سوريا على لبنان ونهبته وخنقته اقتصادياً منذ عام 1976. ولم يكن ذلك نتيجة لمعاداة الغرب والعرب لنهج المقاومة الذي قاده الحزب لأنه حصل قبل أن يظهر الحزب للوجود. 

وهنا نذكر السيد ناصر بما كتبه (مهدي عامل) بأن لبنان بعد أن كاد يخرج من النظام الطائفي عام 1975، جاءت الحرب الأهلية في ذلك العام جاء التدخل السوري ليمنع تحول لبنان من النظام الطائفي إلى نظام مدني ديمقراطي. وبأنه لما كاد ذلك النظام الطائفي (القائم على المحاصصة الطائفية) يسقط ويتهاوى جاء التدخل السوري بغطاء (أمريكي) وعربي (سعودي) كما يعرف هو قبل غيره ليحول دون ذلك التحول. وهو (ما يخالف أحاديثه السابقة). وعلى عكس ما سعى السيد ناصر ومعلمه الترويج له “من أن سوريا سعت لإخراج لبنان من هذه البنية الطائفية”. بما يؤكد على أن من منع تحول لبنان وحال دون إخراجه من النظام الطائفي إنما كانت سوريا بغطاء أمريكي سعودي توافقا مع ما يريده زعماء الطوائف وإسرائيل. التي كما يعرف السيد ناصر سعت منذ البداية على تثبيت أنظمة طائفية ودينية في المنطقة كي تبرر قيامها هي على أساس ديني ولكي تقوم هذه الأنظمة بدعمها أو بتلقي الدعم منها. بما يفهم منه أن تواجد سوريا (المنفذ الوحيد حسب ما يزعم السيد ناصر) في لبنان منذ عام 1976 بموافقة أمريكية سعودية، لم يسمح في السابق بقيام نظام ديمقراطي ولن يسمح حالياً بوجوده اليوم. 

خامساً: يعرف السيد ناصر كما غيره من الوطنيين واليساريين اللبنانيين، أن تواجد النظام والجيش السوري حوالي ثلاثين سنة هو الذي منع تحويل النظام في لبنان إلى نظام مدني وثوري، أولاً من خلال قمعه للمقاومة الفلسطينية. ومن ثم في تدميره وسحقه للمقاومة الوطنية والتقدمية واليسارية للبنانيين الشرفاء. وبالتالي كان النظام السوري بمثابة العامل الخارجي المساعد للقوى الطائفية والعميلة لإنقاذ وإعادة وترسيخ النظام الطائفي الذي (يشتكي منه قنديل) والذي كان سبباً في جميع الخراب والأزمات التي عانى لبنان منها. بل وفي تراجع دور لبنان على كافة المستويات. خاصة في مجال نشر الحرية الفكرية والسياسية منذ ذلك اليوم وحتى الآن. ومن ثم حصره في الحلف الشيعي الظلامي الاستبدادي الممتد من الضاحية إلى السيدة زينب وكربلاء (وليس النجف) حتى قم. وبأن تراجع هذا الدور الذي كان للبنان انعكس من يومها على العرب جميعاً ظلاماً وتخلفاً واستبداداً. 

سادساً: نذكر اللبنانيين أن ما نهبته القوات السورية بعد دخولها لبنان حتى اليوم بذريعة وقف الحرب الأهلية أو مقاومة الاحتلال الذي لم يكن موجوداً يوم دخولها والذي كان دخول القوات السورية سبباً رئيسياً في حدوثه). يعادل نصف ما بناه وجناه اللبنانيين خلال حوالي مئة سنة. وبأن ما نهبته القوى اللبنانية المتنفذة بغطاء وحماية لصوص وبلطجية رجال الأمن والمخابرات وضباط وعناصر الجيش السوري والمسؤولين السوريين العقائديين (حتى صغار البعثيين) لمصلحة فئة صغيرة (توسعت كثيراً فيما بعد) من اللبنانيين المتحللين والطفيليين والفاسدين، يفوق ذلك بكثير. 

وهو ما يؤكد على أن ذلك النهب الخارجي والداخلي الذي تعرض له لبنان خلال الوجود السوري في لبنان (حوالي ثلاثين عاماً) شكل من ناحية ثانية خلفية أساسية عمقت الأزمة الاقتصادية الراهنة من جهة، وكرست من جهة ثانية الهجرة والتبعية لسوريا ولنظام الولي الفقيه وملاليه. وهذا ما كان سبباً رئيسياً في تردي الوضع المعيشي والنفسي والفكري للبنانيين، وفي نشوء المعارضة الشعبية الواسعة حالياً، مما أدى إلى تحول الحراك الشعبي من انتفاضة إلى ثورة عارمة. 

نؤكد على أن الدعوة إلى إعادة العلاقات مع سوريا كما على غيرها هي ضرورية وستنعكس إيجابياً على لبنان وشعبه فقط، عندما يكون في سوريا نظام ديمقراطي وعلماني فعلاً وليس نظاماً استبدادياً وقاتلاً. فمن قتل ويقتل ويفتك بشعبه لن يقصر في الفتك بلبنان وبشعبه كما فعل سابقاً خلال حوالي ثلاثين عاماً. بما يعنى أيضاً أن الدعوة إلى عودة العلاقات مع نظام يقتل شعبه ويهجره (ما يزيد عن مليوني من أبناء بلده إلى لبنان فقط. أكثر من مليون دخلوا لبنان منذ عام 1976) ومازال سبباً في جزء كبير من أزمة لبنان الاقتصادية الراهنة. بما يعني أن الانفتاح على نظام كهذا بات يعاني من أزمة خانقة، لن يحل مشاكل لبنان بل سوف يزيدها تعقيداً إن لم نقل سيزيدها ويعمقها. بل المطلوب هو على العكس تماماً، المطلوب من الشعب اللبناني الثائر أن يقف إلى جانب الشعب السوري الثائر على النظام الفاسد والمجرم الذي دمرهم ودمر لبنان ونهبه. أن يقف اللبنانيين الشرفاء إلى جانب السوريين الشرفاء كتفا لكتف لإسقاط النظامين. وبخاصة النظام السوري الذي منع التحول الديمقراطي في لبنان وثبت الطائفية والفاسدين، والذي إذا ما سقط يمكن أن يساهم لاحقاً في إخراج لبنان من كثير من أزماته. 

سابعاً: يذكر اللبنانيين القوميين واليساريين والديمقراطيين والأحرار بأن معظم مشاكل لبنان الداخلية الحالية سببها النظام السياسي الفاسد المافياوي الذي فرضه وخلفه النظام السوري (الذي تم بشراكة مع الحريري ممثل السعودية وأمريكا وبتوافق مع الدعم الإيراني لحزب الله) في لبنان قبل أن يخرج. والذي ما تزال أذرعه موجودة تعمل على عودته ليحل أزماته هو على حساب الشعب اللبناني الفقير. بما يعني أن دعوة السيد ناصر وغيره الانفتاح على ذلك النظام رسمياً، لا يمكن أن ينظر إليها إلا باعتبارها (واعتباره هو كشخص) جزء من هذه الأذرع الداخلية التي عملت سابقاً وما تزال تعمل حالياً، لمصلحة ذلك النظام الاستبدادي، ولفك الحصار السياسي والاقتصادي عنه بما يمكنه من حل أزماته السياسية والاقتصادية على حساب لبنان وشعبه. وبما يثبت نظام المحاصصة الطائفية الذي تبناه العهد، بما يعني أن ذلك الانفتاح الذي يدعوا له السيدين حسن وناصر لن يحل أزمات لبنان بل سيعمقها ويزيدها بؤساً. وهذا ما يجرنا تلقائياً إلى ضرورة مراجعة. 

أسباب العجز الحاصل في الميزان التجاري اللبناني، وفي انخفاض قيمة الليرة وزيادة حجم الدين العام بالتوازي مع حجم الأموال المهربة منذ عام 1976 حتى اليوم سيجد أن هذه الأموال المهربة (المسروقة من فم أطفال ونساء وشيوخ وشباب لبنان) إذا ما أعيدت إلى لبنان لفكت كل العجز في ميزان المدفوعات والدين الخارجي وحررت لبنان من تلك الفوائد والضرائب الهائلة وحسنت من عيشة أغلب اللبنانيين. وبأنه إذا استغل ما سيزيد منها فيما لو استثمرت في مشاريع انتاجية وتنموية حقيقة لحلت كل أزمات لبنان الاقتصادية الحالية وأنعشته خلال العصر القادم. من دون الحاجة إلى الانفتاح على العالم فقط، عبر الخط الواصل بين بيروت ودمشق مروراً ببغداد وطهران. نحو الصين. 

 

الخط الحديدي الواصل بين طهران وبيروت: 

اقترح السيد ناصر كبديل عن الخط القديم الذي كان يربط برلين باسطنبول وبغداد ودمشق ولبنان وفلسطين بالسعودية منذ عام 1898، أن يتم إنشاء سكة حديد تبدأ بطهران وتمتد عبر بغداد ودمشق لتصل إلى بيروت، وسوف يشكل انقلاباً جذرياً في تاريخ لبنان والمنطقة والعالم، لأنه سيضم أربع دول تشكل محوراً اقتصادياً وسياسياً جديداً وقوياً، حلفاً يمتلك إمكانات اقتصاديات هائلة ورهيبة، وهو على حد زعم السيد ناصر سيتيح للبضائع اللبنانية المرور والوصول إلى شعوب تلك الدول، بما يحل أهم مشاكل لبنان الاقتصادية. ويضيف السيد ناصر أنه إذا ما ألغيت الحواجز الجمركية وفتحت الحدود على مصراعيها بين تلك الدول فلا شك أن جميع شعوب المنطقة ستتحسن أحوالها وتتقوى وتتمكن من جهة أخرى من مقاومة وحصار المشروع الصهيوني. 

 

مناقشة هادئة لقضية شائكة : 

نسأل السيد ناصر. هل حدود لبنان البحرية مع أوروبا القريبة مغلقة حتى يتوجه إلى الصين البعيدة؟ هل هو محاصر من قبل أوروبا أو العرب التي تستورد كثير من منتجات لبنان الزراعية، حتى يفتح أبوابه فقط من خلال دمشق تجاه الصين عبر طهران؟ 

وماذا سيصدر لبنان إلى الصين وإيران من مواد طالما أن أسعارها في لبنان مرتفعة استناداً لمستوى المعيشة المرتفع في لبنان؟ هذا معناه أن سيصبح مستورداً منهما؟ يعني أن الميزان التجاري سيكون خاسرا لمصلحة تجار طهران وبكين. 

ولماذا الانفتاح لا يكون من دمشق إلى مكة وجدة والكويت وقطر التي تستورد تاريخياً أغلب منتجاتها الزراعية والغذائية والمعلبات وكثير من البضائع المنتجة في لبنان بأسعار جيدة وليس إلى طهران؟ هل لفك العزلة عنها؟ 

أي مقارنة بين مستوى متوسط دخل الفرد الإيراني والسوري، والتي لا تتعدى مئتي دولار في الشهر وبين مستوى متوسط معيشة ودخل اللبناني والتي تزيد في حدها الأدنى عن خمسمائة دولار بمعزل عن طريقة وأسلوب معيشة الإنسان في هذه البلدان الثلاث. فإن الانفتاح على هذه الدول لا شك سيمكن اللبنانيين الفقراء من استيراد كثير من المواد منها إذا ما قرروا زيارتها أو العيش فيها أو الهجرة إليها وليس للعمل فيها. لكن هل يمكن للبنانيين العيش في ظل أوامر الولي الفقيه والملالي ومخابراته وقيوده، ويتخلوا عن الحرية المتاحة لهم في لبنان. باستثناء الشيعة الفقراء بينما لن يزور لبنان ذو مستوى المعيشة المرتفع سوى العراقيين والسوريين الأثرياء فقط. وهم قلة مقارنة بالسعوديين والخليجيين والكويتيين. 

أما إذا ما دققنا فيما يمكن أن يرافق ذلك الانفتاح على إيران والصين من دخول للبضائع فسنجد أن أسعار البضائع الصينية والإيرانية والسورية الرخيصة (والمقلدة لبضائع ألمانية أو يابانية) مهيأة لدخول السوق اللبنانية أكثر مما سيزيد من عمليات التهريب وبخاصة تجار الشنطة. وهذا سيسبب كساداً في جميع المنتجات اللبنانية الزراعية نصف المصنعة. وعلى المدى المتوسط إلى تعطيل مليون مزارع وعامل وبائع متجول وحرفي وعامل في السياحة في لبنان. ومن ثم سيؤدي ذلك الكساد بعد سنوات إلى توقف كثير من الزراعات والمنتجات والمعامل الصغيرة عن العمل، ومن ثم نشوء بطالة هائلة تعادل أضعاف ما هو حاصل اليوم. ونشوء أزمة اقتصادية أشد سوءاً. عدا عن أنها ستجعل لبنان مكبلاً إلى الأبد بذلك المحور أكثر مما هو مكبل حالياً. 

ثانياً، إذا علمنا أن ما تدره السياحة على لبنان، والتي تشكل تقريباً ثلث مداخيل اللبنانيين وعلمنا أن غالبية الإيرانيين والعراقيين والسوريين (ذوي الرواتب المنخفضة) لن يتمكنوا من المجيء إلى لبنان، إذا فتح هذا الخط. (عدى عن توقف السياحة القادمة من دول الخليج والسعودية وأوروبا) عندها تنعدم أو تقل مدخلات السياحة إلى لبنان من تلك الدول وستقل مداخيل اللبنانيين العاملين في السعودية والخليج (لأن اللبنانيين لن يذهبوا إلى إيران للعمل لقلة الرواتب مقارنة بدول الخليج) مما سينعكس سلباً على الاقتصاد اللبناني ويزيد أزماته سوءاً. 

ثالثاً، على النقيض من هذا التوجه نرى أن الخروج من النظام الطائفي إلى نظام مدني (الديمقراطية والحرية متوفرة) والانفتاح على العالم الخارجي كله وبخاصة القريب العربي والأوروبي يشكل ركيزتان أساسيتان لحل مشاكل لبنان كافة وليس الانفتاح فقط (في الحقيقة انغلاق) على نظامين طائفيين منغلقين على عقيدة ومذهبية وعصبية. 

وهذا يقتضي (استناداً لما كتبه كثير من الاقتصاديين اللبنانيين وقالوه علناً للرد على التوجه في هذا الطريق والخط) ويستلزم بداية حواراً ونقاشاً وتوافقاً فكرياً وسياسياً. لن يتحقق لسبب بسيط جداً هو وجود تناقض جذري في نمط الحياة والمعيشة والتفكير والسلوك والانفتاح الذي يعيشه ويؤمن به 90% من اللبنانيين وبين نمط حياة ومعيشة الإيرانيين والصينيين. نمطين لا يمكن التوفيق بينهما. 

