حسن مدن
اختار المنتدى الفكري السنوي للمنبر التقدّمي في البحرين لدورته الحادية عشرة، قبل يومين، موضوع “شعوب الخليج العربي والقضية الفلسطينية”، في إطار ما شهدته البحرين من حملات تضامن مع شعب فلسطين إثر العدوان الإسرائيلي على غزّة. ولأنّ المنتدى خليجي الطابع منذ تأسيسه، كانت هذه الدورة فرصة للوقوف على صورة بانورامية لتضامن شعوب الخليج مع القضية الفلسطينية، إذ تناولت الأوراق المقدّمة بدايات نشوء هذا التضامن ومراحله، تبعاً لتطوّر القضية الفلسطينية نفسها، منذ كان المشروع الصهيوني مجرّد فكرة، إلى أن نُفذّ باحتلال فلسطين وتهجير شعبها من أراضيه، ويسّرت هذه الأوراق التي قدّمها كل من أحمد الديين من الكويت ومحمد القشعمي من السعودية وسعيد الهاشمي من عُمان وحسن مدن من البحرين الوقوف على تلك البدايات وما تلاها.
جاء في ورقة أحمد الديين أن مجلس المعارف في الكويت، المشكّل من الأهالي، بادر في ثلاثينيات القرن الماضي، إلى مخاطبة مفتي فلسطين رئيس الهيئة العربية العليا، الحاج أمين الحسيني لإرسال مدرّسين فلسطينيين إلى الكويت. استجاب المفتي للطلب الذي حاول البريطانيون عرقلة تنفيذه، ثم اكتفوا بمنع منح سمة دخول أحد المعلمين الفلسطينيين المرشّحين للتدريس في الكويت، وهو ذو الكفل عبد اللطيف بسبب نشاطه السياسي، وشكّلت البعثة التعليمية الفلسطينية الموفدة إلى الكويت نقطة تحوّل هامة، ليس على مستوى العلاقة بين الشعبين، وإنما أيضاً على مستوى تطوير التعليم في الكويت.
وذكرت ورقة محمد القشعمي أن أحد أعداد صحيفة أم القرى السعودية، في يوليو/ تموز 1937، حمل العناوين الرئيسية البارزة: “الشعب العربي السعودي يغضب لشقيقه في فلسطين.. المظاهرات في طول البلاد وعرضها.. الإضراب يشمل جميع المتاجر والحرف والأعمال.. الهتاف بحياة فلسطين مسلمة عربية مستقلة.. برقيات الاحتجاج لدى المراجع العليا تهزّ أسلاك البرق في طول البلاد وعرضها”، وحين اطّلع الناس على الصحيفة، شهدت مكّة حركة غير عادية، وساد الغضب الشعبي، واعتزم سكان العاصمة الإعلان عن شعورهم ذاك، وبدأوا حركتهم بالإضراب العام الشامل طوال ذلك يوماً كاملاً، فقاموا بمظاهرات سلمية يلفتون بها النظر إلى شعورهم، واتقد الحماس، فأضربت المدن والقرى في سائر بلدات المملكة ومدنها، واجتمع الأهلون في المساجد، وطافوا بدوائر الحكومة ومصالحها لإبلاغ احتجاجهم.
أكّدتُ في ورقتي بالمنتدى أنّ تضامن شعوب الخليج العربي مع فلسطين وقضيتها لم يبدأ عشية النكبة في العام 1948، ففي 1924 نشر المجلس الشرعي الإسلامي في فلسطين بياناً لعموم العرب والمسلمين دعاهم فيه إلى دعم مشاريع ترميم بنيان الحرم القدسي المشتمل على المسجد الأقصى وقبة الصخرة والمباني الأثرية الإسلامية والآثار المحيطة، فانتظمت في البحرين حملة تبرّعات كبيرة استجابةً لهذا النداء. صحيحٌ أنّ الباعث الأساس لذلك ديني، لكنها فرصة وجدها البحرينيون لإظهار تعاطفهم مع فلسطين عامة، إذ جُمع مبلغ ضخم بلغ 2681 جنيهاً مصرياً، وهو مبلغ فاق ما جُمِعَ في بلدان عربية كبيرة أخرى.
وقال سعيد الهاشمي من عُمان في ورقته إنّ سؤال فلسطين استطاع أن يوحّد الخطابات الثورية العُمانية المختلفة، ويصهرها في قناة واحدة تصبّ دعمها ومناصرتها للثورة الفلسطينية، رغم التناقضات الموضوعية والاختلافات في المنشأ والأهداف والأفكار والوسائل لكل منها، فكل التجارب الثورية العُمانية منذ الخمسينيات لصدّ التدخّل البريطاني على أراضي الداخل العُماني، مروراً بالثورة العُمانية في النصف الثاني من الستينيات والأول من السبعينيات، وحتى التجربة المبكرة لحزب الاتحاد العُماني، الذي أسسته النخبة العمانية في كراتشي، في مطلع الخمسينيات، لم تغفل عن السؤال الفلسطيني وتآمر القوى الاستعمارية على فلسطين.
ليست تلك سوى شذرات من بدايات التضامن مع فلسطين، لكن المراحل اللاحقة شهدت تطوّراً واسعاً في صوره ومداه، وتضاعف تفاعل شعوبنا في الخليج مع قضية أشقائهم في فلسطين، وصولاً إلى اللحظة الراهنة. وتشكّل مضامين تلك الأوراق مادة مهمة موثقة تفيد المهتمين، علماً أنّ هناك ورقة خامسة قدّمها الباحث العراقي المقيم في الكويت، محمد العتابي، سلّطت الضوء على ثقافة المقاومة، مأوى أخيراً للمثقف من الحملات الممنهجة لتدجينه، ووقف عند مفهوم المثقف المقاوم، مضيئاً جوانب مهمة من هذا الموضوع، فجاءت الورقة لتُضيء بُعداً إضافياً، ثقافيَّ الطابع، من موضوع المنتدى.
المصدر: العربي الجديد