 

 

القسم الثالث

قيامة لبنان الجديد 

 

 

 

 

الفصل التاسع عشر:
قيامة عموم لبنان  

 

أحمق كل من لايفكر ويعمل على تجديد نفسه وبيته وبلده والعالم حتى لو كان جميلاً طالما أن هناك أو ثمة إمكانية لأن يكون أجمل. فكيف بلبنان خاصة بعدما ما ألم بهمن عثرات أدت إلى ثورة تشرين. 

ونحن  كمتعاطفين مع لبنان كبلد وشعب ، وبعيداً عن الظروف والعوامل الموضوعية خاصة الاقتصادية المباشرة، وبعيداً عن التحليلات التي استند عليها البعض لتفسيرالغاية من الهبة الشعبية الراهنة التي شارك فيها كثير من اللبنانيين، للخروج من الوضع المأزوم الذي أوصلهم إليه حكامهم، من أن نعمل معهم لبناء لبنان جديد .على أسس جديدة. وهو ما قد يبعث على الثقة والأمل بإمكانية إعادة إحياء وبناء لبنان عظيم من تحت رماد الدمار والخراب. 

 

لبنان مختلف: 

 حتى لو سلمنا جدلاً بضرورة القيامة والتغيير. علينا أن نعرف أنه لقيامة لبنان نظيف ومستقر ومتقدم. لابد إضافة للنيات الصادقة ـ من توفر ظروف موضوعية لأي تغيير مهما كان بسيطا .فكيف بلبنان الذي تراكمت فيه عمليات التقصير ؟ وبعد زيادة الأزمات ؟ 

وبما أنه كان للداخل و للزعماء المحليين الدور الأكبر في صياغة وتقبل هذه التركيبة، حيث لم يكن يومها في لبنان – للمفكرين والمنظرين اللبنانيين الأحرار دور يذكر في صياغة ما يجب أن يكون عليه بلدهم. ما يعني أننا بعد كل مامر على، وفي لبنان لابد من أن يكون للمفكرين والمنظرين الاستراتيجيين اللبنانيين الأحرارالجدد  دور في صياغة لبنان الجديد، و من إعادة النظر بكل ما جرى قبل التفكير والبدء ببناء وإقامة لبنان جيد ؛ قيامة إرادية و واعية. 

متطلبات القيامة الجديدة (الثالثة) للبنان: 

لا يمكن تجاهل حقيقة أن الحالة المعيشية والاجتماعية الرحبة التي اعتاد عليها اللبنانيين خلال السبعين سنة الماضية والتي ما تزال تداعب مخيلة كثير من اللبنانيين. والمتمثلة بنمط من الحياة (الجامع لهم أكثر من أي شيء آخر) والذي كان يتوفر فيه الحد الأدنى من رفاهية ورغد العيش باتت تشكل عائقا أمام التغيير كونها ترنو إلى العودة بالأمور إلى الوراء. لذا لابد من الاعتراف أولا بأن استعادة ذلك النمط بات حلما بعيد المنال. 

وبغض النظر عما إذا ما كانت الإمكانات الاقتصادية الحالية توفر ذلك الحد المطلوب للرفاه أم لا. فما يوجد في لبنان، كان ومازال يحقق عيشا مقبولا وحياة روحية مستساغة حتى في حدودها الدنيا ولعل هذا كان ومازال سببا في تقبل السوء. ومع ذلك فهو يشكل أساسا للانطلاقة الجديدة. والمهمة الأصعب تتمثل في الاتفاق على كيفية الانطلاق من هذا الواقع والحيز بناء على رؤية مستقبلية يمكن أن تشكل حولها إجماعاً عاماً. يسهلها اتفاق رسمي وشعبي على ضرورة تغيير كل البنية السياسية والاقتصادية التي قام عليها لبنان. وهو ما يشكل أساسا متينا للتغيير. وهنا يطرح سؤال: 

كيف سنغيير أسس النظام الذي كنا وما نزال في لبنان نتغنى به ونمجده؟ طالما أن الطبقة الحاكمة تريد أن تبقى حاكمة ومتمسكة بالمنافع (لا تستحقها) التي حصلت عليها في ظروف معينة مع العلم أن هذه الطبقة تمسك بزمام أهم الأمور من خلال أشخاص ورموز شبه ثابتة. 

وهو ما يعني أن المسألة اليوم (القيامة الجديدة للبنان) تتطلب بحثاً معمقاً وشاملاً يتطلب البدء بتغيير الطبقة الحاكمة كلها. وهو ما عبر المتظاهرون عنه بالهتاف “كلن ” إضافة للتعرف على تاريخ تشكل لبنان وكل ما ألم به من تحولات تعرضنا لها في الفصول السابقة، بما يمكن المفكرين اللبنانيين جميع الطوائف، التوافق على عقد اجتماعي جديد مدروس جيداً. يتيح للجميع العيش بكرامة وحرية مع توفير حد أدنى من الرفاه وبحبوحة العيش. وهو أمر لن يتحقق إلا إذا تم أولاً الاقتناع بضرورة تجاوز اسس وجوهر النظام القائم على التفاوت الطائفي (وجذره الطبقي) الذي فرضه النظام الإقطاعي وكرسه النظام السياسي والخارج، في قيامة لبنان الأولى وثبته من خلال تلك الزعامات ومن يدور في فلكها. وثانيا الاقتناع وضرورة وإمكانية الانتقال من الحرية والديمقراطية الطائفية (ديمقراطية الطوائف الكاذبة) إلى ديمقراطية شعبية حقيقية. تؤمن الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية. وهو ما يتطلب وعياً جديداً مختلفاً عن نمط الوعي السائد في لبنان والذي يقدس (اللبرلة) الحرية الاقتصادية. ويعتبر التفاوت أمرا منزلا. 

ما يعني أن الحل لن يكون اقتصادياً بحتاً، ولا سياسياً فقط، بل فكرياً وقيمياً أيضاً. من خلال، ثالثا: تبني رؤية جديدة للحياة يقدمها المنظرين والفلاسفة، تبدأ بالإقرار بضرورة البحث عما يمكن اللبنانيين تجاوز المفاهيم والمقدسات والتابوهات (المحرمات) القديمة من خلال فتح حوار عام وشامل. 

حوار يتطلب من المتحاورين اللبنانيين الأكفاء (نخبة من المفكرين) تفكيك المسألة اللبنانية إلى عدة قضايا والبحث في كل منها على حدة من قبل أخصائيين وبعد أن يتم التوافق على حل أمثل لكل قضية من القضايا على حدة، يمكن بعدها القيام بعملية جمع وتركيب الحلول المقدمة لجميع القضايا (من قبل علماء ومفكرين مشهود لهم بالموضوعية والنزاهة، موجودون في لبنان وهم كثر). بما يمكن أخيراً من التوصل لرؤية جديدة كلياً مهمتها وضع الأسس الجديدة لقيامة جديدة وسليمة للبنان جميل ومتوازن. 

وضع النقاط على الحروف:  

طالما تبين للكثيرين أن تجاهل مطالب المواطنين المعيشية ليست نتاج إهمال إداري عابر ولا نتيجة لحكومة الوفاق الوطني وحكم الترويكا ولا من عهد عون. بل هي نتاج عوامل سابقة رأى البعض أنها تعود لعام 1992 (ما جرى بعد الطائف) بينما ذهب البعض إلى ما هو أبعد من ذلك إلى الخطأ الذي قام عليه لبنان عام 1943 وحتى إلى عام 1920، بل وقبل ذلك. بما يعني أن التغيير يتطلب البدء بتغيير (التغيير لايعني النسف) البنية السياسية التي قام عليها منذ عام 1861. والتي اعتبرها البعض القيامة الأساسية أو الأولى للبنان. كونها بنت المداميك (الأسس والقواعد) الأولى للبنان الحالي. 

وبما أن القيامة الأولى (بناء على رأي أغلب المفكرين والباحثين الحاليين) لم تكن سليمة وغير متوازنة. كونها كانت نتيجة أو ثمرة لمشاريع دولية توافقت مع رغبات ذاتية. انتهت أسسها وحلت محلها مشاريع وتوجهات جديدة خلقت تناقضات وصراعات داخلية انفجر بعضها عام 1958 على شكل حرب أهلية (سماها البعض ثورة). وبما أن التغيير الحاصل يومها (القيامة الثانية) لم تتجاوز أو تصحح أخطاء القيامة الأولى كان لابد لها من الظهور مجدداً عام 1975 على شكل ثورة ثانية انتهت عام 1990 باتفاق الطائف لم يحل جميع التناقضات أو الأخطاء الأساسية. وبغض النظر عما إذا كان من تسلموا الحكم منذ عام 1990 أو منذ عام 2006 وحتى اليوم صادقين أو مراوغين أو أكفاء لتجاوز تلك الأخطاء أم للالتفاف عليها أو يشكلون ثورة مضادة. لايمكن تجاوزها دون نفيهم وهذا ما لم يتم لأنهم س يفجروا الأوضاع من خلال انصارهم. ويعيدوا لبنان للوراء كما حصل في القيامات أو الثورات والهبات السابقة 

وبما أن كلاً القيامتين (الأولى عام 1943 والثانية عام 1990) والتغييرات الحاصلة على إثرها هي التي أوصلت لبنان عام 2019 إلى ثورة عارمة (كما بينا). فهذا معناه أن ما حصل خلال الستين سنة الماضية. إما أنه لم يكن كافياً وإما أنه يحتاج إلى تكملة من خلال تغيير جديد أو قيامة جديدة (ثالثة) للبنان. بما يعني أن قيامته الجديدة يفترض أن تضع بعين اعتبارها ذلك الخلل التاريخي الأساسي بالإجابة على عدة أسئلة أساسية منها. 

1- هل بمقدور هذا الجزء الصغير من سوريا الطبيعية أن يشكل دولة مستقلة فعلاً؟ وبمعنى آخر: هل يتمكن اللبنانيين العيش والاكتفاء والانحصار بهذا المجال الضيق طالما أنهم عاشوا عبر تاريخهم الطويل في مجال أوسع من هذا بكثير (وصلوا جبيل بتونس) ؟ هل ثمة مبرر موضوعي من الأساس. لقيام كيان أو دولة اسمها لبنان على مساحة أقل من مساحة محافظة حمص -خاصة- بعد زوال العوامل الاجتماعية التي كانت سائدة أيام الدولة العثمانية؟ وبعد أن أصبح العالم أقرب إلى وأشبه بقرية صغيرة؟ 

2- إذا كانت قيامته الأولى استندت على ضم سكان الأقضية الأربع ذات الغالبية السنية والشيعية إلى سنجق جبل لبنان القديم ذو الغالبية المسيحية والدرزية ولمصلحة المسيحيين الموالين لفرنسا. فإن القيامة الجديدة تتطلب بداية تغيير تلك العلاقة معهم، كونها قامت على الغلبة والانفراد بالخيرات. وطالما أن أسس تلك الغلبة قد انتفت. ما يتطلب الاقتناع بضرورة تغيير التعامل مع جميع المكونات المتنافرة (طرابلس والجنوب والهرمل والبقاع وصيدا استناداً لمبدأ المواطنة المتساوية. 

3- هل يجب أو يفترض اليوم (بعد كل التغيرات الحاصلة داخلياً وخارجياً وفي الوعي) الحفاظ على لبنان (أو الإبقاء على أي شئ من لبنان 1920) أو لما قام عليه قبل مئة أو مئة وخمسون سنة؟ أوللإبقاء عليه  بهذه الطريقة والمساحة والتركيبة السكانية التي قررتها فرنسا ونفذها الجنرال غورو؟ وهل يجب التمسك بالمساحة والتركيبة السكانية التي قررها المستعمر الفرنسي ولة كانت استجابة لمطالب (انتفت) فئة معينة من اللبنانيين (الموارنة) ؟ 

وهذا ما يضعنا أمام مشاكل عويصة ليست قابلة للحل بسبب أن التركيبة العامة للبنان واللبنانيين (الخاطئة) والتي تثبتت قبل أكثر من مئة سنة وباتت مدعاة لاعتزاز اللبنانيين بلبنانيتهم وهويتهم اللبنانية. باتت من أهم مقومات وجود اللبنانيين. أو طبيعة ثانية لهم تجعلهم يرفضون التخلي عنها. 

وهو ما يفترض أن يدفعنا إلى طرح سؤال آخر مرتبط بالأول، هل من الممكن التخلي عن ذلك النمط من الحياة الذي فرضته ظروف لم يعد لها وجود؟ وهل بات ذلك النمط (الرفاه) والتركيبة (الخلطة المتنافرة) قابلة للبقاء بعد كل تلك التغيرات الحاصلة في لبنان المنطقة والعالم وعلى جميع المستويات؟ وإن كان ذلك ممكنا. فهل ستكون إمكانية تغييرها ممكنة دون اقتناع ودون زمن طويل. أم لأن الطائفيين المتعصبين – سيجعلون ذلك مستحيلاً، لدرجة يمكن أن يقال فيها: أن استبدال هذا الشعب بشعب آخر يمكن أن يكون أسهل من تغيير الحدود الجغرافية والبنية السياسية والإدارية والثقافية التي قام عليها لبنان. والتي تثبتت في العقول والنفوس خلال مائة سنة. وهو ما يتطلب منا الاستعداد للتغيير بعقل أكثر انفتاحا مما هو حاصل حتى اليوم – وتقبل النقد الذاتي بصرامة وتغيير كثير من القناعات السابقة. 

الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي. 

يعتبر الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي أكبر تحد واجه ويواجه العرب والشرق ولبنان واللبنانيين. (على عكس ما يرى جورج صليبا وغيره. فهذه البنية القائمة على الاقتصاد الريعي هي أساس التخلف السابق والراهن. والتي دون تجاوزها -كما يرى سمير أمين- لا يمكن الارتقاء بلبنان وغيره. ولهذا كان هذا التجاوز المخرج الحقيقي للعرب وللبنان – ويشكل الحل الجذري الذي يمكن من خلاله إخراج لبنان من جميع أزماته ويجعل منه دولة أرقى من سويسرا في الشرق بما يتمتع به من ميزات. 

 لكن بما أن هذا البحث يتطلب خبراء ومفكرين كبار (مثل جورج قرم) في هذا المجال. لذلك اكتفي بتقديم الملاحظات التالية والتي ربما تكون قد غابت عن بال المحاضرين في الندوة التي أجراها مركز الفكر العربي في 21/1/2021 والتي ترأسها “محمد يحمور” والتي قدم فيها جورج قرم رؤية متقدمة جداً ليس لإخراج لبنان بل لا خراج الوطن العربي كله من محنته. 

 للتذكير أشير فقط إلى نقطتين تم عرضهما من قبل مفكرين لبنانيين مثل جورج قرم وإيليا يشوعي : 

أولاً: إن اعتماد لبنان وشعبه وحكامه -كما بينا على موقعه الجغرافي وطبيعته وجمالها- جعله أقرب إلى الدول الريعية الخليجية التي تعتاش (ولا تعيش) على النفط. أي على ما تنتجه الطبيعة (متطفلة على الطبيعة. جوهر الاقتصاد الريعي). وبما أن العمل (العضلي والذهني) هو الذي يؤدي إلى إضافة قيمة على ما تقدمه وتنتجه الطبيعة – كما بين كل المفكرين والاقتصاديين – وهو الذي نقل البشر إلى مستوى الإنسان العاقل المفكر (هيومان سابينس) ونقله من الهمجية إلى الحضارة ومن البداوة والزراعة إلى المدنية.. إلخ، بمعنى أن العمل المضاف (عضلي أو ذهني) هو الذي أعطى ويعطي لما تنتجه الطبيعة قيمته الاستعمالية والنقدية. فإذا كان سعر كيلو غرام الصمغ الطبيعي (السوداني) كمثال يباع في السوق المحلية بدولار فإنه إذ يتحول في أوروبا (خاصة بريطانيا) إلى صمغ للطوابع أو للاصقات، يباع بمئة دولار. فإن قيمته في الاقتصادية والاستعمالية تزداد بما يضيفه عليه البشر. 

ثانياً: اعتمدت الحكومة اللبنانية منذ بداية ظهورها على الاستفادة من القيمة الاستعمالية لموقع لبنان الجغرافي وما نجم عنه (الترانزيت والعمل البنكي الاقتصادي المالي كوسيط وطبيعته ومناخه (السياحة) وعلى ما توفر فيها من مواد تنتجها الطبيعة من جهة وعلى ما ينتجه اللبنانيين وغيرهم في الداخل وعلى ما يحولوه من أموال نتيجة لعملهم في الخارج. ولم تعمل على تطويرها أو جعلها تقدم قيمة مضافة أعلى كثيراً مما هي عليه. وهنا جوهر المشكلة. 

 

من الدولة الريعية إلى الدولة الإنتاجية: 

وهكذا باتت الحكومات اللبنانية المتعاقبة حكومات ريعية، تستفيد مما تقدمه الطبيعة والموقع والبشر (حتى أبناء عشيرتهم) والميزات التي اكتسبوها. حيث باتت تتعامل معهم وتعتبرهم مجرد أدوات تقدمها الطبيعة ليترفهوا ويتنعموا دون أن يقدموا أي قيمة إضافية على ما ينتجه الشعب وما تقدمه الطبيعة والموقع. وهو ما يعني ويتطلب أن تتحول الدولة بقناعة من دولة ريعية إلى دولة إنتاجية. بتغيير الأسس التي قام عليها لبنان ومن ثم يتغير الناس (حيث يتغير الناس وعقولهم مهما طال الزمن مع تغير اسلوب الانتاج). 

هل يمكن للبنان أن يتحول إلى بلد منتج؟ نُذكر هنا بما قاله الاقتصادي “آدم سميث” من أن الطبيعة بذاتها قيمة انتاجية إذا ما تم استخدامها وتطويرها. من هنا يمكن النظر إلى الطبيعة الجميلة للبنان، ومناخه المعتدل والمتنوع باعتبارهم أهم وسائل الإنتاج الهامة لذلك فقط ’كان ومازال مصدراً اساسياً لكل أنواع الدخل الريعي والإنتاجي لكن إن لم نضيف عليه شيئا لن يقدم لنا شيئا يذكر أو ذو قيمة. 

وبما أن التعليم والعلم والثقافة والمعرفة باتوا يكتسبون في لبنان والعالم أهمية استثنائية خاصة في عملية التنمية المستدامة، فإن تطوير العلم والجامعات وتخريج المتعلمين والكوادر العلمية بات لا تقل أهميته عن البترول أهمية -خاصة- إذا ما استخدم في إضافة عمل نوعي إضافي عما هو قائم في غيره ولما يمكن أن يدره الموقع والطبيعة. حيث سيصبح جاذبا للسياحة (والأموال والرفاه والسعادة) من الدول العربية والأوربية، أكثر مما هو حالياً، وبالتالي يمكن أن تستخدم في تطوير الطرقات والمناطق والمطاعم والمنتزهات السياحية وبالتالي يمكن أن تشغل أعداداً كبيرة من العمال والمهندسين والفنانين. وتحسن من أوضاعهم المعيشية والنفسية والعقلية والجمالية. وهذا ما قد يستدعي ويتطلب تطوير (مرفأ بيروت) ومرافئ ومطارات لبنان لتصبح مثل هولندا مركز صلة بين أمريكا وأوروبا والشرق الأوسط تستقبل يوميا آلاف الطائرات والبواخر والزوار. بما يعني أن لبنان يمكن أن يكون مركزيا في الشرق الأوسط والعالم كله. وهذا ما يمكن أن يُشغل مئات الآلاف من المهندسين والفنيين واللغويين والعمال. كما يجب ألا ننسى أن ما يتمتع به كثير اللبنانيين من ولع بالثقافة وإجادة عدة لغات واسلوب جيد في التعامل ولطافة وتهذيب يفترض أن ينظر لها باعتبارها قوة انتاجية إضافية يفترض أن تستقطب مزيدا من التوجه إلى العلم والتعليم والثقافة والإبداع. مع الإشارة أن حتى ما يقدمه لبنان من إبداع في مجال الطبخ وإعداد المأكولات والحلويات المنوعة. يمكن أن يصبح قوة إنتاجية لمطابخ فنية ومصانع غذائية صغيرة، تصدر للعالم كله أطيب وألذ المأكولات والحلويات والفواكه. طبعاً دون تجاهل الغناء والرقص والمهرجانات 

 

 

 

 

الفصل العشرون:
آفاق التغيير الديمقراطي السلمي للبنان

 

تقوم الفكرة الرئيسية لهذا الفصل على فكرة تنطلق من حقيقة أنه لا يمكن الفصل بين الوسيلة والغاية (كما كان سائدا وكما نَظًركلا من مكيافيلي وهوبز وغيرهم من فلاسفة السياسة) حيث تبين أنه لايمكن الوصول إلى الديمقراطية بوسائل غير ديمقراطية. 

النفس الطويل والرؤية النظرية بعيدة المدى: 

توهم كثيرون أن مجرد التظاهر والإعلان عن الثورة ضد النظام الحالي (الفاسد والبالي) يمكن أن يوصلهم أو يقنع حكامهم بضرورة الانتقال أو العمل على بناء لبنان نظيف وجميل وجديد متحد وموحد بسهولة وفوراً. ومما لا شك فيه أن التأخر في التغيير خلق مثل هذه الحماسة لدى الكثيرين مما جعلهم يتناسون أن عملية التغيير في لبنان وغيره تجري دائماً ببطء، وفي كثير من الأحيان دون شعور بها ودون ثورات أو هبات، حتى دون تخطيط مسبق أو توعية فكرية وتربية أو نهوض اقتصادي، وحتى دون عنف. 

وقد يتطلب الأمر عدة هبات وثورات خلال عشرات السنين كما حصل في فرنسا بعد ثورة 1789. حيث تسلم حكمها المديرين ثم الدكتاتور نابليون ثم عادت الملكية لتحصل بعدها عدة ثورات عام 1828 و1848 و1871 حتى 1873 والمعروفة بـ (كومونة باريس) ومع ذلك لم تعطي الثورة البرجوازية الأولى ثمارها إلا مع بداية القرن العشرين. 

والصعوبة في لبنان أكثر بكثير، للأن نمط الإنتاج الريعي الفلاحي (الإقطاعي أو الإقطياعي) مازال سائداً في تكوين اللبنانيين النفسي والعقلي العميق (كما في بقية البلدان العربية منذ آلاف السنين). وثانياً لأن الطبيعة الطائفية لدى اللبنانيين تكاد تكون طبيعة ثانية تختلف عما هي عليه لدى أبناء الشعوب العربية، كونها ترسخت خلال أكثر من مئة وخمسين عاماً ماجعلها أقرب ما تكون إلى طبيعة مميزة وثابتة. لذلك يصبح الخروج منها (الطبيعة الجديدة خاصة للمسيحيين “الخوف أن يتحولوا إلى رعايا”) المسألة الأهم والأصعب. 

وهو ما يعني أن تغيير هذه البنى لا يمكن أن يتم بالعنف ولا حتى بقتل الشخص المتمسك بالطائفية والمكانة والمنصب. (مع أن القوى الطائفية والظلامية والعميلة اتبعت وما تزال تتبع أسلوب الاغتيالات والتصفيات الجسدية لأشخاص معينين في كل من العراق وسوريا) لتبيت مواقعها، بل يتطلب إما عزلهم اجتماعياً أو إخضاعهم إلى معالجات نفسية وفكرية إضافة إلى دورات إقناع وتثقيف وأنسنة. 

لذا نؤكد على أن العنف في لبنان (أكثر من غيره) سيعطي كما في كل مرة. نتائج سلبية كونه (في لبنان) كان يقدم للقوى الحاكمة الماكرة والمالكة للقوة والقادرة على استخدامها أكثر من الثوار. بما يحقق لها فرص التفوق والنجاح أكثر من الثوار. باعتبار أن قوات الأمن والجيش والدرك والقوات الخاصة والميليشيات التابعة للزعامات.. إلخ، هي أساساً مدربة جيداً للقمع، وتمتلك أحدث المعدات والأجهزة والأسلحة المخصصة لقمع المدنيين وتمتلك جيوش من الطائفيين المسعورين. 

وتأتي الخطورة الثانية في لبنان من كون تلك القوى مدعومة بقوى احتياطية هائلة مكونة من جماهير غفيرة تخضع للمليشيات الطائفية المسعورة. لذلك فأهون ما يكون لها وترغب به هو أن يبدأ الثوار بالعنف حتى تبدأ (تجد المبرر) لإخراج ما تحمله من حقد وعماء وعنف، ولممارسة ما تدربت عليه وتتقنه جيداً، عنفاً أشد وأقسى بما يسهل عليها سحق عظام الثورة والثوار بسرعة. بينما لن تقدر، بل ستفشل في المجال الفكري والنظري. لأنها أعجز في مواجهة الأفكار المطروحة لحل المشاكل كونها تفتقد لها. 

لذا إذ ذكرنا ونعيد التذكر بمشاكل لبنان الكثيرة فما ذلك إلا للتأكيد على أن عملية التغيير لابد أن تستند لرؤى فكرية وسياسية عميقة وشاملة بعيدة المدى (استراتيجية) تتطلب جهود كبيرة لمعرفة الأساليب المطلوبة للتغلب على المعطيات والمشاكل والصعوبات القديمة والجديدة التي يقدمها الواقع. والتي غالباً لذلك لا يمكن رؤيتها ببساطة، ودون رؤيتها لا يمكن حلها، ولن نصل لنتيجة مفيدة كما حصل سابقاً، وسنظل ندور في حلقة مفرغة. لذا يجب أن نضع في اعتبارنا أن لبنان مر بمراحل كثيرة حتى أصبح بشكله الحالي. وثانياً أن تصور وجود مثالي للبنان أمر لا وجود له في الواقع المثبت تاريخياً، بل واقع متخيل لفئة محدودة. 

وعلينا أن نتذكر أن تجاوز القيامة الأولى القائمة على تلاقي رغبة زعماء الطوائف لتحسين أوضاعهم مع رغبة القوى الخارجية كي تتخذ من ذلك مدخلا لها. ولأن يكون لها لبنان موطئ قدم في الشرق هو ما استجاب بشكل رئيسي لرغبة من يعتبرون أنفسهم مسيحيين. كي لا يذوبوا في المنطقة بأن يكون لهم دولة منفصلة عن سوريا (أو عن مسلمي المنطقة) كيلا يكونوا رعية أو أقلية في دولة عَلٍية، أو خاضعين لغالبية سنية كما كانوا أيام الدولة العثمانية. وقد يكون معهم كل الحق في ذلك. وهذا ما بيناه في الفصلين الثاني والثالث. كيف سنتجاوز هذا مع أنه بات من الماضي؟ 

وهذا يضعنا أمام مسائل إشكالية أخرى. أهمها كيف سنزيل هذا التباين والتباعد بين الهويات الثقافية والدينية والطائفية التي باتت متحجرة من خلال الإقناع والحوار والوعي. 

لهذا أعتقد أن المطلوب من قادة الهبة الراهنة (القيامة الثالثة المفترضة). أو يفترض بهم لإقامة لبنان جديد أن يدركوا أنه لابد: 

أولاً: من وضع رؤية استراتيجية لما بعد خمسين أو مئة عام قادمين، (سنقدم في الخاتمة رؤية عنها) مع التذكير بأنه إذا اقتضت القيامة الأولى مرور 23 عاماً (1920- 1943) والثانية 15 عاماً (1975 – 1990) ثم جرى الالتفاف عليهما خلال ثلاثين عاماً وتم العودة للوراء مئة عام فلا يتوقعن أحد من الهبة الجديدة الحاصلة عام 2019 أن تثمر أو تعطي نتائجها فوراً أو بعد سنة أو سنتين بل تتطلب سنوات طويلة لتصحيح جميع الثورات المضادة والأخطاء السابقة والانتماءات الأيديولوجية السابقة التي ولدتها أو الأخطاء السلوكية التي ترتبت عليها. 

ثانياً: بما أن أساس أي عملية تغيير وشرط نجاحها يتوقف على نوع الثقافة والتربية التي ينشأ أو يتربى على هداها أفراد المجتمع خلال فترة طويلة كما حصل في الثورات (البرجوازية الفرنسية والاشتراكية الروسية (حيث تبين أن سبعين سنة في روسيا لم تكن كافية لتقبل الناس للاشتراكية). لذلك فإنني أرى أن ما يجب للثوار أن يعطوه الأهمية الأولى والرئيسية. يفترض أن يرتكز على نشر ثقافة المواطنة والدولة المدنية الديمقراطية. ولذلك يتوجب العمل على تكليف خبراء بتأليف كتب يتم توزيعها على المواطنين تعالج القضايا التالية: حقوق الإنسان، المجتمع المدني والمواطنة، الحريات، الديمقراطية. العدالة الاجتماعية، التنمية المستدامة والقيم والأخلاق. 

ثالثاً: أي لبنان وكيف: 

 من المثبت تاريخياً أن تقبل هذا الوجود الحالي للبنان تم دون وعي أو تفكير علمي أو تخطيط مسبق ودون دراسة جدية وعقلانية أو موافقة المفكرين اللبنانيين أمثال البستاني ونعيمة وجبران و.. إلخ. بقدر ما كان بتأثير مجموعة من المطارنة الموارنة (دويك والحايك) ورجال عقل الدروز، وهو مازال سائد حالياً حيث يضع كل منهم خطوطا حمر تحول دون المساس بزعاماتهم السياسية كما لو كانت مقدسة. 

مع التذكير بأن إعادة التفكير والتخطيط لقيامه جديدة للبنان كما هو اليوم. بمجرد إجراء تعديلات طفيفة هنا أو هناك سيكون عبثا وإضاعة للوقت. مما يفهم منه أن القيامة الجديدة حتى تكون سليمة ومعافاة. تفترض بداية وقبل أي شيء أن تستند على التفكير العلمي والرؤية الكلية والشمولية النقدية بما يمكننا من تجاوز سلبيات وأخطاء الأساس (النشأة الأولى والثانية) والتاريخ. 

وهذا ما يتطلب الإجابة على سؤال جدي: هل إذا ما أرادت الأغلبية المتمسكة بلبنان الحالي. هل تتمكن الأقلية الثورية والتقدمية الرافضة فرض لبنان جديد وميثاق جديد أو صيغة جديدة جامعة وموحدة. وهذا ما عبر عنه رئيس جمهورية فرنسا لقادة الطوائف اللبنانية لإخراج لبنان من محنته عندما زار لبنان بعد تفجير ميناء بيروت يوم 6/8/2020 بحديثه عن ضرورة “التوافق على ميثاق جديد يضع مصلحة لبنان واللبنانيين بالدرجة الأولى”. والذي على ما يبدو كان يفهم لبنان وما يحيط به أكثر ممن يزعمون أنهم لبنانيون. حيث ما يزال زعماء الأقليات يعارضون ميل الأكثرية للتغيير. ما يجعل التوافق العام صعباً جداً إن لم يكن مستحيلاً. 

رابعاً: هل سيقبل مسيحيي وسنة ودروز لبنان قيام لبنان جديد من خلال استبدال الهيمنة القديمة للأتراك والسنة بهيمنة جديدة لإيران والشيعة على لبنان والمنطقة؟ (كما هو حاصل اليوم) في ظل عدم وجود ضمانات من أمريكا وإسرائيل وأوروبا تمنع اضطهاد الفرس والشيعة للسنة والعرب وتهجيرهم. في الوقت الذي تسكت فيه على ما ترتكبه من مجازر في اليمن والعراق وسوريا. 

وبالمقابل هل يقبل شيعة لبنان أن يعود اهتمامهم أو يصبح أو يعودوا كما كانوا قبل قيام إيران الخمينية؟ أو مستقلين عنها سياسياً (قلباً وقالباً) ؟ وإذا قبلت تركيا وفرنسا وسوريا كما قبلت سابقاً في ظروف مختلفة التخلي عن مصالحها في لبنان؟ هل تقبل إيران التخلي عنها في لبنان أو في العراق أو عن الشيعة أو عما حققته في لبنان من نفوذ؟. وهذا يشكل تحديا جديدا لم يكن موجود سابقا. 

مع التذكير بأن الحروب الطائفية التي ظهرت في لبنان في عام 1861 و1868 (كما ذكرنا في الفصل الثالث) تؤكد على أن الهدف من الأساس لم يكن لحماية المسيحيين أو الدروز بل لفرض نفوذ فرنسي وإنجليزي في الشرق. كذلك فإن حماية إيران للشيعة اليوم وغداً ليست لحمايتهم بل ستلحق بشيعة وسنة لبنان مجازر بشعة كما حصل ويحصل اليوم في سوريا والعراق. كما حصل سابقاً مع المسيحيين والدروز والسنة. 

وبما أن كلاً من فرنسا اليوم لم تعد بحاجة للبنان مسيحي، ليوجد للرأسمالية الفرنسية الصاعدة، قواعد لها في لبنان والمنطقة. فهل ستقبل إيران التخلي عن لمشروعها التوسعي الناهض، أو أن تتخلى عما حققته في المنطقة ولبنان باسم حماية الشيعة؟ ما يعني أن جزء كبير من الحل ليس مرتبطاً برغبة الشيعة أو اللبنانيين بقدر ما هو مرتبط بالفرس (والولي الفقيه وتجار البازار في طهران) وما تسمح به لهم أمريكا وإسرائيل. أو برفض شعبي عام وقوي يكاد يكون حلما صعب المنال. 

خامساً: يفهم من ذلك. أيضاً. أننا كي نتوصل لحل جذري لمشاكل لبنان علينا أن نعالجها ككل أو كجملة واحدة من خلال وضع تصور نظري شامل لما يمكن أن يؤدي إلى نشوء أو قيام وطن عربي متكامل متضامن ضمن إطار وضع عالمي ديمقراطي متكامل يقوم كله على حقوق الإنسان والقانون الدولي وحق المواطنة المتساوي للجميع بغض النظر عن الدين والمذهب والعرق واللغة في دولة أو دول ديمقراطية. مع التذكير بأن المسيحيين اللبنانيين الذين كانوا رواداً في هذا التوجه القديم الجديد. قد يكونوا رواداً جدداً في المرحلة القادمة. 

لذا نعود لنؤكد على أن كل تلك الحلول التي مر بها لبنان كانت حلول ترقيعية جاءت لحل مشاكل ظرفية عابرة تركت آثارها السلبية وعقدت المسألة اللبنانية أكثر. لذلك لم تفلح حتى اليوم في إرساء سلم أهلي حقيقي ولا في تغيير أو تصحيح الأسس الخاطئة الأساسية التي قام عليها لبنان في المرتين. 

ونذكر هنا بأن أمريكا بعد احتلالها العراق 2003 وتسليمه لإيران. ومن ثم تسليمها لها سوريا ولبنان لتعبث بهما، قد عقد المسألة اللبنانية وسيعقدها أكثر مما كانت عليه قبل تسلم الخمينيين حكم إيران، حيث باتت الصعوبات الجديدة الناشئة في وجه بناء لبنان جديد مستقل عن الصراعات الخارجية أصعب (حيث لم تكن إيران الشاه لاعباً داخلياً في لبنان) لهذا لابد للتغير المنشود أن يأخذ بعين الاعتبار كل ما حصل في لبنان وسوريا والمنطقة بعد الثورة الخمينية ظهور حزب الله كذراع للحرس الثوري وفيلق القدس في لبنان. 

لهذا قد تكون دعوة الثوريين اللبنانيين مفكرين عراقيين وسوريين وفلسطينيين تقدميين وعرب لمؤتمر أو إلى لقاء تشاوري مفيداً جداً للجميع. 

سادساً: بعد زوال خطر الشيوعية (المزعوم لأن ما كان يجري العمل عليه رأسمالية الدولة) تبين لرجال وقادة فوق الإمبريالية 5+2 أن الحفاظ على الهيمنة الاقتصادية والمالية على العالم هي الأساس وبأن ما عليهم سوى ترك القوى الجديدة الناشئة مثل تركيا وإيران وإسرائيل من أن تتمدد وتتصارع في حين تبقى هي تراقب (كما كان يفعل أباطرة روما عندما كانوا يرغبون بالتسلية فيتركوا العبيد يتصارعون في الحلبة أمامهم) ممسكة بحنفية المال والسلاح والتجارة العالمية. فإذا أسقطنا هذا التوجه الجديد لهذه القوى على المنطقة العربية وعلى لبنان. نرى أنه لم يعد لفرنسا وبريطانيا وأمريكا مصلحة في التمسك بلبنان يقوم على الطائفية أو لحماية أي طائفة لبنانية. لأن الواقع القديم تغير جذرياً بعد عام 1991 (ومن قبل حيث أصبحت دولاً كالسعودية ودول الخليج وأحزاب إسلامية، وبصورة علنية أميل وملتصقة بأمريكا والغرب وفرنسا والليبرالية الجديدة، وأكثر ميل من مسيحيي لبنان للغرب حتى داخل لبنان (توجه سنة وأتباع آل الحريري لفرنسا وأمريكا أكثر من توجه الموارنة لهما). ولهذا لم يعد يهم تلك الدول أن يًحكم لبنان من قبل المسيحيين الموارنة ولا تهمها الصيغة الطائفية التي قام لبنان عليها عام 1943. ولا يعنيها إن ظلت تلك الطبقة الضيقة جداً متمسكة بمصالحها. بقدر ما يهمها الحفاظ على تبعية الجميع لليبرالية الجديدة (العولمة أو فوق الإمبريالية. ولم يعد يهم أمريكا من يسيطر فكرياً على المنطقة العربية ولبنان وسواء أكانت إيران أم تركيا بقدر ما يهمها الحفاظ على أمن إسرائيل ومن ثم هيمنتها المالية. وهذا ما يجعلنا نؤكد على أن إسرائيل وحدها هي الوحيدة الحريصة على إبقاء الصيغة الطائفية قائمة في جارها لبنان} لأن هذه الصيغة تشكل أكبر حماية أيديولوجية وأخلاقية لها، تقوم على الفكر العنصري الديني ذاته. وهو ما سعت إلى فرضه وفرضته فعلاً. من خلال “برايمر” أمريكا عام 2003 على العراق. كي يكون رديفاً طائفياً للبنان ولإسرائيل على المستوى الإيديولوجي والعقائدي شرق المتوسط). بما يفهم منه ويجعلنا نؤكد على أن كل من يسعى أو يتمسك بالطائفية أو بالنظام الطائفي في لبنان أو في العراق أو في سوريا (أيا كان اسمه وأصله وفصله) إنما يتوافق دون أن يدري مع الرؤية الإثنية (العنصرية الصهيونية التي تقوم عليها: “إسرائيل” ويلتقي معها من الضفة الأخرى لفلسطين). لأن هذا بات السبيل الوحيد الذي يبرر بقائها كدولة عنصرية بعد أن فقدت مبرر وجودها التاريخية والأخلاقية والسياسية. 

وبما أن جميع حكومات الدول العربية كانت وما تزال تسعى إلى تحسين علاقتها بالغرب. كما كان لبنان قبلهم ـ أغلب الوقت فإن هذا يشكل خلفية تاريخية عالمية جديدة تسهل تقبل تعلم الكثير من الدول الغربية ذات النمط الديمقراطي كما هو سائد في البلدان الاسكندنافية. وهو ما يتطلب من وضع ذلك التصور بعين الاعتبار لكل من يفكر أو يخطط لقيامة لبنان الثالثة. وهو ما على اللبنانيين الثائرين حالياً أن يعوا جيداً. ولهذا فهم يفترض أن يكونوا متعارضين جذرياً مع إسرائيل العنصرية بذات الدرجة من العداء للبنية الطائفية التي قام لبنان عليها، وبأكثر من كل من يَدًعون العداء لإسرائيل. وعليهم أن يتذكروا أن إسرائيل كما وقفت سابقاً مع الطائفيين الموارنة علناً ستقف اليوم (بشكل غير مباشر) مع الطائفيين الشيعة وكل من يسعى إلى التمسك بالطائفية. ونشير أيضاً إلى أن الدول الأوروبية وفرنسا والبنك الدولي والدول المانحة والداعمة للبنان. بات يهمها تبعية لبنان لليبرالية الديمقراطية السائدة. أكثر مما يهمها الحفاظ على أو بقاء النظام الطائفي. لهذا باتت ميالة للتوافق مع الحراك الشعبي اللبناني ذو التوجه الليبرالي الديمقراطي ودعم إصلاحات أكثر جذرية من تلك التي يمكن أن تقوم بها الطبقة الحاكمة، أكثر من ميلها للتوافق مع طائفة لأنها مسيحية فقط. أو مع فئة طائفية فاسدة ومبذرة ومصدر للتوتر وعدم الاستقرار. يجنبها عناء التدخل. وتكاليفه وأخطاره. وهو ما تأكد من خلال تخلي فرنسا عما ثبتته في لبنان سابقاً. من خلال دعوة ماكرون لزعماء لبنان إلى الاتفاق على ميثاق وطني جديد. أي ميثاق يتجاوز ما تم فرضه وتثبيته سابقاً عام 1943 والانتقال بلبنان من عصر الطائفية والعصبية إلى عصر المدنية والديمقراطية والانفتاح. وهنا بدأ يظهر أو سيظهر تعارضا بين ما تريده إسرائيل وأدواتها في لبنان من حيث الحفاظ على الأنظمة الاستبدادية والطائفية، وبين ما يريده ثوار لبنان. وهو ما يفترض بالثوار التركيز عليه. من هنا أعتقد أنه إذا كان يوجد ثمة معارضة داخلية لهذا التوجه الداخلي والخارجي لتجاوز وإلغاء الطائفية السياسية وبناء دولة مدنية ديمقراطية فعلاً. مهما كان مصدرها والشعارات التي ترفعها فهي لابد أن تكون أولاً ميالة دون أن تدري للتحالف مع إسرائيل وبعض حماتها من يمينيين في أمريكا وفرنسا. 

سابعاً: مع أن شعار كلن يعني كلن يعني بالضبط، والمقصود به الطبقة الفاسدة ممن حكموا لبنان أو تولوا فيها مناصب وزارية أو إدارية. فهذا معناه أن ذلك لا يمكن ولا يجوز أن ينطبق على الشرفاء ممن تولوا تلك المناصب وأعتقد أنهم كثر. 

لذا يفترض أن ينطبق هذا فقط على زعماء وقادة التيارات الطائفية الكبرى، ممثلة بالتيار العوني (عون وباسيل) الذي يمثل الطائفة المسيحية القديمة. وتيار المستقبل (ممثلا بالحريري وكل الحريرية) كممثل للتيار السني الأقدم والمحدث. والتيار الدرزي (جنبلاط وارسلان ووهاب) وتيار نبيه بري وأخيراً تيار الولي الفقيه ممثلاً بحزب الله. (الباقي تأثيره ضعيف). لذا اتصور أن بقاء أو الإبقاء على هذه الشخصيات على رأس وقيادة ما تسمى أحزاب أو حركات سيشكل أكبر حائل ومانع أما قيام لبنان جديد. ولن تقوم قائمة للبنان لا اليوم ولاغداً بوجودهم على رأس السلطة. 

دون تجاهل محاسبة ومعاقبة وإبعاد وحبس من عرفوا بالفساد (أو ثبت عليهم) وإثارة الفتن والتقٌلب فيفترض أن تتم محاسبتهم ومنعهم من الظهور أيضاً على وسائل الإعلام. ووسائل التواصل الاجتماعي كما فعلت الفيس بوك وتويتر مع الرئيس ترامب. أما من ثبت سرقتهم للمال العام فيجب أن يقدموا لمحاكمة عادلة وأن تنفذ فيهم الأحكام المناسبة فوراً أو يحجر عليهم. 

 

 

 

 

الفصل الحادي والعشرون:
تحديات نظرية وفكرية وسياسية

 

فكرة الحياد والحياد الإيجابي: 

نشأة فكرة الحياد: 

موضوعياً، تنشأ فكرة الحياد عندما يوجد طرف ثالث (ضعيف) يقع بين طرفين قويين ومسيطرين؛ يحيطان به. وبما أنه لا يستطيع تجنب خطرهما أو مواجهتهما أو مواجهة أي منهما. لذلك يسعى ويعمل على الوقوف على الحياد بينهما ليخفف من حدة الضرر المحتمل وقوعه عليه من جهة. لكنه من جهة ثانية لا يدري إن كان الطرف الآخر يقبل بوقوفه على الحياد. أم سيجبره على الانحياز. لذلك سيجد نفسه مضطرا لمحاباة ومصادقة الطرفين (الجانب الإيجابي لعدم الانحياز) أو أحدهما خفية (كما فعلت السويد) وبالتالي عرضة لتدخل الطرفين أو أحدهما أكثر في شؤونه، فيقع في أخطاء كثيرة ليس أبرزها خطأ عدم المبدئية كونه تعامل بإيجابية مع طرف ظالم سيلحق به لاحقاً ضرراً معنوياً إذا ما هادنه أكبر مما لو جابهه. ومع أن الفكرة في العصر الحديث تحولت إلى تيار فكري وسياسي واسع وكاسح عندما كان الصراع محتدما بين ما يسمى الكتلتين الشرقية والغربية عام 1955. إلا أن نتيجته كانت فوزا كاسحا للنظام فوق الإمبريالي والإمبريالية الروسية والصينية المتوحشة. 

وبما أن الصراع يومها. كان يصعب حسمه لصالح طرف منهما فلقد وجدت كيانات أصغر مثل يوغسلافيا والهند ومصر وإندونيسيا أن الوقوف على الحياد هو الطريق الصحيح لتجنب الانجرار إلى حرب ستلحق بها وبشعوبها ضرراً كما حصل في الحربين العالميتين الأولى والثانية وهو ما أدى إلى نشوء حرب سياسية واقتصادية وأيديولوجية سميت بالباردة ومع أن تلك الحرب كانت ساخنة بين المعسكرين في فترة ما بين الحربين العالميتين بين قوتين كبيرتين. 

لذلك أطلق، ووجد “ميشال شيحا” في تلك الفترة (عام 1936) أنه كي يجنب لبنان خطر الانجرار إلى حرب ساخنة لا مصلحة له فيها. شعار حياد لبنان. (مع أنه في الحقيقة كان يخفي انحيازه الفعلي للغرب) بما يبقي لبنان منفتحاً على الغرب فعلاً وعملياً وظاهراً مع الشرق أو دون أن يقطع علاقته به. مستندا على حقيقة قوية “أن موقع لبنان الجيوسياسي والتاريخي والثقافي كصلة وصل بين الغرب الأوروبي والشرق العربي وكونه غير مؤثر على السياسة الدولية سيفيد لبنان أكثر”. ولهذا استفاد لبنان فعلاً من تلك الرؤية (في ذلك الظرف الذي استمر في فترة الحرب الباردة أيضاً) مما قلل اعتماد لبنان على تسليح قوات الجيش والأمن فوفر فائضا نقديا ساعدت في نمو التجارة والسياحة والترانزيت والخدمات على حساب الإنتاج. مما حول المجتمع إلى استهلاكي وإن ساهم في تقدم لبنان ورفاهه في فترة معينة وهو ما انعكس إيجابياً على أغلب فئات الشعب ولهذا وجدت الفكرة لها سابقاً وستجد لها اليوم صدى واسعا لدى غالبية اللبنانيين. 

لكن ينسى الكثيرين أن ذلك كان في مرحلة تاريخية زالت وزالت معها أهم مقومات الحياد حالياً لزوال الكتلة الشرقية وحتى الشرق العربي الذي أصبح غربا أكثر من لبنان. أما بعد قيام ما تسمى دولة إسرائيل واحتلالها لأراضٍ عربية ولبنانية وطردها لسكانها منها، كان لابد للموقف أن يختلف جذرياً – عما كان عليه في فترة الاستقطاب الدولي وهيمنة القطب الواحد. حتى لو كان لسويسرا حدوداً مع إسرائيل لن تتمكن من الوقوف على الحياد ولا إلى جانب الغرب لفترة طويلة. 

1- موقف لبنان غير المحايد إزاء الصراع مع إسرائيل: 

كي لا يتوهم البعض أن هذا الموقف هو نوع من التجاوب أو التلاقي مع موقف حزب الله أو موقف المقاومة الفلسطينية من إسرائيل، من المفيد أن نذكر بأن مشكلة لبنان مع إسرائيل كانت قائمة، منذ وقبل قيام الكيان الصهيوني (أول من أدرك خطر الصهيونية كان ابن قرية يازور في جنوب لبنان المفكر والسياسي الفذ “نجيب عازوري”). على الرغم من أنه لبنان كان قد أرسى أسس علاقات جيدة ومتينة مع الغرب. قبل ظهور الصهيونية ومع ذلك رفض الخضوع لإملاءاتها عليه. 

وهو ما تشير له الوقائع التاريخية حيث كان لبنان رغم الضغوط الغربية. آخر من وقع اتفاقيات الهدنة مع ما تسمى إسرائيل عام 1949. كما تؤكد الوقائع التاريخية على أن أيا من رؤساء لبنان المعروفين بالعمالة للغرب مثل كميل شمعون لم يجرؤ على الاعتراف بإسرائيل أو الإعلان رسمياً في الوقوف على الحياد، إزاء الموقف منها. (على العكس مما فعله حسني الزعيم في سوريا والذي دعي إلى الصلح معها بعد الهدنة فوراً) ونذكر من لا يذكر:

 بأنه عندما انحازت الحكومة اللبنانية عام 1955 إلى جانب الغرب وحلف بغداد (حليف إسرائيل) في عهد كميل شمعون، هب الشعب اللبناني ضد ذلك مما أدخل لبنان في الفوضى. لذلك فالموقف من إسرائيل لا علاقة له بالموقف من الغرب ولذلك كما لم يكن لن يكون بإمكان لبنان الوقوف على الحياد اليوم بعد كل ما قامت وتقوم به وما تطلبه إسرائيل. يكفي أن أذكر المسيحيين أن السلام مع إسرائيل يتطلب توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وهو ما لن يقبله المسيحيين قبل المسلمين وكونه سيدخل لبنان في فوضى أكبر. لذلك نقول: 

من حسن حظ اللبنانيين أن أحداً من المفكرين أو المنظرين أو الكتاب والصحفيين أو الساسة (وقليل من الزعماء العرب الشرفاء) اللبنانيين المعروفين، لم يقفوا يوماً ولن يقفوا على الحياد في هذا الصراع، إن لم نقل إنهم كانوا أول دعاة الوقوف ضد الصهيونية. وأول من التفوا حول حقوق الفلسطينيين المشروعة. وكان المسيحيين أول من دعي لعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم في فلسطين (حتى لو كان ذلك لدواعي ومخاوف طائفية). وهكذا كانت بيروت أول عاصمة عربية برئيسها المسيحي (بشارة الخوري) تنشأ بدعمه لجنة عرفت باسم “لجنة عودة اللاجئين عام 1948. وقبل أي دولة عربية مما أوقع بيد جميع زعماء العرب المسلمين ومنعهم من الاعتراف بإسرائيل دون عودة اللاجئين كشرط للسلام وبما أن اسرائيل ترفض ذلك الأمر لذلك لن يتمكن لبنان من الوقوف على الحياد أو أن يقيم سلاما مع إسرائيل على عكس جميع الدول العربية. وهو ما جعل ويجعل القضية الفلسطينية حية حتى اليوم. 

وتشير الوقائع المدونة أن بيروت كانت العاصمة العربية التي استقبلت حكومة عموم فلسطين ورئيسها اللبناني الأصل “أحمد عبد الباقي” وممثلها موسى العلمي وزعيم الهيئة العربية العليا الحاج محمد أمين الحسيني (وأقامت له مبنى خاصاً في الحازمية مع حراسة مشددة ودعم معنوي وسياسي. كما استقبلت أغلب رموز الهيئة العربية العليا منذ عام 1950 (والتي كانت في وقتها الناطق الرسمي والوحيد باسم الفلسطينيين وتكتسب شعبية عامة أكثر من شعبية منظمة التحرير حالياً) وأقامت لهم مكتبا في بيروت. كما تشكلت فيها عام 1948 لأول مرة في الوطن العربي لجنة لبنانية للدفاع عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم. كما تشكل فيها أول تنظيم سياسي فلسطيني “حركة التحرر العربي الفلسطينية ” ومن ثم أول جبهة ثورية “المكتب السياسي للعمل الفلسطيني الموحد” عام 1963. (ضمت ستة حركات ثورية فلسطينية) وكانت بيروت أول عاصمة عربية يتمكن فيها كبار المفكرين الفلسطينيين من إقامة مركز للدراسات الفلسطينية في ذلك العام وقبل أن تنشأ ما عرفت بمنظمة التحرير. ثم كانت مركزاً لكتاب وشعراء وفنانين فلسطينيين كثر عملوا في مركز البحوث والدراسات الفلسطينية واللتان صدرت مئات الكتب التي أحيت القضية الفلسطينية وعرفت العالم كله بالقضية وعملت على نشر الوعي الوطني والقومي في جميع أنحاء العالم والوطن العربي. وهذا كان أكثر أهمية من حمل السلاح واستقبال المقاومة الفلسطينية المسلحة حيث وقف لبنان وضحى حكومة وشعباً لصالح القضية الفلسطينية ما لم يقدمه بلد عربي آخر. 

ولهذا فكما لم يقف لبنان على الحياد إزاء هذا الصراع (حتى عندما لم يكن حزب الله موجوداً وقبل أن يوجد) كذلك لن يقف اليوم ولا مستقبلاً على الحياد في هذا الصراع ضد العنصرية والشر الذي تمثله إسرائيل. على الأقل كونها تحتل جزءاً من أراضيه ولا تحترم سيادته وترفض إعادة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم. لذلك فالدعوة للحياد في هذا الصراع عدى عن كونها تمهد لسلام مع هذا الكيان المحتل والغاصب لأراضي لبنانية قد تجبر لبنان التخلي عن حقوق للبنان وشعبه في الأرض المسلوبة منه وفي الأمان. لذلك كما كانت ستبقى تعني في ظل هذا الاحتلال. بشكل غير علني. استسلاما واصطفافاً إلى جانب الشر والعدوان والاحتلال والعنصرية والتوسع. وهذا ما لا يقبله أي إنسان أو فكر أو دين أو رجل دين. 

ونذكر من نسي بأن اللبنانيين رغم ما تحملوه من شرور بسبب موقفهم الداعم للقضية والمنظمات الفلسطينية. وكما لم يحصل سابقا، لن يمنعهم ذلك من تبني الموقف الفكري المناهض للصهيونية والاستعمار والاستبداد اليوم أو مستقبلاً. وبالتالي للوقوف علناً في الإعلام والصحافة ضد كل ما تقوم به إسرائيل من توسع واستيطان وتعدي على مقدسات المسيحيين والمسلمين أو دعوة لتوطين اللاجئين. وإصرار دون سواها من الدول العربية على حق الفلسطينيين في العودة لبلادهم. 

لذلك نقول إنه مهما طَبًعت حكومات الدول العربية إلا أن أحداً في لبنان لم ولن يجرؤ على أن يعلن يوماً أو يدعوا للوقوف على الحياد أو على مسافة واحدة من الفلسطينيين واليهود الصهاينة. (كل الأديان ترفض الظلم الذي وقع على الفلسطينيين) لذلك كان وسيظل الحياد إزاء هذا الصراع أو الدعوة له مرفوضاً سياسياً عدى عن مخالفته للعقل والمنطق والأخلاق والأديان. لذلك كما كان اللبنانيين ونخبهم ورجال دينهم سيظلون كما الشعوب والنخب العربية الشريفة تقف ضد حياد كهذا مع عدو شيمته الغدر. لذلك أجد أننا بحاجة لمعالجة موقف لبنان على الحياد من التطرق لموضوعات أخرى. وهنا استبق لأقول إنه حياد لبنان سيسقط بناء على. 

2- سقوط فكرة الحياد الإيجابي وفكرة عدم الانحياز العالمية: 

بما أن معسكر دول عدم الانحياز والحياد الإيجابي قد نشأ في ظل الحرب الباردة وسقط بعد سقوط المعسكر الاشتراكي فكان لابد أن يسقط عنه الحياد حتى الإيجابي. في جميع الدول العربية ولبنان. 

وهذا ما يعيدنا إلى أساس الصراع الدولي السابق والحالي. حيث لم يكن العالم منقسما ولم يعد كما هو اليوم منقسما إلى معسكرين شرقي وغربي بل معسكر واحد منقسم على نفسه بين طرف مستبد وغير عادل وظالم ومستغل، وطرف أقل ظلماً واستغلالاً وأكثر عدلاً. عندها لا يعود أمامنا اليوم أي خيار للوقوف على الحياد. بل الوقوف إلى جانب المعسكر العالمي الداعي للعدل والمساواة والمواطنة المتساوية بين البشر. كون المسألة لم تعد خيار بين تبني أيديولوجية ونهج رأسمالي أو اشتراكي، بل بين ما هو أقل ظلماً وما هو أكثر عدلاً،بين معسكرين جديدين لا يمكن أن نقف بينهما على الحياد. لذلك لا يمكن أن نقف على الحياد إزاء كل من يقوم بعمليات السرقة والنهب والاستغلال والفساد والاستعباد والعنصرية سواء على المستوى العالمي أو الداخلي. ولا يمكن بالتالي لمن كانوا يناضلون ضد الظلم والنهب والاستغلال إلا أن يعودوا للنضال في سبيل بناء نظام عالمي جديد يقوم على العدالة والمساواة بين البشر. باعتبارها مسألة أبدية، كأحد أشكال تجليات الصراع بين الخير والشر، بين الحق والباطل. عبر التاريخ متجسدة، حالياً في معسكر الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسلام. وهو ما يفترض بنا في كل دولة بما فيه لبنان ألا نقف على الحياد فيه بل لابد من المساهمة في بناء مستقبل عادل وأفضل لهم وللبشرية. 

3- الصراع بين شرق وغرب: 

من حسن حظ اللبنانيين (وحظنا جميعاً كعرب) أن الجميع يعرفون اليوم (خاصة في لبنان) أن الصين الشيوعية إضافة للنظام الروسي عدا عن تبعيتها وتبنيها للنظام الرأسمالي (لكن القائم على الاستبداد الشرقي القديم) ويعرفون أن إيران الواقعة في الشرق. كما كانت منذ بداية نشوئها كدولة وخلال مسيرتها الطويلة ما تزال دولة شرقية أشد استبداداً، من أي دولة في العالم. وبما أنها تظلم شعبها فلا يمكن لها أن تكون رؤوفة بغيرها من الشعوب. بل ستزيد كما زادت على ذلك الاستبداد ظلاماً وخرافة، بعد تسلم ملالي عملوا ومازالوا يعملون على تعميم الظلم والظلام على الحياة النيرة والمضيئة للشعب الإيراني والحياة. حتى باتت إيران بعد ما عرفت بالثورة الإسلامية أكبر دولة استبدادية ودموية وظلامية ومعادية للعدالة كما كانت من قبل وستظل كما كانت قبل عام 1979 أكثر دولة معادية للاشتراكية والشيوعية ومعاداة للعرب والعروبة عبر التاريخ. كما بات وأصبح واضحاً أنها أقل معاداة للغرب منا كعرب. بدلالة أن الغرب بات حليفها المباشر وعلناً في مواجهة ما تزعم أمريكا فرضه عليها من عقوبات زائفة. وهي كما كانت ما تزال تقف مع الاستغلال والنهب والاستعباد والاستبداد والفكر الظلامي والعمى الفكري الذي يؤله بعض الأفراد وجعلهم بمثابة خلفاء لله على الأرض. 

وهذا ما يسهل علينا أيضاً مهمة التصدي للداعين لفكرة الانحصار في الخيار الروسي الصيني الإيراني فقط. (الذي تقوده اليوم مجموعة من الصحفيين والمفكرين العلمانيين الكبار أمثال ناصر قنديل وحسن حمادة والمنتمين لما يسمى محور المقاومة والممانعة). فنذكرهم بأن هاتان الدولتان ليستا اشتراكيتين أو ديمقراطيتين بل نظامين (كما أغلب الأنظمة العربية) استبداديين معاديين للديمقراطية والحرية والكرامة الإنسانية وضد الشعوب يقومان على النهب والمافيا وتصدير الثورات المضادة للشعوب وللسلاح وبأسوأ مما يقوم به الغرب. الذي لولا دعمه لإسرائيل لأعلن جميع العرب انحيازهم له. 

4- الحياد إزاء الصراع بين المحورين السعودي والإيراني: 

بينا سابقاً في أكثر من مجال وبحث أن هذين المحورين ليسا متناقضين أو متعاكسين بل محورين متوازيين يسيران في خطين خط إعاقة وخط تدمير بلدانهم وشعوبهم وللمنطقة بطرق مختلفة، فرضتها عليهم ظروفهم التاريخية السابقة، وبأ نهما كما كانتا عبر التاريخ وفي العمق يكملان بعضهما، فإن الامبريالية العالمية كما كانت ماتزال ترعاهما. وبالتالي فإن الوقوف مع إيران بزعم أن السعودية كانت وما تزال مهادنة للسياسة الأمريكية. أو لأن إيران تقف مع تحرير فلسطين والقدس، فما ذلك إلا كلام للمتاجرة بنا، سمعناه من السعودية من قبل، كما منذ أربعين عاماً من إيران ولم نشهد له أي أثر على أرض الواقع وبأن ذلك يستخدم للتغطية على أبشع صور الاستبداد الديني والقمع في التاريخ. بدلالة ما نسمع به ونشاهده من أفعال لها في كل من إيران والعراق وسوريا. والذي لا نرجو له أن يمتد تحت أسم محور المقاومة والممانعة إلى لبنان. 

5- الحياد إزاء الصراع الدائر في سوريا: 

أما إذا تناولنا الحياد من زاوية الموقف النظري والأخلاقي المطلوب من الصراع الدائر في سوريا، كأحد تجليات الصراع بين أنظمة مستبدة تقمع شعوب تطالب بالحرية والكرامة والنهوض. فإن الموقف الصحيح والأخلاقي والمبدئي، كان يتطلب من كل من يزعم أنه وطني وعربي حر وشريف وإنسان نظيف يؤمن بالحرية والكرامة ويدعوا لهما في لبنان والعالم. أن يقف إلى جانب الشعب السوري المطالب بالحرية والكرامة. لا أن ينأى حتى بنفسه عما يجري فيها (أوفي العراق) لا أن يقف على الحياد. وبما أن كلاً من النظام وروسيا والحزب وأمريكا والغرب والصهاينة نجحوا في تصوير الصراع في سوريا على أنه صراع بين نظام علماني وبين إسلاميين إرهابيين (وصراع ضد الإرهاب والقاعدة وجبهة النصرة وداعش). وإن كنا لا ننكر وجود هؤلاء لكننا نعرف ونؤكد أنهم قلة مرفوضة ومنبوذة، قامت تلك الدول بإدخال أكثرهم إلى سوريا ولبنان لتخويف اللبنانيين من التغيير. ما جعل غالبية اللبنانيين يرتعبون ويتقبل وجود الحزب وقتاله في سوريا تجنباً لوصولهم إلى لبنان. ولهذا وقف كثير من اللبنانيين إلى جانب النظام الفاسد والمجرم وإلى جانب حزب الله كونه يقاتل الارهابيين ويبعد شرهم عنهم. ولهذا بات قسم كبير من اللبنانيين يفضلون بقاءه هذا النظام المجرم (مع معرفتها بأنه فاسد ومجرم) على سيطرة الاسلاميين الإرهابيين. لكن بعد أن اتضح للجميع خاصة اليوم. أن المسألة في سوريا لم تكن كذلك من الأساس، بل صراعا بين نظام فاسد مستبد ومجرم وبين شعب مطالب بالحرية والكرامة. لذلك فإن موقف شرفاء لبنان يفترض أن يتغير فوراً إلى جانب الشعب السوري المظلوم والثائر بعد أن اتضح أن داعش لم تكن إلا كذبة. وبالتالي فإن الوقوف على الحياد اليوم لن يكون في حقيقة الأمر سوى وقوفاً إلى جانب نظام القتل والفساد والظلم الذي عانوا منه وما زالوا يعانون منه الكثير. 

الموقف الصحيح والمبدئي والأخلاقي لكل شريف وثائر في لبنان ضد الفساد والظلم والنهب الداخلي يتطلب منه الوقوف ذات النظام القائم في سوريا والعراق وأي مكان في العالم. 

6- الحياد الإيجابي للمطران الراعي: 

ضمن هذا السياق نلفت نظر المطران بشار الراعي أن دعوته للحكومة اللبنانية والشعب اللبناني الوقوف على الحياد الإيجابي إزاء الصراعات الكثيرة الجارية في المنطقة والعالم تشكل عودة لماض انقضى ولم يعد له وجود كما نذكر.. 

أولاً: بأن هذا الموقف من الناحية المبدئية يتناقض مع القيم الدينية للمسيحية. باعتبار أن الأديان كلها خاصة المسيحية إذ تميل للتسامح فهي تميل لعدم فعل الشر أو لفعل الخير أكثر، بل تقف ضد الشر، ولذلك لا يمكن للمسيحي الحقيقي (طبعاً والمسلم والبوذي) إن رأى منكرا أو شرا إلا أن يتدخل لمنعه بطريقة ما حتى لو كان بالتسامح. وهذا ما توصل له العقل والمنطق قبل أن تظهر الأديان وتقوم بتثبيته. وإن لم نستطع منع حدوث الشر بعد أن يحصل فإنه يتوجب علينا، أن نشير إلى الصواب لا أن نقف على الحياد الذي يصيح موقفاً سلبياً. بل علينا تحذير المعتدي والظالم والشرير وتحميله مسؤولية أفعاله، ومن ثم العمل على محاسبته عليها كيلا تتكرر المظالم وتسود وتنتشر. وإن لم نفعل ذلك لا نتهرب من تحمل المسؤولية الأخلاقية التي تلقيها علينا دياناتنا بل مسؤوليتنا كبشر (قيمنا ودياناتنا ومبادئنا وأخلاقنا) وإن لم نقل ذلك ونفعله نكون قد فسحنا المجال للمجرمين للغلو في الفساد والظلم، مما قد يدمر المجتمع. 

أما إذا سلمنا بأن فكرة الحياد قد تكون مطلوبة في ـ وتمليها ـ ظروف معينة ومحددة بدقة لتلافي شر أعظم. قد يقع بين اللبنانيين مع نظامهم ومع الحزب الذي يمتلك وحده السلاح، قد يسبب حربا أهلية. من هذه الزاوية فقط يمكن تقبل فكرة المطران كحالة مؤقتة تجنب جر البلد إلى صراع أو لإخراجها من المأزق الذي أدخلها فيه الحزب. وهو ما يفترض ممن يدعون إلى الحياد أن يطالبوا بعودة جميع مقاتلي الحزب من سوريا (كونهم لبنانيين) هذا إذا كانوا لبنانيين وولائهم للبنان. وهو ما عبر عنه بالقول “أن الالتفات لمشاكلهم يجعلهم ويجعل لبنان أقوى في مواجهة جميع الأخطار المحدقة به وبهم، لذا أعتقد أن دعوة المطران جاءت في هذا السياق. وفي هذا الظرف العصيب، لذلك لابد من تثمينها إيجابياً وإن جاءت متأخرة جداً. 

ثانياً: الموقف من رجال الدين وتدخلاتهم في سياسة لبنان الداخلية والخارجية، من المفارقات المدهشة أن لبنان مع أنه يعتبر حسب الدستور دولة علمانية لا يتخذ من الدين أساساً لدستوره الوضعي إلا أن غالبية أبناء شعبه وحكومته ورئيسه أكثر الدول العربية خضوعاً لتدخلات رجال الدين سواء المسيحيين أو المسلمين السنة والدروز في السياسة. 

مع معرفتهم أن تدخل الدين في السياسة مفسدة لها ولهم وتشويها لتعاليم الدين الأبدية والثابتة. طالما أن الساسة يتعاطون مع تبدلات دائمة، لذلك يفترض أن يتخذوا مواقف سريعة قد تكون للمناورة فقط. لذلك يفترض أن لا يخضعوا لهم أو لفتاويهم التي قد تطول وقد لا تحصل. 

كما يفترض ألا يخضع رجال الدين للساسة ولا في إضفاء شرعية أو سحبها على مواقف سياسية متبدلة أو على رجال حكم يتغيرون. مع أنه تبين بالتجربة أن تدخل رجال الدين في السياسة (أو حشر أنفسهم فيها) لا يحل الأمور بل يعقدها. كونهم يعطون لمواقفهم وتصريحاتهم إزاء الأحداث والتغيرات السياسية صفة القداسة المستمدة من تقديس الناس المؤمنين للدين كي تستخدم لمصلحة قوى سياسية لا علاقة لها بالدين والحياة الأخرى بل بمصالح مادية ودنيوية وكما أساء سابقاً للدين يسئ له حالياً كونه يتيح للسياسيين استخدام الدين ورجالاته لتمرير أجندات سياسية لا تمت للدين بصلة. 

ثالثاً: توريث الزعامة، “بيار” فـ “بير” فـ “أمين “وبشير وسامي الجميل”. “سليمان فـ “طوني” فسليمان فطوني فرنجية. كمال فوليد فتيمور جنبلاط.. إلخ. كأننا أمام سلالات نقية وطاهرة من آل بوربون. أثبت العلم أن لا وجود لها إلا في لبنان لذا أعتقد أنها عدى عن كونها ظاهرة مرضية فهي خطيرة من الناحية العملية حيث أثبت العلم أن الوراثة مع الزمن تضعف النسل وقد تلحق به أمراضاً وعللاً لا شفاء منها. فكيف بانعكاساتها على المجتمع وعلى من يحيطون بهم ويتمسكون بهم. لذلك يجب العمل بكل الوسائل على وقفها ونبذها. وبما أنها نتيجة طبيعية للنظام الإقطاعي الطائفي المتوارث من الأب للابن للحفيد. وبما أن ذلك النظام قد انتهى لذلك أعتقد أنها كظاهرة اجتماعية سياسية تعكس تخلفاً اجتماعياً وفكرياً. كما اعتقد أنها لا يمكن أن تنتهي إلا بانتهاء النظام الطائفي. إذا انتهى تصبح من الماضي كما أصبح لويس السادس عشر. 

رابعاً: مفهوم الاستقلال الصحيح، إذا كان قد تشكل للبنان كدولة مستقلة سياسياً، عام 1943 فإن الوقائع تثبت أن ذلك الاستقلال كان ظاهرياً وشكلياً فقط. بليل أن لبنان من يومها وحتى اليوم مازال يعتمد على مساعدات خارجية. كونه كبلد صغير قام على الحياد والترانزيت وتحول إلى مجتمع استهلاكي. لذلك كان ومازال مضطرا إلى الاعتماد على ما يدره عليه الخارج من أموال. ما يعني أنه لا يمتلك مقومات الاستقلال الفعلي والحقيقي. وبالتالي لابد من أن يعتمد اقتصادية وعسكرياً على ما تقدمه له دولة أو عدة دول خارجية. إن توقفت ستظهر فيه الأزمات. وكونه قام بالأساس ومازال على (لغم الطائفية المتفجر بدعم الخارج) وعلى هيمنة التجار والزعماء الموارنة والسنة وبالتالي على إفقار الشيعة وأغلب سكان البقاع والهرمل والجنوب فإن هذا جعله قابلاً باستمرار للصراع وبالتالي لاستدعاء وطلب الحمايات والتدخلات الخارجية. كما يحصل اليوم من خلال المطالب التي يسعى لها جميع الزعماء لطلب المساعدة من فرنسا أو من دول الخليج والسعودية أو من البنك الدولي وأمريكا. وإذا كان هذا هو واقع الحال بالنسبة لدول كثيرة في العالم الثالث لكن ليس بالمقدار الذي انكشف عليه لبنان مؤخراً. 

وهو ما يفهم منه أنه كي يبني اللبنانيين دولة مستقلة فعلاً أو في الحدود الدنيا من الاستقلال السياسي لابد من أن يعتمد على الإنتاج واستغلال موارده المحلية و موقعه الجغرافي وجمال بلده بطريقة مختلفة . ليعيش شعبه بشكل لائق ومحترم. 

خامساً: مفهوم جديد للسيادة، إذا كان الاستقلال مثقوباً تكون السيادة مُنخلاً. 

– كيف ستكون ثمة سيادة والبلد مختطف ومضطر لاستيراد أهم متطلبات بقاءه حياً من الخارج؟ هل يمكن أن تكون هناك سيادة في البلد وأجوائه وبحره وبره مستباحا، وحيث لا وجود لأسلحة دفاع جوي (مثل أس 400) فيه قادرة على إسقاط أو تدمير أي هدف يخترق أجواءه؟ 

– كيف ستكون هناك سيادة وعشرات الأجهزة الأمنية الغربية بما فيها الموساد تخترق كل أجهزة ومؤسسات البلد الأمنية والاقتصادية والاجتماعية؟ 

– كيف ستكون سيادة وهناك أكثر من عشرون منفذ بري وعشرة منافذ بحرية تسيطر عليها عصابات أو تنظيمات خارج سيطرة الدولة؟ 

– كيف ستمتنع إسرائيل عن إختراق أجواء لبنان طالما أن حكومته تسكت على مئات الاختراقات اليومية التي تحصل في كل منافذ البلد البرية والبحرية والجوية؟ كيف سيتوقف الموساد عن تجنيد العملاء طالما أن البلد مفتوح للسي آي إيه والكي جيه بيه والموساد.. إلخ، وطالما أن الحكومة لم تعاقب من كانوا يعملون علناً لحسابه؟ وماذا يفعل حزب الله بنفسه وبسلاحه كي يتوقف عن تجاوز اختراق السيادة والاستقلال؟ 

 

ملاحظات هامشية: 

أولاً: قد يتذرع البعض بأن الخروج من ذاك النمط يتطلب تجاوز كل التركيبة الطائفية .وهذا يتعارض مع المبدأ الثالث للميثاق الوطني اللبناني الذي قام عليه لبنان عام 1943 للانفصال عن سوريا (الحياد وعدم التدخل). لكن من يدقق في الميثاق غير المكتوب (مع أنه بات بالياً وتجاوزه الواقع الذي بات يتطلب ميثاقاً جديداً) يجد أنه لم يشر صراحة للحياد بالمفهوم الحالي. بل أشارفقط لـ  ألا يكون لبنان منطلقاً للتآمر على سوريا  . حيث كان المقصود سوريا ذات حكومة وطنية . وليس محكومة من قبل أقلية حزبية .وتركيبة لم يكن لها وجود يوم صياغة الميثاق. وهذا يفترض بمن يزعم أنه مع الثوار والثورة والشعب اللبناني أن يقف مع الشعب السوري ومع ثواره وثورته (أساس سوريا) وليس مع النظام الذي فرض على اللبنانيين للمنظومة الفاسدة والتي دمت حياتهم وزادتها من خلال تفشي الفساد والنهب والسرقة والتبعية لإيران. وهو إذ يقف ضد هكذا نظام لا يتآمر على سوريا الشعب بل يقف معها. يقف الموقف المبدئي والأخلاقي الصحيح. لا أعتقد أن إنسانا في العالم يمكن أن يكون محايدا إزاء ما يجري في سوريا من جرائم يندى لها جبين الإنسانية. 

ثانياً: ليس مهما الموقف النظري للمرء بل العملي. حيث أن أغلب فئات الشعب اللبناني تقف إلى جانب الشعب السوري الثائر بالفكر والعواطف والقلوب. لذلك يمكن اعتبار موقفهم محايدا بالفعل. بينما حزب الله وحده هو المنحاز نظرياً وعملياً إلى جانب النظام والظلم والقمع والتجويع والقتل والتهجير والفتك. 

لذلك فإن الدعوة للوقوف على الحياد بين النظام الظالم والقاتل وبين المعارضة المدافعة عن حق شعبها في الحرية والكرامة كما يفعل الشعب اللبناني تعني دعوة للانحياز إلى جانب النظام الذي ظلمهم ونكل بهم. 

 

 

 

الفصل الثاني والعشرون:
معوقات دفينة وعملية وإجرائية

 

بناءً على ما سبق ذكره في مفهوم السيادة، يصبح من السهل تقبل فكرة: أن القوى الخارجية الفاعلة في ظل العولمة الاقتصادية والثقافية والمعلوماتية باتت تفرض نفسها على داخل أقصى بقعة في العالم حتى باتت بمثابة مؤثر عضوي داخلي ومباشر وفاعل فيه. 

لذلك سنجد دائماً وفي كل بلد أطرافاً تسعى للتغيير والتكيف مع العالم الحديث، وأطرافاً أخرى تقاوم ذلك. وهذا يقتضي أيضا التمييز بين معوقات تقوم بها قوى خارجية لمنع التغيير (في لبنان أو في سواه) كونه يمكن أن يلحق ضرراً بمصالحها. وبخاصة “إسرائيل” كونها كما بينا كدولة عنصرية تقوم على أساس عنصري ديني طائفي. كان ومازال يهمها وتحرص وتعمل من الداخل على إيجاد وبقاء دولة طائفية بجوارها. وبالتالي فهي قبل غيرها من القوى والدول، لا يمكن أن تترك المجال للقوى الثورية والديمقراطية لأن تأخذ البلد اتجاه نظام ديمقراطي يلغي الطائفية، لأنه سوف يشكل لها على المستويات كافة القريبة والبعيدة تهديداً وجوديا، أيديولوجياً وحضارياً. لذلك لابد من أن تستبق الأمور وتستخدم وسائل كثيرة (غير الاعتداءات أو التهديد بها من الخارج) فتحرك أو تدعم (الطائفيين) الموجودين في الداخل. وبالتالي تصبح هذه الفئات الطائفية دون أن تدري جزءاً من المعوقات الخارجية. تتوجب المواجهة. 

النظام الدولي الجديد وتحول العالم إلى ما يشبه القرية: 

ساهمت عملية الانتقال من الرأسمالية إلى الإمبريالية منذ بداية القرن التاسع عشر – خاصة بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية في توسيع وتعميق عملية ربط اقتصاديات وسياسات جميع دول العالم خاصة الصغيرة بها وببعضها البعض من خلال شبكة عنكبوتية مؤلفة من المصارف والبنوك يتحكم بها المراكز الاقتصادية (المالية) الكبرى والفاعلة. وهذا مكنها (بصورة تلقائية) من التحكم بالبنى الاقتصادية والسياسية للدول ذات الاقتصاديات الصغيرة ومنها لبنان لذلك سميت بالرأسماليات الطرفية أو الهامشية أو التابعة. ومع أن هذا الوضع قد تضعضع في فترة صعود الحركة الثورية العالمية وحركات التحرر الوطني (خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي) إلا أن الإنتاج الرأسمالي مع بداية القرن الحادي والعشرين وصعود ما فوق الامبريالية، تثبت بصورة لا تتيح لأي بلد الخروج من قبضة ذلك الإنتاج وبالتالي من هيمنة الدول ذات رؤوس الأموال والبنوك الكبيرة، خاصة تلك المتمركزة في نيويورك ولندن وباريس وطوكيو وبكين وموسكو على الرغم من الحديث عن الحرية الاقتصادية التي باتت حرية رأسمالية فقط. لذلك لم تعد الإمبريالية الجديدة (فوق الإمبريالية) بحاجة للتدخل المباشر إلا في الحالات الحرجة جداً. وبشكل عام كانت تترك المجال لوكلائها (أو أدواتها وحلفائها المحليين الموثوقين) من القيام بعمليات التلائم والتكيف بدلاً منها. وهو ما كان لابد أن ينجم عن الفراغات التي نتجت عن انهيار الاقتصاد الاشتراكي أو اقتصاد رأسمالية الدولة أو الاقتصاد الانتقالي مما أتاح المجال لدول ذات اقتصاديات كبيرة نسبياً مثل كوريا والسعودية وإيران وتركيا وإسرائيل (خاصة بعد سقوط قيادات حركات التحرر بعد عام 1990) لأن تنوب عنها للسيطرة على البلدان الأصغر مثل لبنان وسوريا لتحول عن طريق المال دون التحول إلى الديمقراطية كشكل من أشكال التحرر من التبعية. خاصة في البلدان التي استطاعت أن توجد لها في هذه الدول خلال المرحلة السابقة نفوذاً قوياً. 

وكما بينا في بحث سابق فإن الوكلاء الداخليين (بعد سقوط حركات التحرر الوطني والقومي في كل من مصر وسوريا ولبنان والجزائر وليبيا وتونس) توهموا أنهم باتوا أسياداً، فتجاوزوا الحدود المسموح لهم التحرك ضمنها والناتجة عن تلك الفراغات. وتمادوا وتغطرسوا وتجبروا واستبدوا وراحوا يكنزون الأموال ويسرقوها ويحولوها إلى الخارج حتى باتوا على مستوى أغنياء العالم الرأسمالي. (عايدي أمين القذافي، زين العابدين وعمر البشير وآل الأسد مخلوف وأبنائهم وابناء مبارك والحريري وبري وميقاتي.. إلخ) فأفقروا بلدانهم وشعوبهم وجوعوها مما جعل شعوبهم تنقم على الغرب وعلى الرأسمالية، وتثور بالتالي على حكامها. وهو ما يفسر حصول ووقوف حكومات كثير من الدول الغربية بما فيها أمريكا مع عملية إسقاط وتغيير رموز وقيادات هذه الأنظمة الفاسدة والمستبدة لأنها تسيئ لهم – مع أنهم هم من ساهموا في دعمها سابقاً كما جرى مع صدام في العراق ومبارك مصر وقذافي ليبيا و.. إلخ. مما جعل الحكام الكبار للعالم (خمسة زائد واحد من خلال G20) أميل إلى إصلاح تلك الأنظمة سياسياً (مع الحفاظ على التبعية المطلقة للمراكز المالية الكبرى) من خلال تغيير الوجوه الفاقعة جداً في الأطراف التابعة (الظاهرة في الواجهة وليس إلى إسقاط الأنظمة) وتخفيف درجة الإفقار والفساد. ليس حبا بالشعوب بل لأن هذا الإفقار وعدم الاستقرار يؤثر على تجارتهم ونموها. لذلك لم تعد تمانع في إصلاح تلك الأنظمة وإزاحة بعض الوجوه المنفرة مثل مبارك وزين العابدين والبشير والقذافي ونبيه بري والحريري وباسيل وعلي الخليل حيث فرضت على بعضهم عقوبات. وباتت أميل إلى الوقوف ضدهم إلى جانب الجماهير الثائرة. ما يفهم منه أن حكومات الدول الغربية لم تعد يعير بقاء الزعماء الفاسدين (زعماء الطوائف في لبنان) أهمية كبيرة كما كانت تفعل سابقاً. وطالما أنها تخلت سابقاً عن مبارك وزين العابدين ومبارك والقذافي وعمر البشير و.. إلخ. لذلك فهي مستعدة للتخلي عن الحريري وميقاتي وعون وبري وباسيل. وهذه نقطة مهمة (تكمل ما سبق وأشرنا إليه سابقاً) يفترض بقادة الثورة والثوار أن يعرفوها. وأن يعرفوا كيفية الاستفادة من الموقف الغربي لإسقاط تلك الرموز الفاسدة. 

 

بقايا النفوذ السوري المافيوي القديم الجديد والمتجدد : 

بما أن نظام الأسد كان على معرفة بأن قواته دخلت إلى لبنان بموافقة أمريكية لتحقيق أهداف معينة بعد أن تحققها ستخرج منه إن عاجلاً أو آجلاً (وهو ما أرغمت عليه عام 2005 بعد عملية اغتيال الحريري) وكيلا تخلق فراغاً أمنياً وعسكرياً. قد تملأه القوى الوطنية والديمقراطية. ولكي تحول دون تسلمها السلطة. لذلك عملت قبل أن تخرج على سحق تلك القوى الديمقراطية وعلى إضعافها. وخلقت كل الظروف المناسبة لقوى طائفية الجديدة مثل حركة أمل وحزب الله لتحل محلها فمولتها بالخبرة الأمنية والدعم المعنوي والسياسي. حيث تؤكد كثير من الوثائق المثبتة أن الجيش السوري قبل أن يخرج من لبنان ترك لحزب الله والحكومة اللبنانية (الجيش والمخابرات) قسماً كبيراً من أسلحته الثقيلة وجهازه الأمني وخبرته في القمع. مما جعل منهم بديلاً لبنانياً عن المافيا السوري التي كانت تحكمهم. وهو ما جعل من العهد (عون وبري ونصر الله والحريري وجنبلاط) حريصاً على إسقاط النظام الطائفي. ولم يكن ينقص الثنائي الشيعي للهيمنة على لبنان (بعد خروج سوريا عام 2005) سوى التوافق مع التيار الطائفي الأقوى في الطرف المسيحي مما يرغم الأطراف الأخرى على الرضوخ. وهو ما تحقق بسهولة من خلال لقاء تم بين عون وحسن نصر الله في كنيسة مار مخايل في العام 2006. الأمر الذي أضعف من ناحية تيار المستقبل والقوى المسيحية الأخرى. وأبقى من ناحية ثانية على جذوة الطائفية مشتعلة. 

تحول الخطر الإيراني إلى خطر داخلي على لبنان: 

تشير الوقائع التاريخية إلى أن شيعة لبنان (كطائفة منغلقة وليس كجمهور وشعب منفتح على العالم وعلى الثقافة). لم يتلقوا منذ نشأة جبل لبنان، دعما واضحا من أية قوة خارجية، كتلك التي تلقتها الطوائف الأخرى من فرنسا وبريطانيا وألمانيا. وبما أن القوات السورية منذ أن دخلت لبنان أعطت شيعة لبنان كطائفة مكانة خاصة بعد الثورة الخمينية. وبما أن إيران باتت قوة إقليمية قوية، (اقوى من سوريا في لبنان) وباتت تتحدث باسم الشيعة في العالم بما فيه لبنان وتعلن عن نفسها حامية لهم (ضمن السياسية الأمريكية الصهيونية العاملة منذ التسعينات على إذكاء الصراع المذهبي على نطاق المنطقة (كما بينا سابقاً). لذلك باتت إيران في لبنان قوة جديدة أقوى وتنافس وتحل محل المحور المصري السعودي الذي ضعف بعد كامب ديفيد. ما مكن إيران من التغلغل بسهولة. وجعلها تجد لها قبولاً فكرياً وسياسياً وأمنياً وإعلامياً أكثر من أي بلد عربي آخر (طغت على الهوية العربية فيه). وهكذا باتت إيران أهم عامل خارجي جديد مؤثر على الوضع الداخلي في لبنان وبأكثر مما فعل النظام السوري سابقاً. 

وبما أن النظام السوري كان يعرف أنه لابد من يخرج من لبنان مهما طال الزمن، لذلك عمل وساعد على تقوية النفوذ الإيراني كي يكون بديلا عنه في لبنان. كونه يمتلك سلاحي المال والدين أكثر منه. وهذا ما اتضح في الدعم العلني والصريح المادي والعسكري والسياسي والمعنوي لحزب الله وحركة أمل خاصة بعد حرب عام 2006 وهو ما انعكس فوراً في السيطرة العسكرية والمعنوية للحزب والشيعة كطائفة على الطوائف والقوى الأخرى الرافضة لإيران مثل الدروز والسنة في تموز 2008. وهكذا باتت إيران أكبر قوة داخلية مؤثرة في لبنان. 

 

المعوقات الداخلية العميقة ، لابد من التمييز: 

أولاً بين القوى الفاعلة القديمة والتي كانت وما تزال تمسك بمفاصل الحكم في لبنان (البنية القاعدية. أو الأساس المادي أو القوى الخفية أو الدولة العميقة) وبين القوى الجديدة التي باتت تمسك بمفاصل الحكم. أكثر من السابقة. 

وثانياً: بين العلاقة الجدلية بين ما يجري على السطح وبين تأثير ذلك على العمق وبالعكس. أي تأثير الدولة العميقة (القاعدة المادية للدولة اللبنانية) : 

أ- ملاًك الأراضي الزراعية والعقارات السكنية والسياحية والشركات والمؤسسات الكبرى المهيمنة على الطاقة والمواصلات والاتصالات، مع أن نسبة هؤلاء لا تتعدى 3% من مجموع سكان لبنان إلا أنهم يتحكمون بأهم مفاصل الدولة. حيث تشير الأرقام والتقارير أن حوالي 20% من أصل 80% من أراضي الدولة العامة والأميرية (جبال، غابات، حراج، مراعي، مسطحات مائية وشواطئ.. إلخ) قد تحولت إلى ما يشبه الممتلكات الخاصة لزعماء الطوائف ومن ينوب عنهم أو يمثلهم علناً أو في الخفاء. عن طريق الانتفاع أو الإدارة أو بالأجرة (لقاء مبالغ تافهة أو بالتراضي أو بالواسطة أو القوة، حيث باتت كثير من المقالع والكسارات والترابة (الاسمنت خاصة الأبيض) والشواطئ البحرية وضفاف الأنهار والمسابح والشاليهات والمطاعم والكازينوهات وموارد الطاقة والشركات المساهمة ومعابر التهريب البرية والبحرية والجوية (بما فيها شركة طيران الميدل إيست). والتي تدار من قبل أشخاص معينين يتبعون لزعماء طوائف أو سياسيين (بأجرة تافهة أو بالتراضي) تدر عليهم أموالا طائلة. والمصيبة أنهم لا يخضعون لأي رقابة ولا محاسبة ولا يدفعون ضرائب للدولة. بما يفهم منه أنه لو تمت تلك التنفيعات من خلال مناقصات أو مزايدات نزيهة وعلنية لدرت على الخزينة اللبنانية مليارات الدولارات وأغنت لبنان عن الاستدانة وعن القروض وحتى عن المساعدات المقدمة من الخارج. ولكان وضع لبنان أفضل على المستويات كافة. ما قد يجعلنا نزعم أن هؤلاء ومن يقف خلفهم من زعماء الطوائف باتوا يشكلون أكبر خطر على لبنان وأكبر قوة ضاغطة لمنع التغيير ومكافحة الفساد واللصوصية والجريمة. 

ب- أصحاب المصارف والبنوك وتجار العملة والعاملين في الاستيراد والتصدير، وهم جالسون في بيوتهم أو في فنادق مريحة أو يسيحون في جزر المحيط الهادي والكاريبي ومونت كارلو وباريس ودبي.. إلخ، يبذرون ويبذخون بالأموال التي يحصلوها من وراء تخزين أموال الناس في البنوك والمصارف أو من وراء التحويلات المالية والاستفادة من فروق الأسعار تحويل العملات أو من فروق الفوائد بين البنوك في مختلف دول العالم. أو من خلال التلاعب بسعر صرف العملات. وهي على صغرها لكنها عندما تكثر تصبح بملايين الدولارات. ومع ذلك لا يدفعون ضرائب للدولة لأنهم لا يمكن أن يكشفوا عن حساباتهم وأرباحهم بذريعة السرية المصرفية. أمثال هؤلاء لا يمكن أن يسمحوا بأن يتم تغيير النظام النقدي والمالي للبلد. وهم عند الضرورة كما حصل بعد ثورة 17 تشرين يهربون أموالهم والأموال التي وفرها الناس ووضعوها في مصارفهم إلى الخارج. وهم لا يتوانون عن تدمير البلد في سبيل الحفاظ على مواقعهم وأرباحهم. 

ج- عملاء السي آي إيه والموساد والكي جي بيه.. إلخ، من اللبنانيين المتخفيين والمنتشرين في جميع مرافق الدولة ومناطقها والذين يشكلون شبكة واسعة تأتمر بأوامر مموليها في الخارج. ومع أنه لم يكن يظهر لها أثر مباشر ولا يهمها أن يظهر بل على العكس تعمل على التخفي وعدم الظهور وتحرص عليه وفيه تكمن قوتها. إلا أنها من خلال تغلغلها في أهم مفاصل الدولة مكنها من توصيل المعلومات بسرعة ولهذا كان يتم تبادلها من خلال شبكات سرية من المواطنين الجهلة وهكذا باتت تقرر سياسة كثير من مؤسسات الدولة وتقرر من يكون في هذا المنصب أو ذاك وعندما لا تنجح في ذلك تقوم بعمليات ابتزاز أو تهديد أو قتل. وهكذا رغما عن حرصها على عدم الظهور كانت تترك أدلة دامغة على دورها الفعال في تغيير سياسة الدولة. 

د- منظمات الروتاري والإنجي أوز، من المعروف أن الفرع 2452 من نادي (تنظيم) الروتاري العالمي والمعروف بنادي القلمون ومركزه بيروت في شارع الحمراء والذي يرأسه انطوان حبيب والذي يضم حوالي ألف من رجال الأعمال في لبنان. يشكل فرعا من 3500 فرع في العالم. يضم كبار رجال الأعمال في البلدان التي يوجد له فيها نشاط واضح وصريح. ومع أنهم لا يتدخلون في السياسة ويعلنون أنهم منظمة خيرية إنسانية تضم رجال ونساء من مختلف الأديان وتعمل على نشر الخير والمحبة والسلام بين الشعوب (طبعاً لا تذكر إسرائيل لكنها ليست مستثناة) لكنهم إذ يتعاونون مع كبار رجال المال في العالم وفي بعض الأحيان يدعمون شخصيات معينة لتسلم بعض رؤساء الدول أو رؤساء الوزرات والقضاة والمسؤولين ورؤساء الأحزاب (ومنهم جبران باسيل عضو التنظيم) لذلك يمكن اعتبارهم أقرب إلى حكومة عالمية. وتشير كثير من التقارير أنهم في لبنان (كما في غيره) يقيمون علاقات مع كثير من الشخصيات السياسية ورجال الأعمال البارزين مثل نجيب ميقاتي وشريكه “رامي مخلوف” ما يعني أن لهم دوراً خفياً يعملون كل جهدهم على إخفائه كما يخفون جمع بعضهم بين عضوية النادي وعضوية المحفل الماسوني. وبين التعامل مع المخابرات المركزية والموساد والكي جي بيه. ما قد يشير إلى أنهم بالتنسيق والتشاور مع النوادي الأخرى في العالم قد يقررون تسلم بعض الشخصيات في لبنان وغيره المناصب الحساسة. ويستبعدون من لا يرونه مناسباً. لذا لابد من إعطاء هذا النادي وأعضاءه كثيراً من الاهتمام. 

وعلى ما يبدو فإن منظمات “الإنجوز” التي تمولها منظمات وجمعيات أوروبية وتعمل خلف عناوين وتقدم مساعدات إنسانية وخيرية وصحية وتنموية. حيث يزيد عددها عن الثلاثمائة في لبنان ما يجعلها تستقطب كثير من الشبان اللبنانيين وخريجي الجامعات والصحفيين والمنظرين العاطلين عن العمل. لذا لابد من إعطائها بعض الاهتمام. على الرغم من أن دورها غير ظاهر أو غير حاسم. لكنها لا يمكن أن تدفع الملايين إن لم تكن تلعب دوراً مماثلاً لنادي الروتاري أو مكملا له. 

ه- المنظمات الحكومية الأمنية، مثل جهاز الأمن العام أو جهاز المعلومات أو الأمن الرئاسي أو الأمن العسكري أو السياسي. إلخ. والتي على ما يبدو نتيجة لارتباطاتها ونوعية رؤسائها باتت أقرب إلى جواسيس للزعماء مع أنها رسمياً أجهزة حكومية، يفترض أن تعمل لصالح الدولة اللبنانية، وهكذا باتت تعمل لمصلحة الأحزاب أو الزعامات المتنفذة مثل نبيه بري أو سعد الحريري أو رئيس الجمهورية أو وزير الدفاع. بدليل أن تلك الأجهزة مع أنها (من المؤكد أنها تعرف من كان وراء كثير من الجرائم) لم تكشف عن أي من فاعليها الحاصلة في لبنان إن لم نقل إنها باتت تعمل للتغطية عليهم. 

و- المليشيات وعصابات التهريب، لا يخفى على أحد أن لجميع الطوائف والزعامات اللبنانية مجموعات، تشكل أكبر قوة ضاربة بعد الجيش وقوات الأمن العام والدرك والشرطة وللنزول إلى الشوارع للبطش بالثوار. خاصة إذا فشلت تلك القوى. وتظهر أنها على استعداد لارتكاب أبشع الجرائم. 

ك- الزعامات وزعرانها، أولاً أن نبيه بري الذي تنقل بين وزارات عديدة وأصبح رئيساً لمجلس النواب لفترة تصل إلى 28 عاماً، بات ضليعاً وخبيراً في كل شؤون لبنان وكيفية ترتيب كل أموره من خلال التحكم بقانون الانتخاب الذي يوصل من يريد إلى المجلس النيابي. وهو ما يجعله قادراً غداً. من خلال قانون الانتخابات التحكم بالأغلبية النيابية وبالتالي ليقرر بالتوافق مع من يريد في أمريكا وفرنسا والسعودية وسوريا وإسرائيل، وبما أنه من جهة يمتلك المال (وزارة المالية ومليشيا من الزعران وأهم جهاز أمني في لبنان (الأمن العام اللبناني) بزعامة اللواء عباس إبراهيم وبما أنه بات يستخدم حزب الله كأداة يهدد بها خصومه في الداخل والخارج وبما أنه بات يقيم علاقات مع الكل، ويحدد بالتوافق معهم اسم ونوع رئيس الجمهورية والوزراء، وبالتالي تحديد رئيس الوزراء وأسماء جميع الوزراء (المشاورات الملفقة القائمة على المساومات والبيع والشراء) والبيان الوزاري الشكلي والمنمق. اللازم لتنفيذ السياسة التي تريدها القوى الخفية التي يعرفها بما يجعله متمسكا بالسلطة السياسية والمالية بنواجذه. لذلك بات بشخصه وموقعه معيقاً رئيسياً لأي انتقال سلمي محتمل لدولة لبنان الحديث. 

ل- الأمن العام اللبناني، ربما لا يعرف الكثير من اللبنانيين أن فرع الأمن العام اللبناني يعتبر أقوى جهاز أمني يسيطر على الداخل في العالم. كون نشاطه راح يمتد ليطال جميع أوجه النشاطات السياسية والأمنية والحزبية والاجتماعية والروحية والفكرية والإعلامية، ومراقبة جميع المنظمات والأحزاب والقيادات وجميع المنظمات الفلسطينية والسورية والعربية الهاربة أو المقيمة في لبنان ويشرف على إصدار الهويات والجوازات والإقامات وحدودها كما له الحق في إعطاء الموافقات والاستثناءات والمنع والتوقيف. مما جعل هذا الفرع يمتلك أكبر وأدق أرشيف (ملف كامل) عن كل الشخصيات اللبنانية العاملة في جميع النشاطات الداخلية والخارجية ومعلومات دقيقة ومفصلة عن صفاته وأفكاره وتصله عن طريق عشرات آلاف المخبرين المنتشرين في كل الجهات والأحزاب والتنظيمات والاتحادات. وعن عن نشاط وصلات كل الشخصيات الفاعلة في الداخل وعن صلاتها بالخارج. 

لذا لا أبالغ إذا قلت إنه بات أشبه بشبكة عنكبوتية لا تخفى عليها خافية حتى لو كان طائرا إذا دخل الأراضي اللبنانية أو إذا خرج منها. كما يقيم صلات مع جميع مخابرات ورؤساء وزعامات دول العالم بما فيه الموساد (بشكل غير مباشر) بدليل الدور الفذ الذي قام به اللواء عباس إبراهيم في عمليات تكاد تكون من المستحيلات. حيث كان له دور حاسم في مفاوضات إطلاق الأسرى أو المحتجزين لدى إسرائيل أو اسرائيليين لدى سوريا أو لدى الارهابين والدواعش واللصوص والمهربين والعصابات المحلية وعن تحركاتهم وصلاتهم بالخارج والداخل. لدرجة نقول معها أن يشكل الدولة الفعلية للبنان. لكن دون أن يعمل لمصلحتها. بدليل أن رئيس الأمن العام اللبناني السابق (جميل السيد) أبدى استعداده لتقديم كل المعلومات التي تثبت تورط حاكم مصرف لبنان بعمليات فساد وتهريب أموال. فكيف برئيسه الجديد الفذ والذي أثبت أن الأقدر على تدوير الزوايا وحل أعقد وأصعب المشاكل. يؤكد كل يوم مع أنه يعرف كل تفاصيل وخبايا الجرائم والاغتيالات التي حصلت في لبنان لكنه لم يكشف عنها بذريعة أن هذه ليست من مهامه الرسمية بل للحفظ والعلم. مع العلم أن مهمته الأساسية حسب اسمه الحفاظ على “الأمن العام”. لذا نسأل: 

لماذا لم يكشف هو أو غيره عن قتلة كثير من الزعامات والقامات اللبنانية الكبيرة والكثيرة ومن جميع الطوائف؟ ولم يُكشف عن مقتل رفيق الحريري رغم تشكيل عدة لجان تحقيق دولية ومحكمة دولية خاصة بلبنان وبالحريري. 

لماذا لم يُعرف من كان وراء اغتيال شخصيات مثل الشيخ حسين مروة والمفكر مهدي عامل وكثير من الشخصيات البارزة السورية واللبنانية مثل سعادة وبشير الجميل وأكرم الحوراني وعصام خليل (مؤلف كتاب كيف سقط الجولان) ؟ لماذا لم يكشف حتى اليوم عمن ومن كان وراء تفجير ميناء بيروت؟ ولماذا لم يتم الكشف عن أسماء من هربوا عشرات مليارات الدولارات؟ إن لم تكن تلك الأجهزة الأمنية جزءاً من الطغمة الحاكمة أو خادمة لها؟ 

مما يشير ويؤكد على أن إخفائها لكثير من المعلومات كانت إما للتغطية على كثير من التغيرات السياسية التي حصلت نتيجة إخفاء تلك المعلومات أو نتيجة أو لسبب عدم تقديمها للجهات المختصة. 

لماذا لم يُكشف عن اسم فاسد واحد؟ لماذا لم نرى حتى اليوم فاسداً واحداً كبيراً يدان أو يفضح؟ في حين نجد الآلاف ممن يسرقون ليأكلوا في السجون. حتى الأبرياء يسجنون ويوقفون لسنوات دون محاكمة لشبهة أو نتيجة لتقرير من حاقد؟ 

لماذا يتسترون على بعضهم إن لم يكونوا عصابة واحدة متضامنة متكافلة؟ 

ولماذا يصر السيد حسن على تولي الحريري رئاسة الوزراء يصر على التحالف مع بري مع أنه يعرف أنهما من أكبر الفاسدين وبأنهم مع أنصارهم أكثر من سرق مليارات الدولارات ويتم تحويلها إلى الخارج؟ لماذا يسكت الحريري على مصادر تمويل حزب الله غير الشرعية، سواء القادمة من إيران أم من التهريب عبر عشرات المعابر غير الرسمية؟ 

وهذا ما يسهل علين